شهدت سنة 2010 مواجهة حقوقية هامة بشأن الاحتجاز التعسفي وعلى خلفيته حق اللجوء. فعلى خلفية ابقاء لاجئين قيد الاحتجاز بعد انتهاء فترات محكومياتهم، أصدر القضاء عددا من الأحكام عدت هذه الممارسة بمثابة اعتداء صارخ على الحرية وألزمت الدولة بالافراج عنهم فورا. لكن بقيت هذه الادارة متلكئة عن تنفيذ هذه الأحكام لأسباب معلنة وغير معلنة، بقيت كلها بمثابة اعلان صريح بالتمرد ضد حكم القضاء الذي "لا يعلم ماذا يفعل". جمعية رواد- فرانتيرز ادّت دورا اساسيا في مواكبة هذه الأحكام وفي الدفاع عن اصحابها، وهي اليوم تنشر تقريرا توثيقيا عن هذه الأحكام وما اعقبها من ردود أفعال، تحت عنوان: "اللجوء الى الاحتجاز التعسفي سياسة فوق الدستور؛ الاحتجاز التعسفي المطوّل رغم ادانة القضاء، ضريبة يدفعها اللاجئون ثمنا للجوئهم". ونحن ننشر هنا مقتطفات من الملخص التنفيذي لهذا التقرير.
"لبنان ليس بلد لجوء"، عنوان عريض لا يزال يشكل مظلة لسياسة متبعة في لبنان، تنعكس على اللاجئين وطالبي اللجوء احتجازاً تعسفياً وتهديداً فعلياً بالترحيل القسري،  بسبب دخول عدد كبير منهم خلسة الى لبنان والإقامة فيه بشكل غير شرعي.
هذه السياسة لا تزال قائمة في لبنان لدى الإدارات الرسمية رغم انها كانت موضع ادانة من قبل القضاء الذي اعتبر انها "تشكل مخالفة صارخة للقانون" و"نشاطاً غير مشروع يخرج عن كل حدود المشروعية، ومجردا عن كل تبرير قانوني".
وتتخذ الإدارة من الاحتجاز المطول للاجئين وطالبي اللجوء من دون اي مسوغ قانوني، اسلوباً  للضغط عليهم لإجبارهم على الموافقة على اعادتهم الى بلدانهم، لقناعتها ان اخلاء سبيلهم من دون ترحيلهم من شأنه أن يحوّل وجودهم في لبنان الى "لجوء الأمر الواقع"وان يشجع الداخلين خلسة الى لبنان او مخالفي نظام الإقامة فيه على التحايل على القانون، وفق اعتقادها، بالتحول الى لاجئين. كما تتخذه اسلوباً لثني طالبي اللجوء عن القدوم الى لبنان، مما يقلل من توافد اللاجئين كخطوة استباقية.
ويمكن القول ان السنتين الاخيرتين تميزتا "بمواجهة" بين القضاء والإدارة حول الاحتجاز المطول بعد انتهاء المحكومية القضائية. مواجهة عمادها الدستور والقانون والتزامات لبنان الدولية من جهة القضاء، في مقابل سياسة تعتمدها الإدارة وتقوم على اعتبارات امنية وسياسية واقتصادية وحتى ديمغرافية، ومنها ما قد يكون مشروعاً. الا ان المواجهة هذه، ترجمت على الأرض بإطالة امد الاحتجاز التعسفي لأشخاص اكد القضاء عدم مشروعية احتجازهم، وترجمت من جهة اخرى، بتدخل من قبل الادارة في اعمال القضاء وتعدّ على مكانته. وفي الحالتين ثمة انتهاك للدستور ولمبدأ فصل السلطات.
فكنا امام احكام قضائية تطالب بوضع حد للاحتجاز التعسفي وللتعدي على الحرية، رافضة اي تبرير لهذه الممارسة التي تمس حرية للانسان كرستها الشرعة الدولية والقوانين الوضعيةووضعتها تحت حماية القضاء؛ وكنا كذلك امام احكام تمنع ترحيل اللاجئين الذين حصلوا على الحماية الدولية في لبنان، ولو كان الترحيل بموجب حكم قضائي سابق.  فمن شأن  صفة اللجوء، اللاحقة على القرار، ان تعطل مفعوله بناء على التزامات لبنان الدولية.
الى ذلك كنا امام احكام رفضت الاعتداد بموافقة اللاجئين وطالبي اللجوء على الترحيل وهم تحت الاحتجاز.  واخرى رفضت محاسبة من لا يتقيد بقرار الترحيل بحجة انه "يخالف تنفيذ حكم قضائي" او تدبير اداري؛ ومن الأحكام التي يجدر الوقوف عندها اعتراف القضاء بحق ضحية الاحتجاز التعسفي بالتعويض عن تعدي الادارة على حريته.
وفي مقابل كل هذه الاحكام، كنا امام ادارة تعمل لتحصين السياسة التي تتبعها، فتبدأ اولا بالطعن بكفاية القضاء في هذا المجال على انه "لا يعلم ما يفعل"، ثم ترفض صراحة تنفيذ احكامه، لتنتقل فيما بعد الى استراتيجية اخرى لإعاقة هذه الاحكام عبر التمنع من تبلغها، او خلق اوضاع جديدة تجردها من مفعولها وتحاول اضفاء صبغة شرعية على الاستمرار في التوقيف من خلال ادعاء جديد او تجعلها دون موضوع بترحيل المدعين، او تعمل على قلب هذه الاحكام عن طريق الطعن بها وهي محاولات نبذها القضاء وجابهها بأحكام جديدة. واستمرت المواجهة، مخلفة وراءها ضحايا استمر حجز حرياتهم من دون اي اساس قانوني.
المواجهة بين القضاء والادارة واستمرار ممارسات الاحتجاز التعسفي والترحيل استدعت اعادة نظر في السياسة المتبعة، من قبل السلطة التنفيذية، او تحديد الأسس التي تقوم عليها هذه السياسة، بحيث تكون ضوابط وحدود التعاطي مع ملفي الاحتجاز المطول واللجوء واضحة. فناقشت الحكومة اعتباراتها السياساتية والمبادئ التي تحكم مقاربتها للجوء والاحتجاز. وخرجت بتقرير ثبّت مبدأ ان "لبنان ليس بلد لجوء" كمنطلق لكل السياسة المتعلقة بهذا الموضوع، ووضع اطرا، غير واضحة المعالم بعد،  لمعالجة حالات اللجوء وحدودا زمنية لمنح الحماية لطالبي اللجوء في لبنان.
اعتبارات عدة تقف خلف السياسة القديمة - الجديدة المتبناة، منها ما قد يكون مشروعاً اذا ما قاربناها مقاربة امنية ووطنية صرفة. ومنها، ما رد القضاء عليه في القرارات التي انتجت المواجهة بينه وبين الادارة. فضلاً عن اخرى تسقط امام مقاربة تستند على الالتزامات الدولية للبنان كعضو في المجتمع الدولي. اعتبارات لا يوافق عليها كلها المشرعون في مجلس النواب. فمن خلال مناقشتهم المقتضبة لموضوع اللجوء، كانوا ابدوا قناعتهم بوجوب وضع قانون ينظم اللجوء، لتنتقل مسؤولية وضع السياسة وصناعة القرار فيه من السلطة التنفيذية والادارة التابعة لها الى من اوكلهم الدستور سن قوانين وانظمة تحمي الحقوق والحريات، ما يستدعي سن قانون يراعي مصلحة لبنان واعتبارات سياسته، انما ايضا دستوره والتزاماته. وفوق هذا كله قال النواب كلمتهم في المواجهة بين القضاء والادارة، مرجحين كفة الأول في حماية الحريات التي يكرسها الدستور ويضعها في حمى القانون والسلطة المولجة بتطبيقه وتفسيره.
وتجدر الإشارة الى ان مخالفة القانون والمعايير الدولية غير مقتصرة على الحجز التعسفي، بل تبدأ الانتهاكات منذ لحظة التوقيف لتستمر خلال التحقيقات وحتى المحاكمات، وتتفاقم خلال مرحلة السجن ان كان احتياطياً او في مرحلة تنفيذ العقوبة، وتصبح تعسفا كليا بعد انتهاء تنفيذ العقوبة او عدم الحكم بعقوبة، لتليها في الكثير من الاحيان اعادة قسرية الى الخطر او ربما الموت.
فتوقيف اللاجئين وطالبي اللجوء بسبب دخولهم خلسة او اقامتهم غير المشروعة لا يزال نمطاً متبعاً، مع عدم وجود قانون خاص يستثنيهم من هذا الجرم عملاً بالمعايير الدولية ذات الصلة، وذلك من دون احترام الحقوق الاجرائية كافة التي يكفلها قانون اصول المحاكمات الجزائية، سواء من حيث الحق بالاتصال بأحد افراد العائلة او من يختاره الموقوف علماً انه في حالة اللاجئين وطالبي اللجوء، تقضي المبادئ الدولية بوجوب منحهم الحق بالاتصال بمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (مفوضية شؤون اللاجئين او المفوضية) فور توقيفهم. ام من حيث الحق بالاستعانة بمحام ومقابلته رغم طلب الموقوفين ذلك في بعض الاحيان، او كذلك وجوب ابلاغهم  بحقوقهم هذه. فضلا عن كون التوقيفات تمت في عدد من الحالات بدهم المنازل خارج الساعات التي يسمح بها القانون. إضافة الى انها تجري احياناً من قبل اشخاص ينتمون الى السلطة لكن بثياب مدنية، فلا يعرّفون عن انفسهم ولا يعلمون الموقوفين بسبب توقيفهم. وعند التحقيق، يتعرض هؤلاء لمعاملة قاسية ومهينة واحيانا للتعذيب على ما يبدو. اضافة الى كونهم في الغالب يوقعون على محاضر التحقيق من دون قراءتها.
واذا ما احيلوا امام القضاء، ولم يكن لديهم محام يدافع عنهم ويبرز للقاضي صفتهم وخصوصية وضعهم كلاجئين أو طالبي لجوء، لا تعطى لهم في الغالب الفرصة للدفاع عن انفسهم، حيث لا يزال استجوابهم مقتصراً في الكثير من الحالات على الاسئلة العامة لتحديد هوية المدعى عليهم وجنسيتهم لا اكثر، كون الجرم المدعى عليهم به – وفي حالتي الدخول خلسة او الاقامة غير المشروعة – واضحا وثابتا عليهم والعقوبة واضحة وينص القانون أنه لا يجوز للقاضي تخفيفها في حالة الجرم الأول. علما ان البعض يحاكم وجاهيا، انما دون ان يواجه القاضي على ما يبدو.
 اما حين تتاح للاجئ، عن طريق ممثله القانوني، فرصة الإعلان عن نفسه كلاجئ، تتبدل الصورة في الغالب، ويتبدل تعاطي القاضي مع الملف، اذ ان "الجرم" لم يعد بهذه البساطة وتبرره حاجة لالتماس الحماية من اضطهاد او من موت، لا سيما ان الأعراف الدولية بدأت تقضي بعدم تجريم الداخلين خلسة في هذه الحالة.
وبعد الحكم عليهم، ينتقلون الى معاناة جديدة يعاني منها معظم المسجونين في لبنان. وتتمثل بالاكتظاظ الشديد، فلا يكون لهم مكان للنوم إلا بشكل جانبي و"رأسا على كعب" ، وتكون نوعية الطعام رديئة فيجبر الكثيرون على شراء الطعام او الاتكال على ما تقدمه بعض الجمعيات الخيرية من وقت إلى آخر، أو على ما يأتيهم به زوارهم، وهو ما لا يحظى به الأجانب واللاجئون في الغالب. ومن حيث الرعاية الصحية فهي لا تتلاءم مع الحاجات، يضاف الى كل هذا، تمييز في المعاملة يعاني منه الاجانب في اماكن الاحتجاز من قبل مختلف المولجين بالتعاطي معهم احيانا ومن قبل بعض المساجين اللبنانيين.
والاقسى من كل هذا ما يتعرض له الاجانب من ضغوط معنوية قد تصل الى حد التعذيب نتيجة قلقهم على مصيرهم بعد انتهاء العقوبة، حيث يتم نقلهم الى سلطة الامن العام، ليبقوا لديه الى أمد غير معلوم. فضلاً عن تعرضهم لضغوط لإجبارهم على الموافقة على العودة الى بلدانهم.
ويفاقم من هذه القساوة ايضاً كون المنظمة المولجة اليوم توفير الحماية لهم، أي مفوضية شؤون اللاجئين، غير قادرة على القيام بدورها على الصورة المتوقعة منها، لا سيما بالنسبة إلى المحتجزين تحت سلطة الأمن العام في النظارة التابعة لدائرة الإجراء والتحقيق، حيث ليس لدى المفوضية إذن مفتوح وشامل لزيارة هؤلاء المحتجزين بشكل دوري وآلي. بل تتطلب الزيارة موافقة مسبقة من المديرية العامة للأمن العام، وهي موافقة تعطى بالنسبة لحالات محددة، وتكون زيارة المفوضية محصورة بهذه الحالات وسريعة ومقتضبة، وبالتالي يقتصر دورها على الحد الأدنى، دون أن تقوم بشكل منهجي ومطوّل بتقديم النصح الكافي لهم حول وضعهم وحقوقهم او بمتابعة ملفاتهم القضائية واطلاق سراحهم.
ولم يكن القضاء وحده من أدان تلك الممارسات، بل لاقت كذلك رفضاً لدى الرأي العام ممثلاً بالصحافة والمجتمع المدني بمختلف أطيافه من إعلام ومنظمات غير حكومية ومحامين، فاعتُبرتجناية، وانتهاكاً واضحاً للقانون وللحرية الشخصية يحظره الدستور، كما يحظره ويعاقب عليه كل من القانون اللبناني والمعايير الدولية للاحتجاز.
وكما هو واقع الاحتجاز التعسفي، فإن ممارسة الترحيل كانت بدورها محل إدانة من قبل الجهات نفسها، لا سيما إنها تخالف التزامات لبنان امام المجتمع الدولي.
وهكذا، حضر كل من الاحتجاز التعسفي رغم قرارات القضاء وإدانته، والترحيل القسري، على طاولات حوار منظمات المجتمع المدني مع الاطراف المعنية كافة، وعلى صفحات وسائل الاعلام وفي استراتيجية التقاضي.
حيث دأبت منظمات المجتمع المدني على اثارة بواعث قلقها نتيجة استمرار ممارسة الاحتجاز التعسفي والترحيل القسري رغم قرارات القضاء، مع مختلف السلطات المعنية، كما مع الاطراف المؤثرة على السياسات في لبنان. ورفعت بواعث قلقها هذه الى المجتمع الدولي محاولة وضع السلطات امام استحقاق الجواب حول اسناد ممارساتها وسياساتها.
وعمل الإعلام أكثر فأكثر على الاضاءة على انجازات القضاء وعلاقته بالادارة، كما على خطورة الممارسات الماسة بالحرية الشخصية. وقام بدور ريادي في الوقت عينه في محاولة "حماية" بعض اللاجئين عبر الضغط لاطلاق سراح من حكم القضاء بافراج فوري عنه كيسرى العامري، او الاضاءة على خطر ترحيل من قررت الادارة ابعاده رغم توفر الخطر على حياته او حريته، مساهماً مع منظمات المجتمع المدني، وبأسلوبه الخاص، في محاولة درء هذا الخطر.
واستمر محامون مؤمنون بالقضاء ودوره في دفع عجلة التغيير في السياسات، باللجوء الى القضاء كوسيلة استراتيجية لحماية موكليهم في الدرجة الأولى وكل من يمكن أن يقع في يوم ما ضحية السياسة الحالية، على أمل ان يتطور الاجتهاد ويكون للقضاء بأحكامه التقدمية التأثير الأساس في صياغة توجهات السلطتين التشريعية والتنفيذية في ملف الحريات والحقوق الدستورية وبالأخص الحرية الشخصية وحق التماس اللجوء.
وختاماً من حيث بدأنا، تميزت السنتان الأخيرتان بتطورات حول موضوع اللجوء والاحتجاز التعسفي، على معظم المستويات السياسية والمجتمعية والحقوقية والقانونية . فالقضاء قال كلمته مدينا هذه الممارسة، والحكومة وضعت المسألة على طاولة التداول، كما انتقل النقاش الى الحيز العام، في حراك لم يشهده ملف الاحتجاز التعسفي واللجوء منذ سنين طويلة. لتجد السلطات نفسها، لمرة نادرة من المرات، ملزمة على كشف حججها واعتباراتها امام الرأي العام والمجتمع المدني فطُرحت أسئلة على اكثر من طاولة ومنبر وفي اكثر من سياق: هل يجوز القول ان لبنان ليس بلد لجوء؟ وهل يجوز باسم هذه السياسة ان يتم احتجاز حريات الاشخاص لأمد غير معلوم وان يتم ترحيلهم قسراً، ورغم الادانة الصريحة من القضاء، ورغم التزامات حقوق الإنسان الدولية التي اتخذتها الدولة على نفسها؟

نشر هذا المقال في العدد صفر من المجلة الدورية للمفكرة القانونية. بامكانكم الاطلاع على المجلة كاملة هنا.