بتاريخ 10 آب 2012، صدرالمرسوم رقم 8591 الذي قضى بانشاء برنامج "أول عمل للشباب"، بناءً على اقتراح وزير العمل، ويهدف الى "تشجيع أصحاب العمل على توفير فرصة عمل أولى مستدامة للشباب اللبناني بغية الحد من هجرتهم وتزويدهم بالكفاءات المهنية"، بحسب ما جاء في مضمون المرسوم، وذلك من خلال تقديم الحوافز لأصحاب العمل الذين يوظفون شابا لبنانيا لم يتسن له العمل سابقا بشكل مساعدات تعادل قيمة الاشتراكات المستحقة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي كليا أو جزئيا. وهكذا، تبلغ المساعدة كامل قيمة الاشتراكات في السنة الأولى من التوظيف، وثلثي قيمتها عن الفصلين الأولين من السنة الثانية، وثلث القيمة المتوجبة عن الفصلين الأخيرين. وقد أوكلت المؤسسة الوطنية للاستخدام بمهمة ادارة المشروع وتنفيذه، تحت اشراف وزارة العمل وبالتعاون مع البنك الدولي باعتباره شريكا أساسيا في المشروع. ويجدر الذكر أن وزير العمل السابق شربل نحاس هو الذي وضع صيغة المشروع المذكور قبيل استقالته.

أول عمل شباب: بين الحد من الهجرة واسترجاع الدور الحقيقي للمؤسسة الوطنية للاستخدام

خلال المؤتمر الصحفي الذي أعلن من خلاله انطلاق المشروع الذي يعتبر المبادرة الحكومية الأولى التي تربط الهجرة بأحد أبرز أسبابها– أي السبب الاقتصادي وتحديدا فرص العمل المناسبة- تم عرض احصائية تشرح فيها هذا الرابط، فالبطالة هي أحد الأسباب الرئيسية للهجرة عند الشباب، كما أن نصف القوى العاملة تعمل في القطاع غير المنظم. وهذا ما حاول المرسوم معالجته من خلال تقديم المساعدة لأصحاب العمل لتغطية اشتراكات الضمان الاجتماعي العائدة لهؤلاء الشباب، على نحو يصيب "عصفورين بحجر"،  بحيث يتمتع الأفراد بحظوظ أوفر بالحصول على الوظيفة الأولى لهم مع ضمان تسجيلهم لدى الضمان الاجتماعي. وكانت احصاءات البنك الدولي– وهو شريك أساسي في المشروع- أشارت الى أن المتخرجين الجامعيين يستغرقون بين سنة ونصف الى سنتين ليحصلوا على أول عمل لهم، في حين يرتفع عدد السنوات اذا ما قلّت درجة التحصيل العلمي[1]
ان 11% من العاطلين عن العمل هم شباب تتراوح أعمارهم بين 15-35 سنة، والفئة المستهدفة من خلال البرنامج هي الشباب دون الثلاثين من العمر، بالرغم من أن المرسوم لم يحدد عمر الفئة المستفيدة، تاركا ذلك للمؤسسة الوطنية للاستخدام. وقد سعى المرسوم من خلال تفويض المؤسسة وضع التفاصيل المناسبة لتطبيق المرسوم الى المحافظة على درجة معينة من المرونة وهامش التحرك: فأي تفصيل في نص المرسوم، يجعله اطارا جامدا، يصعب تصحيحه على ضوء التجربة والدراسات المواكبة لها.
وتمتد صلاحية المرسوم لخمس سنوات من تاريخ انطلاق المشروع، ويبقى لمجلس الوزراء في نهاية هذه المدة أن يجددها بناء على تقويم يرفعه اليه وزير العمل.ويفترض أن يبدأ تطبيقه خلال السنتين الأوليين بالتعاون مع البنك الدولي على شكل مشروع رائد ضمن اطار ضيق، ليصار بعدها الى تقويمه، بهدف زيادة فعاليته. بعد انتهاء هذه المرحلة، نستطيع قياس التأثير الايجابي لتغطية اشتراكات الضمان الاجتماعي كليا أو جزئيا على عمل الشباب.   
 
التطبيق العملي للمشروع:

2400 شخص سوف يتم اختيارهم بالقرعة للمشاركة بالمشروع، والمجال مفتوح لكل من يبحث عن فرصة العمل الأولى ليقدم طلبه لدى المؤسسة الوطنية للاستخدام. لكن لن يستفيد ال 2400 شخص بشكل كامل من المشروع، ف800 شخص فقط الذين سيحصلون على تدريب من قبل المؤسسة الموطنية للاستخدام وعلى بطاقة  يعفى بموجبها رب العمل من اشتراكات الضمان الاجتماعي. أما الثلث الثاني من المختارين فسيستفيد  فقط من التدريب، أما القسم الأخير فسيتسجل فقط في المشروع وتتم متابعة ملفه من قبل المؤسسة من دون الحصول على أي حوافز أو خدمات خاصة، على أن تقوم المؤسسة الوطنية للاستخدام بالاشتراك مع البنك الدولي بمتابعة الفئات الثلاث.
أما بشأن التدريب، فهو يتمحور بشكل أساسي حول اكتساب مهارات تتعلق بتكوين الشخصية (التواصل – الثقة بالنفس وبالغير – العمل ضمن فريق ...)، واستراتيجية البحث عن عمل. وتشرف على التدريب المهني جمعيات سيتم اختيارها للمشاركة بالمشروع عن طريق المناقصة. لكن كيف يتم التعاطي مع اختلاف المجالات، خصوصاً أن الاختيار بالقرعة سيفتح المجال أمام تفاوت كبير في الاختصاصات والتحصيل العلمي، وما هي الجدوى الفعلية من التدريب العام وغير المتخصص للشباب، وهل فعلاً سيكون عاملاً مساعداً للبحث عن عمل؟
هذا المشروع مبادرة جيدة، خصوصاً لتحسين وضع الشباب، لكن رغم اعتباره أن الفئة المستهدفة هي الشباب دون الثلاثين من العمر، الاّ أن المشروع لم يلحظ أي تحديد لعمر الشباب، بل بقي المجال مفتوحاً للجميع، شرط أن يكونوا فعلاً من الباحثين عن أول عمل، أي شرط أن لا يكون لدى المعني خبرة عمل سابقة بدوام كامل لأكثر من 12 شهر على التوالي من بعد تخرجه من المدرسة او الجامعة، بحسب ما جاء في الشرح التفصيلي عن المشروع. والطريقة الوحيدة للتأكد من توافر هذا الشرط هي عبر سجلات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي حيث يشترط أن لا يكون قد تسجل سابقا لديه. وبالرغم من أن الحافز الذي سيقدم لرب العمل هو ما يدفعه لتسجيل الموظف لدى الضمان، الاّ أن هذه المبادرة لا تشكل سوى حل جزئي لمشكلة هذا القطاع، بحيث يبقى العديد من الموظفين العاملين غير مسجلين لدى الضمان منذ توليهم عملهم. كما يخشى أن يؤدي المرسوم الى تفضيل الشباب الذين يدخلون الى سوق العمل للمرة الأولى على سواهم، رغم أنه يتخذ بعض الاجراءات لمنع أصحاب العمل من فصل موظف قديم واستبداله بموظف جديد لتوفير قيمة اشتراكات الضمان الاجتماعي.

حق العمل، الهجرة ودور الدولة

تعتبر المبادرة التي بدأها الوزير السابق شربل نحاس المبادرة الاولى التي استطاعت أن تسمي أحد المسببات الأساسية لهجرة الشباب، مع السعي الى معالجتها، كما أنها تعيد بالوقت عينه الدور الحقيقي للمؤسسة الوطنية للاستخدام التي عليها أن تضع سياسة للاستخدام وأن ترفع مستوى اليد العاملة عبر التدريب المهني، وايجاد فرص لطالبي العمل. فالدولة بذلك تعرض على الشباب عدم الهجرة في مقابل التزامها بكل الجهد الممكن لتأمين حقهم في العمل. وهذا ما قد يفتح الآفاق أمام مشاريع ومبادرات أخرى تحد من هجرة الشباب، وتعيد الدور لمختلف مؤسسات الدولة من جهة أخرى.

[1]المدة المتوسطة بالسنوات للباحثين عن العمل للمرةالاولى دون ال35  من العمر
3.8 ابتدائي
2.2 ثانوي
1.5 تعليم عالي
بحسب دراسة للبنك الدولي