يكثر الحديث اليوم عن موضوع إصلاح قانون الانتخابات، وتتنوع ساحات النقاش (الحكومة والمجلس النيابي ولجنة بكركي والأحزاب ومراكز استطلاعات الرأي والجمعيات المعنية...)، وتتعدد الاقتراحات ومشاريع القوانين المدعومة والموثّقة بآراء وتقارير الخبراء والتقنيين المجدد منها والمتراكم منذ عام 2005 والتي تتنافس في ما بينها على تقديم ما يفترض أن يحقق، حسب وجهة نظر هؤلاء ومن مواقعهم، صحة التمثيل وديمقراطيته. جميع ما يدور من نقاشات واقتراحات يتمحور حول مسألتين أساسيتين، أولهما تتعلق بطبيعة النظام الانتخابي (أكثري أو نسبي) والثانية بحجم الدوائر (صغير أو متوسط أو كبير أو دائرة واحدة)، وذلك من حيث تأثيرهما المباشر على نتائج الانتخابات وعلى طبيعة التمثيل السياسي وتركيبته. وعند التمعن في السجالات القائمة وفي مضمون الاقتراحات والمشاريع المطروحة، بأسبابها الموجبة وأبعادها وأهدافها، يلفتك أن عددا من الأسئلة الإشكالية الأساسية المتعلقة بعملية الإصلاح الانتخابي غائبة أو مهمشة في النقاش الدائر حاليا. وما لم تطرح هذه الأسئلة في النقاش العام ويتم التفكير بها بجدية ومسؤولية، فإن قانون الانتخابات سيبقى على هامش الإصلاح. من هنا، يسعى هذا المقال إلى مقاربة موضوع قانون الانتخابات من منظور مختلف عبر إعادة طرح بعض الأسئلة المحورية بهدف تسليط الضوء على عدد من التحديات التي تواجهعملية الإصلاح بشكل عام، والإصلاح الانتخابي بشكل خاص، والتفكير بها انطلاقا من تجارب الحكم وممارسة السلطة في لبنان خلال العقدين المنصرمين. جزء من هذه التحديات مرتبط بموازين القوى السياسية وبتحولاتها وبدورها في عملية الإصلاح، وجزء آخر بالرؤية الاستراتيجية المطروحة حول وظيفة النظام الانتخابي وموقعه ضمن النظام السياسي ووظائفه وركائزه.
 
-أي ميزان قوى داخلي سيحقق الإصلاح الانتخابي في لبنان اليوم؟
ساهمت موازين القوى الدولية والإقليمية في مطلع العقد الأخير من القرن الماضي في التوافق على وضع حد للحرب اللبنانية الدائرة رحاها منذ عام 1975، وعلى تفويض النظام السوري بترجمة هذا التوافق على أرض الواقع عسكريا وسياسيا. سعى النظام السوري من خلال هيمنته الأمنية ووصايته السياسية على لبنان وإشرافه المباشر على تطبيق اتفاق الطائف إلى خلق ميزان قوى لبناني داخلي داعم لهذا التوافق الدولي والإقليمي بشكل عام وللوصاية السورية بشكل خاص. وفي سبيل تحقيق ميزان القوى الداخلي هذا، كان لا بد من إحداث انقلاب على مستوى السلطة السياسية – وليس فقط على المستوى العسكري – من شأنه أن يشكل لحظة تأسيسية لتحول جذري طويل الأمد. فكان الانقلاب، بحجة المرحلة الانتقالية و"بصورة استثنائية ولمرة واحدة" (المادة 6 من بند الإصلاحات السياسية من وثيقة الوفاق الوطني)، عبر تعيين ما يزيد عن ثلث أعضاء المجلس النيابي اللبناني عام 1991 وتغيير موازين القوى داخل السلطة التشريعية – بحيث أضيف أربعون نائباً جديداً إلى الثماني والستين الباقين على قيد الحياة حينها من أعضاء المجلس التسعة والتسعين المنتخبين عام 1972، ليرتفع بذلك عدد أعضاء المجلس من 99 إلى 108 نواب، وإلى 128 نائباً عام 1992.
هذا التحول الجذري فتح الطريق واسعا أمام المجلس النيابي "المعدل سياسيا" عام 1991 للشروع في عملية قوننة وشرعنة الآليات التي يتم من خلالها تكوين ميزان قوى معين في لبنان والعمل على حمايته وإعادة انتاجه دوريا. شكل قانون الانتخاب الآلية الأساسية التي خلقت ميزان قوى داخليا عمل في السابق (1991-2005) لصالح "نظام الوصاية" – وهي تسمية تختزل تركيبة سورية- لبنانية معقدة ومتشعبة طالت بشبكة مصالحها المتنوعة عددا كبيرا من القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية في لبنان – وهو يعمل اليوم في خدمة ورثة هذا النظام من أمراء الحرب والطوائف والتجار. فمن خلال مخرجات النظام الانتخابي، أي عبر السلطة التشريعية وعبر دورها في تشكيل السلطة التنفيذية، تم تخطيط وتطبيق كافة المسارات التي سلكها النظام والمجتمع في لبنان خلال العقدين المنصرمين، أولا عبر قوانين الانتخابات المتتالية وثانيا عبر التطبيق الكيفي والاستنسابي والمجتزأ للإصلاحات البنيوية التي أقرها اتفاق الطائف. وساهم كل ذلك في تكوين طبقة سياسية مهجنة ومدجنة نجحت في تأمين استمرارها في السلطة وفي حماية مصالحها في ظل نظام الوصاية وفي الظروف الإقليمية المتحولة التي رافقت الانسحاب السوري من لبنان وتلته وذلك لعدة أسباب ومعطيات من أبرزها:
أولا، لأنها عرفت كيف تتواطأ مع الآليات والتوازنات التي فرضت عليها وكيف تحقق من خلالها مصالحها السياسية والاقتصادية، ولو بالحد الأدنى أحيانا، وتتحول من مجرد متلق ومنفذ إلى شريك أساسي في نظام الوصاية؛
ثانيا، لأن هذه الطبقة السياسية حولت تناقضاتها وخلافاتها وحروبها الكبيرة والصغيرة إلى قضايا مصيرية فرزت حولها الطوائف وهيمنت عليها، وجيشت مختلف فئات المجتمع وقطاعاته (شباب وإعلام وجمعيات ونقابات...) في سبيل نصرتها، وطرحتها كأولوية تسمو على كل ما عداها من إصلاحات وقوانين ومؤسسات؛
ثالثا، لأن هذه الطبقة السياسية استغلت حق الفيتو المتبادل (حق النقض) – الذي هو في الأساس ركيزة من الركائز الأربع التي تتميز بها الأنظمة التوافقية التي يندرج النظام السياسي اللبناني في عدادها (حكومة ائتلاف واسع، نسبية في التمثيل، الفيتو المتبادل، والإدارة الذاتية في بعض المجالات كالأحوال الشخصية والتربية) – كأداة لعرقلة الإصلاحات وتعطيلها، وكوسيلة للمحافظة على التوازنات والمصالح القائمة. واتخذت ممارسة حق الفيتو المتبادل في المراحل المختلفة للتطبيق المشوه لاتفاق الطائف ثلاثة أشكال متناقضة مع مبدأ فصل السلطات وتعطل عمليات الإصلاح:

-تجلى الشكل الأول "بالترويكا الرئاسية" في مرحلة نظام الوصاية (1991-2005) التي قامت على مبدأ أن لا قرار يتخذ خارج توافق الرئاسات الثلاث، على اعتبارها تختزل مصالح طوائفها، وفي أغلب الحالات كان يتعذر الوصول إلى هكذا توافق، وكانت الكلمة الفصل في كافة القرارات للحكَم السوري ولمصلحته. في عام 1992، لم يعد رفض أكثرية المسيحيين من سياسيين ورجال دين لقانون الانتخابات ومقاطعتهم لها كفيتو يفترض به أن يحول دون إجرائها، فتمت الانتخابات بموافقة الترويكا الرئاسية واعترف بنتائجها وبمفاعيلها التي أسست للمراحل اللاحقة.

-الشكل الثاني ظهر من خلال "الثلث الحكومي المعطل"، في مرحلة ما بعد الانسحاب السوري وحكومات الوحدة الوطنية 2005-2010. ففي غياب الحكم الخارجي واختلال التوازنات الداخلية استخدم الثلث المعطل كضمانة بيد الأقلية السياسية تمكنها من تعطيل بعض القرارات المصيرية، لكنه سرعان ما تحول إلى آلية للحؤول دون اجراء الإصلاحات ولتعطيل الحكم مما استدعى مجددا الوصايات الخارجية على الشؤون الداخلية. على سبيل المثال، كان لا بد من الرعاية العربية والدولية، عبر اتفاق الدوحة، لوقف حالة التدهور الداخلي، ولإيجاد مخرج لحالة الشلل التي أصابت المؤسسات الدستورية عبر طرح خارطة طريق للانتخابات الرئاسية والنيابية لعامي 2008 و2009.

-الشكل الثالث هو نوع من "الفيتو الطائفي" القائم على إعطاء حق النقض للطوائف إضافة إلى الرؤساء الثلاثة وممثلي الكتل النيابية والحكومية. هذا النوع من الفيتو بدأ بالتبلور تدريجيا منذ تشكيل "حكومة الأكثرية" في عام 2011 بحيث لم يتخذ أي قرار من دون موافقة رؤساء الطوائف الدينية ولم يعتمد أي إجراء من شأنه أن يمس بمصالح القوى السياسية الأساسية وذلك بمعزل عن وجودها داخل الحكم أو في المعارضة. وهذا يعني في الممارسة الفعلية العودة إلى منطق التسويات والمحاصصات في مقاربة الإصلاحات وإلى استخدام الفيتو المتبادل (أو الحرم أو الفتوى) للدفاع عن المحميات والمكتسبات الطائفية وبالتالي العودة بالإصلاحات إلى الوراء، حيث لا يتوقف هذا التراجع عند عام 1960 بل يعود إلى عصور الولاءات والانتماءات والأولويات الغرائزية والعشائرية والقبلية.

رابعا، لأن الطبقة السياسية خلقت عبر ممارستها للحكم والسلطةخلال العقدين المنصرمين والتي شوهت النصوص الدستورية وحرفت عمل المؤسسات، ميزان قوى قائما بذاته وله رهاناته ومصالحه وتحالفاته ويتمتع بهامش من الاستقلالية عن العناصر والظروف التي أنتجته، بما فيها نظام الوصاية السابق.
لم يستطع ميزان القوى الداخلي هذا أن يقرر بملء ارادته أيا من القوانين الانتخابية التي اعتمدت على مدى الدورات الانتخابية الخمس الماضية التي فرضت جميعها عليه من قبل وصايات خارجية. فهو توازن هش قائم على ميثاق سياسي بالحد الأدنى وعلى منطق الحكم بالتسويات وبالتلاقي حول أصغر قاسم سياسي مشترك، والمفارقة أن سر استمراريته يكمن في هشاشته هذه لأن أحدا من مكوناته لا يمتلك قدرة قلب الموازين لصالحه من دون تعريض موقعه ومصالحه لأخطار مختلفة. من هنا يأتي التساؤل حول ميزان القوى الداخلي الذي يستطيع أن يحقق إصلاحا انتخابيا من شأنه أن يغير التوازنات القائمة وتركيبة السلطة السياسية في غياب تسوية ووصاية خارجية.
بما أن لا الطبقة السياسية غيرت جوهريا في قوانين الانتخابات، ولا قوانين الانتخابات غيرت في تركيبة الطبقة السياسية وتحديدا في دورها على مدى عقدين من الزمن، ولا التحولات التي طرأت على المشهد السياسي اللبناني منذ عام 2005 حصلت نتيجة لمفاعيل قانون الانتخابات ولحراك الطبقة السياسية، بل أتت نتيجة لتطورات دراماتيكية قاهرة ولتحولات خارجية، يصبح السؤال حول الوظيفة المرجوة من قانون الانتخاب ودوره ضمن النظام السياسي اللبناني سؤالا جوهريا.
 
-ما هي الوظيفة الأساسية المطلوبة من النظام الانتخابي؟
تم التعامل مع النظام الانتخابي في العقدين المنصرمين في لبنان على أساس انه الأداة الأساسية الناظمة لعملية إعادة انتاج السلطة وشرعنتها والهيمنة عليها، وذلك من حيث أنه يشمل مجموع التشريعات والقوانين والقرارات الإجرائية المعمول بها في سبيل انتخاب السلطة التشريعية، الممثلة الشرعية للأمة، التي بدورها تنتخب، بشكل مباشر أو غير مباشر منفردة أو بالاشتراك مع سلطات أخرى، باقي السلطات السياسية والدستورية والقضائية والاقتصادية-الاجتماعية. وأثبت النظام الانتخابي همية وظيفته الاستراتيجية هذه عبر قدرته، وعلى دورات انتخابية مختلفة، على إعادة انتاج السلطة مع المحافظة على التوازن القائم وفقا لدفتر شروط محدد وخلافا للمبادئ الدستورية وللقواعد القانونية، وذلك وفقا للمراجعة التالية:

-المجلس النيابي "المعدل سياسيا" عام 1991 أنتج بطريقة التعيين المنافية لمبدأ التمثيل القائم على الانتخاب الديمقراطي سلطة تشريعية صوتت عام 1992 على قانون انتخاب وعلى رفع عدد أعضاء المجلس النيابي خلافا لوثيقة الوفاق الوطني وللدستور (المادتان 4 و6 من بند الإصلاحات السياسية والفقرة ج من بند الإصلاحات الأخرى من وثيقة الوفاق الوطني، والمادة 24 من الدستور).

-السلطة التشريعية التي انبثقت عن صناديق اقتراع القانون غير الدستوري عام 1992، والمشكوك في شرعية تمثيلها للبنانيين كافة، خالفت بدورها الدستور عبر ممارستها صلاحياتها في عملية إنتاج السلطة. فإلى جانب إعطائها الثقة لحكومات هجينة مكرسة بذلك مبدأ المعارضة من داخل الحكومة الذي أصبح عرفا للحكومات اللاحقة، وإنشاء مجلس دستوري مخفف الصلاحيات ومخالف لوثيقة الوفاق الوطني ولمبدأ الدستور (المادة 2 من بند المحاكم من وثيقة الوفاق الوطني، والمادة 19 من الدستور)، مددت عام 1995 ولاية رئيس الجمهورية خلافا للدستور (المادة 49 من الدستور)، وصوتت عام 1996 على قانون انتخاب مخالف بدوره للدستور.

-السلطة التشريعية التي انبثقت عن انتخابات عام 1996 استمرت في مخالفة الدستور مضيفة إلى سجل المخالفات تصويتها على قانون تأجيل الانتخابات المحلية خلافا لروحية وثيقة الوفاق الوطني وللدستور (الفقرة "ز" من بند المبادئ العامة والإصلاحات والفقرة "أ" من بند الإصلاحات الأخرى من وثيقة الوفاق الوطني، والفقرة "ز" من مقدمة الدستور)، قبل العودة عنه بطعن من المجلس الدستوري عام 1997. هذا وأنشأت السلطة التشريعية مجلسا اقتصاديا اجتماعيا معدوم الصلاحيات عام 2000 خلافا لروحية وثيقة الوفاق الوطني (الفقرة "د" من بند الإصلاحات الأخرى من وثيقة الوفاق الوطني)، كما استمرت في نهج سابقتها فانتخبت رئيسا للجمهورية خلافا للدستور (المادة 49 من الدستور) عام 1998 وصوتت على قانون انتخاب مخالف هو الآخر للدستور عام 2000.

-السلطة التشريعية التي انبثقت عن انتخابات عام 2000 اقترفت نفس المخالفات الدستورية بحيث مددت ولاية رئيس الجمهورية خلافا للدستور وصوتت على قانون الانتخاب نفسه الذي أنتجها والمخالف للدستور كإطار قانوني لانتخابات عام 2005، وذلك على الرغم من انسحاب نظام الوصاية من لبنان.

-السلطة التشريعية التي نتجت عن أول انتخابات نيابية جرت خارج إطار الهيمنة السورية عام 2005 أكدت على الوظيفة الأساسية التي اضطلعت بها السلطات التشريعية المتعاقبة منذ عام 1991 وانتهجت نفس المسارات في عملية إنتاج السلطة وممارسة الحكم وتمادت بها بحيث إن الأمر لم يقتصر على إنتاج سلطات تنفيذية هجينة وغير متماسكة وحسب بل تعداه إلى إيصال كافة السلطات (الحكومة والمجلس النيابي ورئاسة الجمهورية والمجلس الدستوري) إلى حالة من الشلل والتعطيل، والسير بالبلاد إلى حافة حرب أهلية جديدة، وتوسل الوصايات والتسويات الخارجية للخروج من الأزمة، ثم عادت وانتخبت رئيسا للجمهورية خلافا للدستور وصوتت عام 2008 على قانون انتخاب مخالف بدوره للدستور، دون أن يحدث كل ذلك أي تغيير جوهري في ميزان القوى القائم.

-السلطة التشريعية التي انبثقت عن انتخابات عام 2009 أنتجت حتى الآن سلطات تنفيذية مأزومة، وهي اليوم تناقش مشاريع واقتراحات قوانين انتخاب مخالفة كلها لوثيقة الوفاق الوطني وللدستور.

-السلطة التشريعية التي ستنبثق عن انتخابات عام 2013 ستستمر، وفقا للمنحى العام الذي اتبعته سابقاتها، في مخالفة وثيقة الوفاق الوطني والدستور.

وعليه تكون المحصلة أن وظيفة النظام الانتخابي الأساسية على مدى عقدين من الزمن كانت إنتاج سلطة (تشريعية وتنفيذية) مطعون في شرعيتها وغير متماسكة وعاجزة عن الحكم وعن تطبيق الإصلاحات البنيوية التي نصت عليها وثيقة الوفاق الوطني والدستور. كما أثبت النظام الانتخابي محدودية قدرته على تهيئة النظام السياسي للانتقال من حالة الحرب إلى حالة السلم، عبر قوننة الصراعات وتنظيم التنافس داخل المجتمع ووضع ذلك كله ضمن آليات سلمية غير عنفية. فالدورات الانتخابية التي جرت بعد الانسحاب السوري، في عامي 2005 و2009، لم تساهم في تعزيز الاقتراع الطائفي وحسب بل قوضت أيضا كل فرصة لإحداث تحول في النظام السياسي. من هنا يكون السؤال حول الرؤية الاستراتيجية المطروحة والمتعلقة بوظائف النظام السياسي سؤالا جوهريا لفهم الغاية من الإصلاحات.
 
-ما هي الرؤية الاستراتيجية حول وظائف النظام السياسي؟
لم تحقق الطبقة السياسية خلال العقدين المنصرمين أيا من الإصلاحات البنيوية التي رسم اتفاق الطائف خارطة طريقها في سبيل إصلاح النظام السياسي وتطويره على مراحل. وكان اتفاق الطائف قد قدم رؤية استراتيجية حول الأهداف المنشودة من إصلاح النظام السياسي الذي حددت وظائفه وطرح في سبيل تحقيق ذلك قاعدة من الإصلاحات البنيوية التي، وإن كانت غير مفصلة في بعض جوانبها، تنطلق من فهم دقيق لمشاكل النظام وأزماته المتكررة وانسداد أفقه ومن تفهم هواجس الطوائف وإدراك تطلعاتها. تقوم هذه القاعدة الإصلاحية على ثلاثة ركائز أساسية لكل منها أبعادها ووظائفها الرئيسية ضمن النظام السياسي الذي يرتبط توازنه وحسن سير عمله وفعاليته في تأدية دوره بتكامل هذه الركائز وتداخلها وتوازنها.

-الركيزة الأولى مرتبطة بوظائف النظام السياسية، ومن أولوياتها تحقيق مواطنة قائمة على مبدأ المساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات وأمام القانون. وهي مواطنة تشكل قاعدة التمثيل السياسي المحرر من ثقل القيود والهواجس الطائفية والمناطقية والخدماتية-الزبائنية.

-الركيزة الثانية مرتبطة بمنظومة القيم داخل النظام وبدور الطوائف في هذا المجال باعتبارها النسيج الحضاري والثقافي الذي يشكل الكيان الوطني، وبقدرة النظام السياسي على تحرير الطوائف من ثقل الصراعات والرهانات السياسية وإعطائها الفسحة الكافية لكي تتفاعل في ما بينها وتتطور.

-الركيزة الثالثة مرتبطة بالوظائف التنظيمية والتوزيعية والتوازنية للنظام التي تهدف بشكل أساسي إلى تحقيق عدالة اجتماعية شاملة وإنماء متوازن للمناطق ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا.

كل ركيزة من هذه الركائز تقوم، وفقا للتصور الذي قدمته وثيقة الوفاق الوطني، على مؤسسة وطنية أساسية ذات أبعاد تمثيلية ووظيفية:

-مجلس نيابي منتخب خارج القيد الطائفي يحقق الوظائف السياسية؛

-ومجلس شيوخ يعود له النظر في الأمور المصيرية وفي شؤون الطوائف وأحوالها وهو بذلك يحقق الوظيفة الحضارية الثقافية؛

-وسلطات محلية منتخبة (بلديات ومجالس أقضية) لا تأخذ على عاتقها عملية الإنماء المحلي بمختلف أبعادها وحسب وإنما تمثيل المواطنين والنطق باسمهم والتعبير عن مطالبهم وحاجاتهم والدفاع عن مصالحهم.

-وتمارس هذه السلطات دورها إلى جانب سلطة قضائية مستقلة وأجهزة رقابة ومحاسبة وأمن ودفاع، وتتعاون مع مجالس وهيئات متخصصة.

تشكل هذه الإصلاحات البنيوية كلا لا يتجزأ، يمكن تطبيقه على مراحل بحيث يمهد إصلاح محدد في مجال معين الطريق أمام إصلاحات في مجالات أخرى وفقا لرؤية استراتيجية عامة للنظام السياسي، وأي مشروع لا يأخذ في الاعتبار التداخل والتكامل والتوازن بين الإصلاحات سيؤدي حكما إلى نتيجة معاكسة تجعل عملية الإصلاح أكثر تعقيدا وصعوبة.
اكتفت الطبقة السياسية الحاكمة في مرحلة ما بعد الحرب بتطبيق الإصلاحات المتعلقة بإعادة توزيع الصلاحيات بين الطوائف وحالت دون تطبيق أي من الإصلاحات التي من شأنها أن تساهم في إنتاج سلطة جديدة قائمة على أسس وقواعد سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية مختلفة عن تلك المترسخة منذ قيام النظام. وركزت الطبقة السياسية على النظام الانتخابي من بين مجمل الإصلاحات البنيوية بما يناقض الرؤية الاستراتيجية التي طرحتها وثيقة الوفاق الوطني، واعتمد النظام الانتخابي كمدخل وحيد لإصلاح الاختلالات كافة داخل النظام وكوسيلة لتحقيق التوازنات بين المكونات السياسية والطائفية ومعالجة الهواجس والمخاوف. ولم تقدم الطبقة السياسية الحاكمة أي رؤية حول مستقبل النظام وهي تطرح اليوم مشاريع واقتراحات قوانين انتخابية لا تخالف الدستور وحسب بل تتعارض مع الإصلاحات الأساسية الأخرى التي نص عليها. على سبيل المثال، كيف يمكن أنتتوافق الدوائر الانتخابية الصغرى، مهما كان حجمها على مستوى القضاء وما دون، كدوائر للتمثيل النيابي على المستوى الوطني مع تحقيق اللامركزية الإدارية الموسعة ومع سلطات محلية منتخبة في دائرة أكبر من دائرة التمثيل السياسي الوطني القائم أساساً على علاقات زبائنية قاعدتها الخدمات المحلية؟ أم كيف يمكن أن تتوافق الاقتراحات التي تعتمد الطوائف والمذاهب كدوائر انتخابية للتمثيل السياسي الوطني مع مشروع إلغاء الطائفية السياسية وإنشاء مجلس للشيوخ يمثل الطوائف؟ هذه الاقتراحات والمشاريع تدل إما على قصور في فهم عمق مشاكل النظام وبالتالي عن عدم القدرة على طرح الحلول المناسبة والمستدامة لها، وإما عن نية واضحة بتعطيل الإصلاح والمحافظة على ما هو قائم. ما هو التشخيص أو التحليل أو الفهم المعتمد لطرح ما يطرح اليوم من مشاريع انتخابية كحلول لأزمة النظام السياسي، وما هي أزمة هذا النظام؟
من هنا يصبح التساؤل حول المشاريع الإصلاحية التي تحملها القوى السياسية على اختلافها وتنوعها وحول موقع الإصلاح الانتخابي ضمن هذه المشاريع ودوره ضمن النظام السياسي ككل تساؤلاً جوهرياً. واذا انطلقنا من محصلة مفادها أن أزمة النظام السياسي هي أزمة ممارسة الحكم والسلطة والثقافة السياسية المهيمنة أكثر منها أزمة تمثيل سياسي، تصبح الحاجة، والحال هذه، إلى البحث عمّا هو أعمق بكثير من مجرد إصلاح قانون الانتخاب، والدليل على ذلك أن التغيير الذي حصل في بعض الدول العربية لم يتم في صناديق الاقتراع، لا في تلك التي سبقت الربيع ولا في تلك التي تلته. 

نشر في العدد السادس من مجلة المفكرة القانونية