أعلنت رئيسة لجنة شهداء وجرحى الثورة بالمجلس الوطني التأسيسي السيدة يمينة الزغلامي خلال ندوة صحفية نظمتها بمقر المجلس التأسيسي مساء يوم 14/04/2014 انه تم اتخاذ قرار من قبل نواب المجلس التأسيسي يقضي بسن قانون في بحر الاسبوع الجاري تنشأ بموجبه محاكم متخصصة لمقاضاة قتلة شهداء الثورة ومرتكبي الاعتداءات على جرحاها ويضمن ايقاف التتبعات العدلية ضد المشاركين في احداث الثورة. "وتعهدت بان تتم مراجعة نص القانون من قبل لجنة التشريع العام يوم الثلاثاء 15/04/2014 على أن تتم احالته للجلسة العامة للمصادقة عليه في اليوم التالي"، وهو الامر الذي اكده رئيس المجلس الوطني التأسيسي الذي اكد انه اتفق مع مكتب المجلس على تنظيم جلسة عامة لعرض مشروع قانون انشاء محاكم خصوصية للنظر في قضايا شهداء وجرحى الثورة. ويرد موقف ممثلي السلطة التشريعية المعلن على خلفية اصدار المحكمة العسكرية الدائمة بتونس بتاريخ 12/04/2014 لاحكام في قضايا شهداء وجرحى الثورة اثارت حفيظة الطبقة السياسية التي قدرت انها احكام مخففة تكرس ثقافة الافلات من العقاب و تشكل التفافا على مسار الثورة.

وللوهلة الأولى، تبدو فكرة بعث دوائر حكمية قضائية عدلية متخصصة في قضايا شهداء وجرحى الثورة تجسيدا لمقتضيات قانون العدالة الانتقالية الذي ينص في الفصل الثامن منه على احداث دوائر متخصصة بالمحاكم الابتدائية المنتصبة بمقار محاكم الاستئناف تتعهد بالنظر في قضايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان. الا ان التجاء السلطة التشريعية لفكرة اصدار قانون يحدث محاكم متخصصة يتعارض فعليا مع الآليات التي نص عليها قانون العدالة الانتقالية لاستحداث هكذا دوائر، وهو امر يستشف منه ان القانون المزمع سنه لا يتعلق بذات الدوائر التي نص عليها هذا القانون. كما ان ما عبر عنه عضو المجلس الوطني التاسيسي السيد هشام بن جامع في تصريح صحفي من امل في ان يتم تعقيب احكام المحكمة العسكرية ليتم لاحقا نقل القضايا منها الى دوائر متخصصة يؤكد بوضوح ان فكرة بعث المحاكم المتخصصة ليس بداية لارساء مؤسسات القدالة الانتقالية وانما هو جواب سريع من السلطة التشريعية على حكم القضاء العسكري.
 
التفتت السلطة التشريعية عن استحقاقات تفعيل قانون العدالة الانتقالية رغم ان قانون العدالة الانتقالية صدر عنها، واسند لهيئة الحقيقة والكرامة البحث في كل القضايا التي تدخل في مجال اختصاصها. وكان يفترض ان يتم الاسراع بتعيين اعضاء تلك الهيئة واصدار الامر الذي ينظم الدوائر القضائية المختصة، لينتظر لاحقا ما ستفضي اليه ابحاث هيئة الحقيقة من حقائق حول احداث الثورة وما قد يتبع ذلك من محاكمات جديدة لا حجية لاحكام المحكمة العسكرية في مواجهتها. كما تعجل النواب في اعلان قرارهم بسحب قضايا شهداء وجرحى الثورة من القضاء العسكري دون انتظار لصيرورة الاحكام التي اصدرتها باتة. وان كان موقف المجلس الوطني التاسيسي على مستوى رئاسته ولجنته الفنية يعبر عن تفاعل السلطة التاسيسية مع حراك الشارع السياسي ويكشف ظاهريا عن تمسكها بشعارات ثورية فان ذات الموقف يبدو غير منسجم مع الدستور التونسي الذي صدر عن المجلس التاسيسي لاعتبارين على الأقل:   

اولها ان الفصل 109 من الدستور نص صراحة "على انه يحجر كل تدخل في عمل القضاء". وسن قانون بغاية تغيير قواعد الاختصاص الحكمي يكون الهدف منه التأثير على مسار قضايا معينة بذاتها كما هو الحال في صورة اصدار قانون لغاية سحب قضايا شهداء وجرحى الثورة من القضاء العسكري كرد فعل على احكامه يعتبر خرقا لاحكام الدستور وتدخلا تشريعيا في عمل القضاء، ثانيها ان الدستور نص في الفصل 149 منه "على ان المحاكم العسكرية تواصل ممارسة الصلاحيات الموكولة لها بالقوانين السارية المفعول الى حين تنقيحها بما يتماشى مع احكام الفصل 110 من الدستور". وكان الفصل المذكور قد صاغه نواب المجلس الوطني التاسيسي لغاية ضمان مواصلة القضاء العسكري نظر قضايا شهداء وجرحى الثورة بعد ان اعتبروا ان تقدم الاجراءات امامها يستوجب ترك المجال اماها لفصل تلك القضايا، وذلك في انتظار سن قوانين تضمن تطبيق الفصل 110 من الدستور الذي يقصر نظر المحاكم العسكرية في القضايا العسكرية ويمنع احداث محاكم استثنائية. ويكون بالتالي بعث المحاكم المختصة في قضايا شهداء وجرحى الثورة تحايلا على ارادة السلطة التاسيسية وخرقا لمنعها احداث محاكم استثنائية.

ويستخلص مما سلف أن "الثورية" التي استند اليها لمعاقبة القضاء العسكري على احكامه قد تؤسس لاول خرق لاحكام الدستور التونسي من قبل ذات السلطة التي صاغته في سياق مفارقة سببها تمسك الطبقة السياسية برد الفعل كاسلوب في التعاطي مع الاشكاليات القائمة دون اعتبار لفكرة البناء الرصين للمؤسسات.