بتاريخ 11 أيلول 2014، قرر مجلس الوزراء التأكيد على الطلب من وسائل الاعلام "الالتزام باحكام القانون وبميثاق الشرف الذي التزموا به طوعا في تغطية الاخبار والتعليق عليها وفي الحلقات السياسية ودعوة وزير الاعلام الى ضبط اي مخالفة وملاحقة المخالفين تطبيقا للقانون". هذا الطلب جاء ثمرة اجتماع عقده وزير الاعلام رمزي جريج مع مديري الاخبار في معظم المحطات التلفزيونية حيث تم الاتفاق، بحسب الوزير، "على ضرورة دعم المؤسسة العسكرية واخراج قضية المخطوفين من التجاذبات السياسية والطائفية وصون السلم الأهلي، كما تم التوافق على استبعاد الصور المسيئة والتصاريح المثيرة للنعرات".
 
ضبط الاداء الاعلامي "لمكافحة الارهاب"؟
اللافت ان هذه المقررات جاءت على خلفية التخبط الحكومي، الذي بدأت ملامحه تتبلور اعلاميا، في معالجة قضية العسكريين المختطفين في احداث عرسال بين مؤيد للتفاوض ورافض له. انعكس هذا الكباش السياسي، على حراك ذوي الاسرى الذين عبروا عن امتعاضهم وغضبهم من اداء السلطة السياسية التي  تبدو عاجزة حتى الآن من حسم أمرها في انهاء هذا الملف. فنصبت الخيام في ساحة الشهداء واجبر رئيس الحكومة تمام سلام على الظهور اعلاميا محاولا لملمة الشمل واستعادة ثقة المواطنين بالحكومة. ازاء هذه المعطيات ارتأت الحكومة اللبنانية مجتمعة، عن طريق وزارة الاعلام المولجة اساسا بحماية الحريات الاعلامية، العمل على ضبط الوسائل الاعلامية تحت توجيهاتها وتعليماتها بحيث تسد السلطة السياسية اي محاولة لانتقاد ادائها وتتحصن تحت مظلة "الظروف الاستثنائية ومكافحة الارهاب والحفاظ على وحدة الصف"، موفرة لنفسها شبكة امان بعيدا عن اي امكانية لمحاسبتها، اعلاميا بشكل اساسي، هذا من جهة. اما انعكاسات هذه المقاربة الحكومية فمن شأنها، بطبيعة الحال، ان تحول وسائل الاعلام الى وكالات انباء تلتزم الحدود المرسومة لها بارادة الحكومة، وتنقل الاخبار التي تريد الحكومة ان تمليها على المواطنين وحسب. وكل ذلك في سياق يضرب الحريات الاعلامية وحرية التعبير.
 
القضاء العسكري في المرصاد
خطورة هذا الامر تتمثل في نتائج عصيان الوسائل الاعلامية لهذه المقررات الحكومية. ولعل اسرع واوضح مثال على ذلك تجلى باستدعاء الاعلامية نانسي السبع في قناة الجديد للتحقيق امام القضاء العسكري، وذلك على خلفية عرض القناة صوراً مسرّبة لجرحى المجموعات المسلحة، داخل مستشفى بيروت الحكومي في نشرتها الإخبارية. ويستدعي هذا الأمر ابداء عدد من الملاحظات:

اولا، ان استدعاء اعلاميين للتحقيق امام القضاء العسكري يطرح تساؤلات حول اختصاص الاخير. فبمراجعة للمادة 24 من قانون القضاء العسكري التي تلحظ الصلاحية النوعية للمحاكم العسكرية، لا نجد أي شيء يبرر تدخل القضاء العسكري على هذا الصعيد. فمبادرة قناة الجديد الى نشر اسماء او صور لا يعد جريمة خيانة (الفقرة الثانية من المادة 24)، ولا جريمة متعلقة بأسلحة او ذخائر (فقرة 3)،  ولا جريمة مرتكبة في معسكر (فقرة 4)، ولا جريمة واقعة على شخص احد العسكريين (فقرة 5)، ولا جريمة واقعة على شخص أحد رجال قوى الأمن الداخلي والأمن العام (فقرة 6)، ولا تعد ضمن الجرائم الواقعة على الموظفين المدنيين في وزارة الدفاع الوطني والمحاكم العسكرية أو لدى الجيش وقوى الأمن الداخلي والأمن العام (فقرة 7)، ولا جريمة تمس بمصلحة الجيش او قوى الامن الداخلي او الامن العام (فقرة 8)، ولا واقعة على شخص احد رجال الجيوش الاجنبية (فقرة 9)، ولا مخالفة تتعلق بخدمة العلم (فقرة 10). وبطبيعة الحال، لا ترتبط بالامور المسلكية لعناصر الجيش (فقرة 1). يبقى البحث في اختصاص قانون 11/1/1958 الآيل الى تشديد بعض العقوبات المقررة لبعض الجرائم الخاصة باثارة الفتنة والارهاب، وقد يكون الاستناد الى هذا القانون في قضية الجديد غير منطقي كون القانون يرتبط بالتحديد بالعمليات المسلحة وهذا ينتفي عن التقرير الذي عرضته الجديد. وانطلاقا من هنا فان الاختصاص الطبيعي في هذا الصدد يعود لمحكمة المطبوعات المولجة بالنظر في القضايا الاعلامية.

ثانيا، ان السكوت عن هذا الامر هو بمثابة تشريع لاختصاص القضاء العسكري وتوسيعه، ليتحول الى عصا مشروعة يستوجب هزها بوجه كل من يعرض، وفق معايير هذا القضاء، السلم الاهلي والامن القومي للخطر. وهنا اساس المشكلة بحيث تبدو هذه المعايير آخذة بالتوسع والتمييع على قدر دقة الظروف الامنية التي تمر بها البلاد

الصورة منقولة عن موقع janoobi.org