كانت وفاة عامل التوصيل ( الديلفري ) في احد مطاعم الوجبات السريعة في عمان ليلة الجمعة/  السبت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير واشعلت مواقع التواصل الاجتماعي وايقظت ضمير الجهات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني التي لطالما غضت الطرف عن ممارسات ارباب العمل التي تصل حد الاسترقاق احيانا.

وفاة عامل التوصيل بسبب الاحوال الجوية
اثارت حادثة وفاة احد عاملي الديليفري لدى مطعم 'برغر كنغ' - وهو شاب يدعى 'محمد ابو خديجة' في الثالثة والعشرين من عمره - سخط الرأي العام في الاردن. وكان الشاب اعتذر حسبما نقل أصدقاؤه عن العمل في الظروف الجوية القاسية التي عمت البلاد ليلة الجمعة/السبت، وتحذيرات الامن العام المتكررة بعدم الخروج. الا ان مديره في العمل أصر على خروجه لايصال 'الديليفري' رغم الظروف تلك قائلاً :"اذا مش عاجبك اترك الشغل".[1]

موقف قانون العمل
بحسب قانون العمل فإنه لا يجوز لصاحب العمل أن يكلف العامل بعمل فيه خطورة على حياته، وللعامل في هذه الحالة الامتناع عن تنفيذ اوامر صاحب العمل، وذلك سندا لاحكام المادة (19/أ) والتي نصت على انه " على العامل : أ - تأدية العمل بنفسه وان يبذل في تأديته عناية الشخص العادي وان يلتزم باوامر صاحب العمل المتعلقة بتنفيذ العمل المتفق عليه، وذلك ضمن الحدود التي لا تعرضه للخطر او تخالف احكام القوانين المعمول بها او الاداب العامة". وفي حال إصرار صاحب العمل على قيام العامل بالعمل رغم خطورته وتهديده بانهاء خدماته ، يكون انهاء الخدمة في هذه الحالة فصلا تعسفيا ، يستطيع العامل معه المطالبة بالحقوق التي كفلها له قانون العمل في هذه الحالة. إلا ان كثيرا من العمال غير راضين عما يقدمه القانون من حقوق في هذه الحالة، مما يدفعهم للاستمرار بالعمل رغم ذلك و تختلف حقوق العامل في حالة الفصل التعسفي باختلاف طبيعة عقد العمل ، فإذا كان عقد العمل محدد المدة استحق العامل تعويضا يعادل أجر المدة المتبقية من مدة العقد ، واذا كان العقد غير محدد المدة استحق العامل في حالة الفصل التعسفي بدل شهر الاشعار بواقع راتب شهر مضافا اليه اجر نصف شهر عن كل سنة خدمة بحد ادنى لا يقل عن اجر شهرين بالاضافة للحقوق الاخرى للعامل بمقتضى القانون في حال انطباق شروطها، كمكافأة نهاية الخدمة ومساهمة العامل في صناديق الادخار[2].
وتجدر الاشارة ايضا الى ان ما نص عليه قانون العمل من حقوق للعامل لا يمنع من اللجوء للقواعد العامة في القانون المدني لتحصيل حقوق اكثر للعامل او ورثته من خلال مقاضاة صاحب العمل وفقا للقواعد العامة .

موقف النقابة العامة للعاملين في الخدمات العامة والمهن الحرة
اعلن رئيس النقابة العامة للعاملين في الخدمات العامة والمهن الحرة التي ينتمي اليها العامل المتوفى عزم النقابة مقاضاة مطعم الوجبات السريعة الذي كان يعمل به الشاب محمد ابو خديجة، الذي لقي حتفه في منطقة الشميساني اثناء قيامه بتوصيل طلبية خلال العاصفة الثلجية. وقال رئيس نقابة الخدمات العامة والمهن الحرة التي تمثل مصالح العاملين في مطاعم الوجبات السريعة والمطاعم الاخرى، وكذلك العاملين في الفنادق والاتصالات والبريد، والمسارح وصالونات التجميل وخلافه، ان المواد القانونية نصت صراحة على وجوب توفير مستلزمات السلامة للعاملين.واستدرك قائلا ان النقابة لا تنفي التزام شركات كبرى وفنادق يتبع عمالها للنقابة بما يرد في بلاغات الحكومة، الا ان بعض الشركات الصغيرة لا تلتزم وتجبر العمال على العمل في ظروف قاسية وغير صحية اطلاقا[3].

المسؤولية الجزائية للمطعم ومسؤوليه عن الوفاة
نصت المادة ( 343) من  قانون العقوبات الاردني على أنه: "من سبب موت أحد عن إهمال او قلة احتراز او عن عدم مراعاة القوانين والأنظمة عوقب بالحبس من ستة أشهر الى ثلاث سنوات". ومن خلال هذا النص نجد أن هناك ثلاث صور للخطأ الجنائي في التسبب بالوفاة، هي: الاهمال،قلة الاحتراز،عدم مراعاة القوانين والانظمة.وعلى فرض ثبوت الوقائع المسندة للمطعم المذكور، تتوافر صورتان من الصور الثلاث السابقة للقول بالخطأ الجنائي بناء عليهما و هاتان الصورتان هما قلة الاحتراز وعدم مراعاة القوانين والانظمة[4].

موقف وزارة العمل من الحادثة
أكد امين عام وزارة العمل في تصريح له ان الوزارة تتابع تفاصيل الحادث الأليم الذي وقع على جسر الشميساني مساء الجمعة وراح ضحيته اثنان بينهما عامل لمطعم وجبات سريعة.واضافإن فرق التفتيش التابعة لوزارة العمل بدأت منذ (الجمعة) الوقوف على حيثيات ما جرى، موضحا ان الفرق المتخصصة ستبت في تقريرها خلال ايام،ووضح امين عام وزارة العمل الى ان هنالك قانونا يحمي حقوق العمل بحيث يعطلون وقت العطل او يأخذون مياومات، وفي الظروف الخطرة يمنع عليهم العمل.
ولعل هذه الحادثة تدق ناقوس الخطر محذرة من استهتار اصحاب العمل بحقوق العمال التي كفلتها قوانين لم تجد طريقا سويا للتطبيق، الامر الذي يستدعي تدخلا تشريعيا يكفل مزيدا من الحقوق للعمال، ويغلظ العقوبات على اصحاب العمل الذين لا يلقون بالا للعقوبات التي تفرضها التشريعات الحالية ، علاوة على انه آن الاوان لوزارة العمل لتقوم بمهامها بكفاءة وفعالية اكبر باعتبارها الجهة الادارية المعنية بتطبيق قانون العمل والانظمة الصادرة بمقتضاه من قبل اصحاب العمل، بما يضمن حقوق الحلقة الاضعف في علاقة قانونية غير متكافئة الآمر الناهي فيها صاحب العمل .

صورة تلفزيونية للحادث الذي ادى لوفاة العامل