مؤخرا، ظهر توجه ولو بقي محدودا نحو السعي الى تشريع الحشيشة خاصة في مناطق البقاع كونها "زراعة لا تعود بالخسارة على المزارعين" وبالإمكان اذ ما تم الاتجار بها وبيعها ان تدر الربح على المزارعين والدولة في آن. وقد تبنّى بعض السياسيين الفكرة وفي مقدمتهم رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي النائب وليد جنبلاط الذي أطل في 25/أيار/2014 عبر شاشة الجديد معلنا أنه "لا خوف من تشريع الحشيشة وتنظيمها لأسباب طبية وهي لا تشكل خطرا على الصحة ما لم تصبح إدمانا". 
 
في هذه الظروف، أطلق القاضي محمد صعب في 22-2-2015  الطبعة الثانية من كتابه الذي يقدم فيه دراسة مقارنة حول "جرائم المخدرات" معلناً على نحو قاطع رفض الاتجار بالحشيشة مهما كانت الدوافع والاهداف:"لقد قمت بوضع دراسة عن واقع المخدرات في لبنان وعن واقع التشريع القانوني المعمول به لمكافحتها وعن التعاون الدولي المطلوب لمواجهة خطر انتقالها بين المجتمعات. هذه الدراسة كانت عصارة جهد طويل وهي تشكل جزءا من العمل الذي قمنا به برعاية وزير العدل أشرف ريفي لمكافحة آفة المخدرات، حيث اولى منذ تسلمه لوزارة العدل هذه القضية اهتماما استثنائياً وعلى كل الصعد توصلاً الى التشدد في مكافحة المخدرات ومروجيها والمساهمين في انتشارها". 
 
أضاف:"في أوائل العام 2014 احتفلت ولاية كولورادو الأميركية بما سمي بالأربعاء الأخضر وهو اليوم الأول الذي تباع فيه "الماريجوانا" بصورة قانونية وتهافت الاميركيون الى المتاجر المرخصة لها للبيع في مشهد يذكرنا بتهافت الناس امام أفران الخبز أيام الحرب نقول بكل تصميم أننا لن نحتفل يوماً في بيروت أو في أي مدينة أو قرية لبنانية بهذا اليوم الأسود. وسنبقى سداً منيعاً بوجه كل من يحاول استنساخ كل هذه الممارسات الخارجة عن تقاليدنا وقيمنا ولا أرى واقعاً سيفرض علينا في هذا الإطار".
 
وأردف قائلاً:"تخوض مجتمعاتنا العربية حربا مفتوحة مع تجار المخدرات الذين للأسف وجدوا لهم أنصاراً بعضهم يعمل في العلن واخطرهم يعمل في الخفاء. من هنا على الحكومات العربية وبالتعاون مع هيئات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية والإعلام ان تعي حجم التحديات والمخاطر القادمة ولنقف صفاُ واحداً بوجه رغبة البعض الإستسلام لواقع المخدرات وجشع البعض في كسب المزيد من المال ومخططات البعض لشّل قدرات الشباب العربي".
 
وختم مؤكداً:"اننا لن نقبل بالمخدرات أمراً واقعاً أومصدر رزقٍ في مجتمعاتنا. لن نرضى بغير المكافحة والتوعية مساراً ونهجاً. لن نبيع عقولنا ولن نسمح لجرعة الموت أن تغزو عقولنا قبل أجسادنا لن نتحول من تصدير الأدمغة واصحاب الفكر والرأي الحر الى تصدير الحشيشة والكابتاغون ولتكن وقفتنا ضد المخدرات عنوان وحدتنا علها تكون الطريق لوحدتنا على كافة الأصعدة".
 
 كان لافتاً  في حفل التوقيع  الذي أقيم برعاية وحضور وزير العدل اللواء أشرف ريفي، في بيت المحامي في بيروت، الحضور النخبوي المشارك في الحفل حيث كانت هناك مشاركة من قبل وزير الشؤون الإجتماعي رشيد درباس، ونقيب المحامين في بيروت جورج جريج وحشد من السياسيين والقضاة والمحامين، أما الأمر الأبرز فكان القيام بنقل الحفل بأكمله على شاشة التلفاز في سابقة فريدة. 
 
 وقد كانت كلمة لنقيب المحامين في بيروت جورج جريج أكد فيها:"ان جرائم المخدرات مكافحتها ومعالجة متعاطيها وملاحقة مروجيها مسألة وطنية وسيادية وميثاقية بامتياز"، وان المؤلف ودراسته يستحقان الوقوف لهما احتراما للاحاطة بكل ما يرى وما لا يرى، من هذه الجريمة البشعة التي توازي تعاطيا ، محاولة قتل وترويجا لجريمة  قتل بدم بارد وعن سابق اصرار، وموتاً ليس رحيماً أبداً بل رجيماُ ورميماُ".
 
وحاول جريج تقديم نبذة سريعة عن مضمون الدراسة متطرقاً لأبعادها ومضمونها والأسلوب المعتمد من قبل المؤلف،وختم قائلاً: "تعددت الأسباب والموت واحد. فجرائم المخدرات تقتل الانسان، وجرائم الدستور تقتل الاوطان، ونحن نعيش منذ عشرة أشهر جريمة موصوفة مستدامة بحق الدولة والشعب معا.للمتاجرين بالمواد الممنوعة، اقول: اوقفوا قتل الاجيال.وللمتاجرين بالمواد الدستورية، اقول: احترموا المهل وانتخبوا رئيسا لجمهورية لبنان".
 
بدوره شدد الوزير درباس على تفاني القاضي صعب في عمله فقال:" بانه قاض لا يتأخر حكم لديه عن دقيقة صدوره ولا تؤجل جلساته الى آجالٍ تضني المتقاضين ويحتفظ ببشاشة من غير  هشاشة نبرته منخفضة وقلمه جهوري". 
 
وقد لفته موضوع المخدرات الرقمية فتحدث عنها قائلاُ:"إن المخدرات الرقمية تقدم على قاعدة نقل الاصوات في الاذنين وفق برنامج الكتروني يباع بكلفة رخيصة، مما يؤدي الى الهلوسة والتخدير، وهذه الانواع ليست مشمولة في جداول قانون المخدرات، وهذا القانون بتشعبه وجداوله يحتاج فعلا الى دليل جاد ورصين يمسك بإفهام المهتمين ويقيلهم من عثرات فكرية، للتعمق في الدخول الى النص القانوني وتبسيط النظر في الامثال. وجلي أن قانون المخدرات اللبناني يميل الى التشدد وان نصوصا فيه تحرم القاضي حرية التقدير، وارى ان اي نص يقيد هذه الحرية ينطوي على عدم الثقة، وهذا القانون على صرامته وجفافه ينطوي على امكان الاجتهاد حتى لا تكون الاحكام تقضي على الاصلاح".
 
 لم تتح ظروف العمل للوزير الراعي أشرف ريفي" المجال للإطلاع على الدراسة ومع ذلك فقد كان قادراً على الثناء على حجم الجهد الذي بذله القاضي صعب في توثيق وتوضيح الآليات القانونية في التشريع اللبناني وآليات التعاون الدولي الحالي والمفترض تحقيقه لمكافحة المخدرات.
ولم يبخل ريفي في استغلال المناسبة لتوجيه الرسائل السياسية الى الخصوم فقال:"ان تفشي آفة المخدرات وإزدياد معدلات الترويج والتعاطي هي إحدى نتائج إضعاف المؤسسة العائلية وكذلك إضعاف مؤسسات الدولة التي لم تعد وخصوصاً في الفترة الأخيرة قادرة على ضبط هذه الآفة في ظل وجود المناطق التي لا تستطيع المؤسسات الامنية والعسكرية والقضائية الدخول إليها او التحكم بها وهذا يعطي مثالاُ على ان الإضعاف الممنهج للدولة يرتد سلباً على جميع اللبنانيين، لا زالت الفرصة متاحة للعودة الى الدولة هي وحدها القادرة على حماية الجميع".
 
وختم" في الجسم القضائي اللبناني نخب نعتز بها أخلاقيا ووطنياُ وعلمياُ على هؤلاء ان يستمروا بتقديم عصارة فكرهم وتجاربهم في خدمة مجتمعهم".
يشار أنه في الإصدار الجديد للدراسة توسع في استعراض أهم أنواع المواد المخدرة طبيعتها وآثارها وأساليب مكافحة الإدمان وإعادة تأهيل المدمن. كما تتطرق الكاتب الى التعاون الدولي لمكافحة الإتجار بالمخدرات في ضوء الإتفاقيات الدولية الموقعة بهذا الخصوص.
كما شملت الدراسة مجموعة من إحصائيات قوى الأمن الداخلي للأعوام 2012- 2013 وحتى الشهر الثامن من العام 2014 والتي تبين انواع وكميات المخدرات المضبوطة واعداد القضايا المسجلة وتصنيفها الجرمي وأعداد المضبوطين وجنسياتهم أعداد الوفيات من جراء التعاطي فضلاً عن عمليات تلف للمزروعات الممنوعة نوعها والمساحة المتلوفة.
 
بالحصيلة، طغا على المناسبة خطاب أمني قوامه الانخراط في الحرب ضد المخدرات،  فيما بقيت في الظل القضية الاجتماعية الكبرى التي تتمثل في ضعف جهاز الدولة عن تنفيذ مبدأ العلاج للمدمنين كبديل عن العقاب وفق أحكام قانون 1998. في مكان آخر، وفي الأسبوع نفسه، كان المرصد المدني لاستقلال القضاء وشفافيته يتساءل في ورشة داخلية ستعلن نتائجها في العدد 26 من المفكرة عن عوائق تفعيل هذا المبدأ رغم انقضاء 17 عاما منذ اقراره. ربما تكون غلبة المقاربة الأمنية والسياسية في قضية المخدرات أحد أهم هذه العوائق. 

الصورة من أرشيف المفكرة القانونية