بعد مرور أزيد من سنة على نهاية المرحلة الانتقالية التي حددتها مدونة الأسرة[1] لإثبات عقود "زواج الفاتحة"، تجدد الجدل في البرلمان، وذلك على خلفية مناقشة لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، مقترح قانون يهدف لتمديد فترة إثبات الزوجية لخمس سنوات إضافية[2]. وينص مقترح القانون الذي تقدم به الفريق الحركي في مجلس المستشارين، وصادقت عليه الغرفة الثانية من البرلمان وأحالته الى مجلس النواب، على أن "يعمل بسماع دعوى الزوجية في فترة انتقالية لا تتعدى خمس سنوات"، وذلك لتعديل المادة 16 من مدونة الأسرة. ويهدف المشروع الجديد إلى تمديد فترة سماع دعوى ثبوت الزوجية مدة اضافية محددة في خمس سنوات ليصبح أمد حالة الاستثناء الذي حدده المشرع لتوثيق زواج الفاتحة 15 سنة مند صدور مدونة الأسرة سنة 2004.
 
تمديد أجل توثيق زواج الفاتحة هل يتحول من استثناء إلى قاعدة؟
من النقاط العالقة في المشروع الجديد ما اذا كان هذا التمديد الجديد أمدا نهائيا لسماع دعوى ثبوت الزوجية، أو أنه أجل قابل للتمديد مجدّدا، لا سيما وأنها المرة الثانية التي يضطر فيها المشرع للتدخل لفتح أجل جديد لمعالجة ظاهرة توثيق الزواج، الشيء الذي حول المادة 16 من المدونة والتي تقضي بكون وثيقة الزواج هي الوثيقة المقبولة لاثبات العلاقة الزوجية من قاعدة إلى استثناء. فتبعاً لذلك، أصبح عدد كبير من المتقاضين يكتفون بابرام الزواج العرفي للتهرب من القيود التي يفرضها المشرع على زواج القاصرات أو التعدد.
 
هل يقوم المشرع المغربي بتجريم الزواج غير الموثق؟
أصوات عديدة ارتفعت للتنبيه من كون التمديد الجديد سيشجع على التلاعب بالزواج، وخصوصا في مسألة تعدد الزوجات، وزواج القاصرات. وهو ما أكدته حصيلة عشر سنوات من تطبيق مدونة الأسرة، الشيء الذي دفع بهيئات حقوقية للمطالبة بربط التمديد بشروط، وتنزيل نوع من العقوبات على الذين تحايلوا على القانون خاصة العقوبات المالية.
وفي نفس السياق، طالبت بعض الجمعيات والهيئات الحقوقية باستثناء حالات تزويج القاصرات والتعدّد التي تتمّ بالفاتحة من نطاق تطبيق المادة 16 من مدونة الأسرة، وبالتالي بعدم الإعتراف بإمكانية التوثيق اللاحق لهذه الزيجات لكونها تمت بشكل يخرق بنود مدونة الأسرة.
 
تمديد المادة 16 من مدوّنة الأسرة .. الحلقة المفرغة
رغم كثرة حالات استغلال المادة 16 من مدونة الأسرة للتحايل على القانون، فإنّ ثمة حالات تستدعي الابقاء عليها لمعالجة ظاهرة الزواج غير الموثق. فحملات وزارة العدل والحريات الرامية إلى توثيق عقود الزواج التي تمت بالشكل العرفي ودون كتابة، لم تستطع أن تغطي كل هذه الحالات، إذ لا تزال العديد من الزيجات التي تعود للفترة السابقة لصدور مدونة الأسرة غير موثقة لأسباب عديدة من بينها ضعف حملات التحسيس وانتشار الأمية والفقر .

من جهة أخرى، لا تزال العديد من المناطق النائية في المغرب تفتقر لمكاتب العدول المكلفين بتوثيق عقد الزواج مما يتطلب من الراغبين في الزواج قطع مئات الكيلومترات لابرام الزواج وفق الشكل الذي يفرضه القانون وهو ما يجعل بعضهم يكتفي بابرام زواج الفاتحة.
وفي الأعوام الأخيرة أصبحت ظاهرة الزواج غير الموثق تنتشر بين صفوف فئات جديدة غير تقليدية. فبعدما كان أغلب من يلجأ لابرام زواج الفاتحة يتواجدون في الأرياف ويعانون من الفقر والأمية وانعدام الوعي، أصبح طلبة الجامعات والموظفون والمهاجرون يلجؤون أيضاً لإبرام زواج الفاتحة لأسباب اقتصادية، أو وظيفية أو أمنية أو للتهرب من الشروط التي يفرضها القانون.
وتحمّل فعاليات واسعة داخل المجتمع المدني الحكومة مسؤولية التقصير في التحسيس ببنود مدونة الأسرة الجديدة، وهي تعتبر انتهاء الأجل المحدد لسماع دعوى ثبوت الزوجية دون التمكن من استيعاب كل الحالات الموجودة دليلاً على فشل السياسات المرصودة للنهوض بوضعية الأسرة المغربية وإدماجها في التنمية.


الصورة منقولة عن موقع alyaoum24.com
 


[1]-قانون رقم 70.03 بمثابة مدونة الأسرة، والذي صدر بتنفيذه ظهير رقم 1.04.22 بتاريخ 3 فبراير 2004، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5184، بتاريخ 1 فبراير 2004، ص418.
[2]-تنص المادة 16 من مدونة الأسرة على ما يلي: "تعتبر وثيقة عقد الزواج الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج.
إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته، تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر وسائل الإثبات وكذا الخبرة.
تأخذ المحكمة بعين الاعتبار وهي تنظر في دعوى الزوجية وجود أطفال أو حمل ناتج عن العلاقة الزوجية، وما إذا رفعت الدعوى في حياة الزوجين.
يعمل بسماع دعوى الزوجية في فترة انتقالية لا تتعدى عشر سنوات[2]، ابتداء من تاريخ دخول هذا القانون حيز التنفيذ."
وقدعدلت هذه المادة بمقتضى  ظهير رقم 1.10.103 الصادر في 3 شعبان 1431 (16 يوليو 2010 ) بتنفيذ القانون رقم 08.09 المعدلة بموجبه المادة 16 من القانون رقم 70.03 بمثابة مدونة الأسرة، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5859 الصادرة بتاريخ 13 شعبان 1431 ( 26 يوليو 2010).