في 3 تموز 2015، أصدرت وزارة العدل اللبنانيّة، في تطوّر إيجابي وملحوظ، تعميماً طلبت فيه من جميع الكتّاب العدل إعتبار التعميم الصادر في 1-10-2014، والذي أطلقت عليه وسائل الاعلام تسمية "تعميم الاستعباد" أو "تعميم منع الحب"، بحكم الملغى. وكان التعميم قد أوجب أن يشمل التعهد المنظم لدى الكاتب العدل من قبل صاحب العمل تأكيدا منه بأنه ليس للعامل(ة) لديه علاقة زواج أو أي رابط آخر في لبنان والتزاماً منه بإعلام الأمن العام بأي زواج مستقبلي لهذا العامل(ة) ليصار الى ترحيله(ا). وقد أقرّت وزارة العدل بالخطأ الذي ارتكبته عبر إصدار التعميم الملغى، قائلة إنه "يتعارض مع مبدأ الحريات وحقوق الإنسان التي تشدد عليها المنظمات والمواثيق الدولية". وأشارت الوزارة إلى أنها طلبت من وزارة الداخلية والبلديات إعادة النظر بنص التعهد والرجوع عنه إذا أمكن، حيث إن التعميم صدر بناءً على كتاب المديرية العامة للأمن العام إلى وزارة العدل. وقد أتى جواب الداخلية إيجابياً بمعنى أنها أبدت أن لا مانع لديها من الرجوع عنه.

وكانت "المفكرة القانونية" طلبت مع ستّ هيئات غير حكومية من وزارة العدل إلغاءه، وذلك بموجبكتابقدمته إليها في 13-5-2015، وفنّدت فيه ما تضمّنه التعميم من انتهاكات فاضحة للنظام العام والحقوق الأساسية للإنسان والتزامات لبنان في المواثيق الدولية، ومنها مخالفة معاهدة إلغاء جميع أشكال التمييز العنصري.وتبعا لتقديم كتاب مشابه لمجلس كتاب العدل بوقف العمل بهذا التعميم، انضم هذا المجلس الى المنظمات الحقوقية في مطلبها. فوجه المجلس في 10-6-2015، كتابين إلى وزارتي العدل والداخلية، لإعلامها برفضه القاطع لهذا النص الذي "يتعارض مع مبدأ الحريات وحقوق الإنسان، مضيفاً أن سجلات الكتاب العدل هي المرجع المعتمد لدى مدوني تاريخ الحضارات". وقد جاء في الكتاب أنه "من هذا المنطلق، نرفض أن يدوّن في سجلّاتنا وفي سجل تاريخ لبنان، مثل هذه الارتكابات، التي نعتبرها وصمةً بحقّ لبنان، الذي ساهم مساهمة فعّالة في وضع شرعة حقوق الإنسان".

وفي هذا السياق، اتصلت "المفكرة القانونية" برئيسة المجلس ريموند بشور وبعضوين فيه هما كاتبي العدل ناجي الخازن وجوزيف بشارة للتعليق على التعميم الجديد. فأوضحت بشور أنها كانت واثقة بأنه سوف يتم الرجوع عن التعميم الرقم 1778، قائلة "ثقتي مُستمدة من أن اللبناني بطبيعته يعشق الحرية، وقد لجأ الأجانب إلى لبنان طالبين هذه الحرية، ويجب أن تكون معاملة اللبناني للعامل الأجنبي، على الأقل، مماثلة للمعاملة التي يتلقاها اللبناني في بلاد الاغتراب حيث يبحث عن مصدر الرزق ولقمة العيش الكريمة". وتلفت بشور الانتباه إلى أنها زارت المديرية العامة للأمن العام، مباشرة بعد توجيه مجلس الكتاب بالعدل الكتابين إلى كل من وزارتي الداخلية والعدل، موضحة أنها عبّرت أمام الأمن العام عن رفضها لهذا التعميم الذي يتعارض مع حقوق الإنسان. وتشير إلى أن غاية الأمن العام من التعميم الرقم 1778 كانت فقط من ناحية احترام نظام الإقامة في هذه الظروف الاستثنائية التي يمر فيها لبنان، وليس من أجل منع العمّال الأجانب من ممارسة حقهم في الزواج. وترى أن ما يؤكد ذلك هو أنه "لم نحتج إلى أكثر من لفتة نظر لنحصل على تجاوب الأمن العام". بدوره، يعتبر الكاتب بالعدل جوزيف بشارة، في حديث إلى "المفكرة"، أن التعميم الجديد هو "سابقة في غاية الأهمية، لأنه تراجع عن خطأ معيّن، وفيه جرأة من ناحية الاعتراف بالخطأ والعودة عنه". ويرى أنه "خطوة نحو تأكيد اعتراف لبنان بكل المواثيق التي ترعى حقوق الإنسان". من جهته، اكتفى عضو مجلس الكتاب بالعدل ناجي الخازن، خلال حديث مع "المفكرة"، بالقول إن وزارة العدل تفهّمت طلب المجلس إلغاء التعميم السابق لأنه يتعارض مع المواثيق الدولية والدستور اللبناني، مشيراً إلى أن "الموضوع لم يحتمل أي نوع من الجدل، وحصل التفاهم على الأمر بشكل سريع". وأوضح الخازن أن "الأمن العام يفكّر بغير الطريقة الحقوقية التي نفكر فيها نحن أو أي جمعية تعنى بالشأن الحقوقي"، مشدداً على أن "هدف الأمن العام من التعميم السابق كان ليس التعدي على الحقوق، بل ضبط أعداد الأجانب وأولادهم الجدد في حال حصل الزواج على الأراضي اللبنانية من دون علم الأمن العام".

وبشأن التنسيق المستقبلي بين الكتاب العدل والأمن العام، تلفت بشور الانتباه إلى أن الجهتين بصدد الاتفاق على مذكرة تفاهم أو لجنة متابعة، من أجل التنسيق والتشاور بأي شيء يتعلق بتعاميم جديدة موجهة إلى الكتاب العدل. وتؤكد أن هذه الخطوة "تحرص على التنسيق بين الطرفين ومعالجة الثغرات قبل اعتماد أي تعميم، من أجل ضبط الأمور والحفاظ على الحقوق الأساسية التي قد يتم غض النظر عن أهميتها من دون قصد، لغايات أمنية استثنائية". وفي السياق ذاته، يعتبر بشارة أن التعميم الجديد "أثبت أن لا بديل عن التنسيق بين الإدارت كافة، ومن ضمنها الأمن العام ووزارة العدل ومجلس الكتاب العدل والجمعيات المعنية بالقانون وحقوق الإنسان"، مشيراً إلى أنه "عندما لا يكون هناك أي تنسيق بين هذه الهيئات، قد نقع في ثغرات كثيرة نحن في غنى عنها". ويرى أن مذكرة التفاهم بين المجلس والأمن العام ضرورية، خصوصاً لجهة أخذ الرأي الاستشاري من الكتاب العدل قبل إصدار أي تعميم، حتى لا تكون هذه التعاميم ذات خلفية تنظيمية أو أمنية بحتة، بل لتراعي أيضاً حقوق الإنسان الأساسية.