لن نتعب من العمل على إصلاح القضاء وتعزيز استقلالية القاضي وإصلاح القوانين التي تقوم عليها هذه السلطة. فالقضاء في لبنان يعاني نقصاً كبيراً في استقلاليته ويواجه أزمة ثقة فعلية بين الناس. فلنبدأ أولاً من كسر المتحجّرات التي فرضت على القضاء أن يكون صامتاً واسمحوا أن أدعو بكل جرأة السادة القضاة أن يخرجوا عن صمتهم ويعلنوا رأيهم في قوانين السلطة القضائية وممارساتها وتحدياتها والضغوط عليها وحتى فسادها. فالإصلاح أوّلُه جرأة في الكشف عن الأمراض ونحن لنا ملء الثقة بأن بين القضاة في لبنان نساء ورجال لا يساومون على كراماتهم ولا على رسالتهم ونحنُ إلى جانبهم لأنه لم يعد مقبولاً في القرن الحادي والعشرين ان يُحرم القضاة من حرية التعبير والمشاركة في صياغة الرأي العام في لبنان.

كثيرة هي الأبواب التي يمكن الدخول منها إلى إصلاح القضاء وبدايتها تغييرُ الآلية المعتمدة في تعيين القضاة والتي تجعل القاضي المُعيَّن مديوناً بشكل أو بآخر للجهة التي عيَّنتهُ ولو من باب الحياء. كما أن القواعد التي ترعى اختيار القضاة وتدريبهم وتدرجهم وطريقة نقلهم والإجراءات التأديبية بحقهم، كلها عوامل مؤثرة في إضعاف استقلاليتهم.

ومن أبواب الإصلاح في القضاء المبادرة إلى تعديل القانون لجهة إلغاء المحاكم الإستثنائية أو تقليص صلاحياتها إلى أبعد الحدود لأنها تشكّل بحد ذاتها إنتهاكاً خطيراً للحريات الفردية والعامة ولحقوق الإنسان. فالمجلس العدلي غالباً ما يكون محكمة سياسية لأن مرجعية تكليفه محصورة بالسلطة السياسية ولا سبيل أبداً لمراجعة أحكامه. أما المحاكم العسكرية فهي إستثناء يعود للقرن الماضي وأقل ما يقال فيها أنها على نقيض مع مبادئ الدستور وشرعة حقوق الإنسان. يبقى أن المحاكم الدينية التي أوجدها نظام الطائفية السياسية لا بد من وضعها فوراً تحت رقابة مجلس القضاء الأعلى بعد إصلاحه وتعديل القواعد التي ترعى تأليفه وسير عَمله. ولا يخفى عليكم كم يعاني المتقاضون أمام المحاكم الدينية بسبب تناقض القوانين وعدم ملائمتها للحياة المعاصرة وتطوراتها.

إن أزمة الثقة بين القضاء والمواطن سببها إقتناع الناس بأن بعض القضاة يتأثرون بتدخّل السياسيين أو رجال الدين وأن بعضهم يسقط في التجربة أي يضعف أمام الرشوة أو التهديدات الصادرة عن المسؤولين السياسيين. من هنا تبرز المطالبة بتعديل الدستور والقوانين التي تنظم السلطة القضائية في لبنان. ونحن في نقابة المحامين مستعدون للمساهمة في هذه الورشة التشريعية الإصلاحية.

إن الإصلاح في السلطة القضائية ليس عملاً محصوراً بوزير العدل أو بالسياسيين وهو ليس إجراءً تقنياً بل يستدعي التفكير في دور القضاء ومكانته في المجتمع ونظرة الناس إليه وتأثيره على حياتهم ولذلك لا بد أن يشارك المجتمع في هذه العملية الإصلاحية بالتنسيق مع مجلس القضاء الأعلى رئيساً وأعضاءٍ.

إن المواطن معني مباشرة بحسن سير العدالة وهو غالباً ما يدفع الثمن نتيجة القصور أو الغياب في التنفيذ السريع للأحكام الصادرة وكأن تنفيذ الحكم ليس جزءاً من الحكم نفسه.

ولا يفوتُني أن أذكّر أمامكم بدور المحامي في إصلاح القضاء أو إفساده. ولكن عين النقابة ساهرة والوقائع تتحدث عن نفسها ونحن على استعداد لدرس كل اقتراح يجعل من المحامين حرّاساً للحق وسداً منيعاً في وجه الفساد.

نشكر القيمين على هذا المؤتمروأحيي دورهم في دفع الحركة الإصلاحية إلى الأمام واطلق من هنا نداءاً إلى ممثلي الأمّة لكي يعوا خطورة الوضع الذي يمرّ به الوطن نتيجة تآكل الدولة وتراجع المؤسسات. وليكن واضحاً للجميع أن استمرار الشغور في موقع القاضي الأول أي رئيس الجمهورية هو موت بطيء للدولة. ومهما كانت المبرّرات أو المآخذ على الدستور وعلى قوانين الإنتخابات، فإن ممارسة الديمقراطية هو السبيل الوحيد لإصلاح عيوب الديمقراطية. أما أي خيار آخر يأخذنا إلى العنف لا سمح الله فلن يكون إلا خياراً مدمراً للوطن.

عشتم، عاشت الدولة، وعاش لبنان.