بعد إبرام اتفاق الصخيرات[1] وظهور المجلس الرئاسي على الساحة السياسية باعتباره أحد أهم مخرجات حوار الصخيرات، رفعت عديد الدعاوي القضائية أمام دائرة القضاء الإداري بمحكمة استئناف البيضاء[2] تم فيها الطعن على عدد من القرارات الصادرة عن هذا المجلس. سند هذه الدعوى أن هذا المجلس لم ينَل الشرعية بعد وأن حصوله على هذه الشرعية يقتضي اعتماد اتفاق الصخيرات من قبل البرلمان أولا. وبمراجعة الأحكام الصادرة في هذه الدعاوي، نرى أنها اتفقت في أسبابها على أنه لا شرعية للمجلس الرئاسي قبل اعتماد اتفاق الصخيرات وإجراء تعديل دستوري يقضي بإدراج نصوص اتفاق الصخيرات ضمن أحكام الإعلان الدستوري وإن اختلفت هذه الأحكام في منطوقها[3]. ومن هذه الأحكام الحكم الصادر عن محكمة استئناف البيضاء دائرة القضاء الإداري في الدعوى رقم 116 لسنة 2016  والتي أقيمت من قبل رئيس الحكومة المؤقتة السيد عبد الله الثني طعنا في بعض القرارات المتخذة من قبل المجلس الرئاسي على أساس عدم شرعيته. وبعدما عبرت المحكمة عن قناعتها بأنه لا شرعية للمجلس الرئاسي قبل اعتماد إتفاق الصخيرات وإجراء تعديل للإعلان الدستوري يتبنى أحكامه، حكمت بعدم قبول الدعوى لرفعها على غير ذي صفة.

وسنحاول في هذا المقال الموجز أن نحلّل الحكم ومدى توافقه مع صحيح القانون سواء من الناحية الموضوعية أو الإجرائية. ولعلّ ذلك يشكل إضافة تكون عونا للقضاء وكافة الجهات المعنية في معالجة مثل هذا النوع من القضايا على النحو الذي يتفق وصحيح القانون.  

مسألة إدارية أم مسألة دستورية؟
من البديهي أن جميع القرارات الإدارية تخضع لرقابة القضاء وأنه يجوز لكل ذي مصلحة من الأفراد والهيئات والمؤسسات الطعن فيها بالإلغاء. ومن المسلم به أيضا أن قرارات المجلس الرئاسي الإدارية قابلة للطعن فيها بهذا الوصف، وأن دوائر القضاء الإداري بمحاكم الإستئناف هي المختصة بنظر هذه الطعون وفق نص المادتين الأولى والثانية من القانون رقم 88 لسنة 1971  بشأن القضاء الإداري. ولكن بالمقابل فإن نظر دوائر القضاء الإداري لهذه الدعاوي محكوم بالقواعد العامة الإجرائية المنظمة لآلية الفصل فيها. ولعل أهم تلك القواعد تلك المتصلة بالمسائل العارضة التي تثار أمام المحكمة أثناء نظرها لموضوع الدعوى. فهل التزمت دوائر القضاء الإداري بذلك أثناء نظرها للطعون المقدمة ضد قرارات المجلس الرئاسي؟

لاشك انه لا يمكن لأية محكمة الفصل في شرعية القرارات الصادرة عن المجلس الرئاسي دون بحث شرعية المجلس نفسه متى كانت هذه الشرعية مثار جدل أو شك. كما أن شرعية المجلس الرئاسي بدورها لا يمكن الفصل فيها من دون بحث مسألة أولية جوهرية ألا وهي هل اتفاق الصخيرات الذي انبثق عنه هذا المجلس يعتبر ناجزاً وجزءاً من الإعلان الدستوري بمجرد توقيع أطراف الاتفاق عليه كما ذهبت إلى ذلك المادة ( 67) من هذا الاتفاق التي نصت على أنه (يدخل هذا الاتفاق حيز التنفيذ فور قيام أطراف الحوار السياسي الليبي بإقراره و اعتماده كاملا وتوقيعه)، أم أن ذلك يقتضي اعتماد اتفاق الصخيرات من الهيئة المختصة دستوريا بتعديل الإعلان الدستوري؟

 هنا وبغض النظر عن الآراء المختلفة التي قيلت في هذا الموضوع، تبدو هذه المسألة من الناحية القانونية الصرفة مسالة جوهرية تتعلق بالدستور. فإتفاق الصخيرات يتضمن أحكاما بطبيعتها دستورية تتعلق بالمؤسسات الدستورية واختصاصاتها كتلك المتعلقة بكيفية تشكيل المجلس الرئاسي والحكومة ومجلس الدولة والإختصاص الموكول إلى كل منهم. ناهيك عن أن هناك اتجاها قويا يرى أن الاتفاق أصلا اعتمد من قبل البرلمان بجلسة 25 يناير 2016 مع التحفظ على المادة الثامنة منه وأنه بذلك أصبح جزءاً من الإعلان الدستوري. ويشهد لهذا الاتجاه أن البرلمان قد كلف هذا المجلس الرئاسي المنبثق عن هذا الاتفاق بتشكيل حكومة. وعندما قدمت له ورفضها أعاد تكليفه بتقديم تشكيل حكومي يحظى بموافقة البرلمان[4]. هذا بالإضافة إلى القرارات والمواقف الدولية التي لا تعترف بغير المجلس الرئاسي وحكومته حكومة شرعية لليبيا[5] وتمثيل هذا المجلس للدولة الليبية على مستوى الحكومات في كافة المناسبات الدولية من دون أن ينازعه أحد في هذه الشرعية[6].

كل هذا الزخم حول اتفاق الصخيرات والمجلس الرئاسي المنبثق عنه جعل وجود هذا الأخير أمراً واقعاً حاضراً بقوة وبشكل ظاهر في الحياة السياسية الليبية يحظى بقبول واعتراف كثير من المجالس البلدية والمؤسسات العامة في الدولة. وتبعا لذلك، أصبح من غير المنطقي عقلا ومنطقا وعدالة أن تفصل دوائر القضاء الإداري في ظاهر شرعيته و دستوريته من تلقاء نفسها وتلغي وجوده بجرة قلم، وإنما يجب اعتبار الفصل في هذه الشرعية وقد أصبحت محل نقاش وجدل، مسألة جوهرية تتعلق بالدستور تعنى بشرعية وجود سلطة دستورية ألا وهي الحكومة وكيفية قيامها وأهلية مباشرتها لإعمالها وهي بطبيعتها مسائل أساسية يتفق الفقه المقارن على أن الدستور هو المعني بتنظيمها[7]. ومن ثم، فإن أي منازعة تحدث بشأن شرعية المجلس الرئاسي هي منازعة جوهرية تتعلق بالدستور تختص بنظرها المحكمة العليا دون غيرها منعقدة بدورها مجتمعة طبقا لنص المادة 23 من القانون رقم 6 لسنة 1982 و تعديلاته بشأن إنشاء المحكمة العليا، حيث نصت هذه المادة على أنه (تختص المحكمة العليا دون غيرها منعقدة بدوائرها المجتمعة برئاسة رئيسها أو من يقوم مقامه بالفصل في المسائل الآتية :

أولاً: الطعون التي يرفعها كل ذي مصلحة شخصية مباشرة في أي تشريع يكون مخالفا للدستور. 

ثانياً: أية مسألة قانونية جوهرية تتعلق بالدستور أو بتفسيره تثار في قضية منظورة أمام أية محكمة).

وعليه فإن أية إثارة لهذه المسألة أثناء نظر شرعية القرارات الصادرة عن المجلس الرئاسي أمام دوائر القضاء الإداري تعتبر إثارة لمسألة عارضة تجاوز اختصاصها ويجب أن تطبق بشأنها أحكام المادة 73 من قانون المرافعات[8] والتي تنص على انه (ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻧﺖ المسائل ﺍﻟﻌﺎﺭﺿﺔ التي ﻳﺴﺘﻠﺰﻡ ﻧﻈﺮ ﺍﻟﺪﻋﻮﻯ ﺍﻟﻔﺼﻞ ﻓﻴﻬﺎ تجاوز ﺍﺧﺘﺼﺎﺹ المحكمة ﻣﻦ ﺃﻱ ﻭﺟﻪ، ﻭﺟﺐ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺃﻥ ﺗﺼﺪﺭ ﺃﻣﺮﺍﹰ ﺑﺈﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﺪﻋﻮﻯ إلى المحكمة المختصة ﺑﺘﻠﻚ المسائل ﻣﻦ ﺣﻴﺚ الموﺿﻮﻉ ﻭﺍﻟﻘﻴﻤﺔ، وتحدد ﻟﻠﺨﺼﻮﻡ  في أمرها موعدا حتميا ﻹﻋﺎﺩﺓ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﰲ ﺍﻟﺪﻋﻮﻯ ﺃﻣﺎﻣﻬﺎ)، ومن ثم يتعين على هذه الدوائر إحالة الدعوى إلى المحكمة العليا للنظر في هذه المسالة العارضة والفصل في شرعية المجلس الرئاسي ومدى دستورية وجوده باعتبار أن المحكمة العليا منعقدة بدورها مجتمعة هي المختصة دون غيرها بالفصل في هذه المسالة الجوهرية المتعلقة بالدستور.

وحيث أن دائرة القضاء الإداري بمحكمة استئناف البيضاء وكذلك الأحكام الأخرى التي صارت على نهجها لم تلزم ذلك وتعرّضت للفصل في مسألة شرعية المجلس الرئاسي بنفسها دون أن تحيلها للمحكمة المختصة، فإنها تكون قد أخطأت في تطبيق القانون بما يجعل حكمها من وجهة نظرنا معيبا من هذه الزاوية وواجب الإلغاء.

من حيث منطوق الحكم
وهنا وبغض النظر عن مسألة اختصاص المحكمة بالفصل بشكل مباشر في المسألة العارضة التي أثيرت أمامها والمتعلقة بشرعية المجلس الرئاسي، فإننا نرى أن حكم المحكمة محل البحث والذي انتهى إلى (عدم قبول الدعوى لرفعها على غير ذي صفة) قد جانبه الصواب في منطوقه. كما انه لا يحقق العدالة المرجوة في مضمونه. فالمحكمة من خلال مناقشتها لشرعية المجلس الرئاسي انتهت في أسبابها إلى أن وجوده من غير إتباع الإجراءات المنصوص عليها في الإعلان الدستوري يعد بعثا لا يرتب أية آثار قانونية وأنه لا يتمتع بأهلية التقاضي. وهنا كان يتعين عليها وفقا للراجح في الفقه ما دامت قد التزمت هذا النظر أن تحكم ببطلان إجراءات الدعوى لا بعدم قبولها لرفعها على غير ذي صفة باعتبار أن الأهلية شرط لصحة العمل الإجرائي وليس شرطا لقبول الدعوى[9].

كما أنه وعلى فرض صحة ما ذهبت إليه المحكمة من عدم شرعية المجلس الرئاسي، فإننا نرى أنه ربما كان من الأفضل حتى يحقق حكم المحكمة العدالة و يقضي في موضوع الدعوى بحكم موضوعي واضح يزيل اللبس المثار حول شرعية المجلس الرئاسي ويحقق الغاية التي  كان المدعى يرجو الوصول إليها من خلال لجوئه إلى القضاء أن تأخذ المحكمة بفكرة أهلية الإختصام السلبية والتي تقوم على الإعتراف للكيانات التي ليس لها شخصية معنوية بأهلية اختصام سلبية تمكن من اختصام هذه الكيانات في شخص ممثليها حتى لا تتهرّب من التزاماتها بالدفع بعدم قبول الدعوى في مواجهتها لانتفاء الشخصية [10]. فالأخذ بهذه الفكرة بشأن الدعاوى المرفوعة ضد المجلس الرئاسي يتيح للمحكمة إصدار أحكام موضوعية تفصل في صلب النزاع وتكشف عن انعدام المجلس وجميع القرارات والتصرفات الصادرة عنه خاصة وأن المحكمة تصف هذا المجلس في أسبابها بحكومة أمر الواقع. وبذلك يتحدد المركز القانوني لهذا المجلس بحكم جلي واضح يحقق العدالة ويصل به رافع الدعوى إلى غايته في كشف مركز خصمه بكل وضوح  بدلا من الفصل في الأمر بحكم يمس الجانب الإجرائي في الخصومة أو شروط قبولها دون موضوعها كما حدث في الحكم موضوع البحث أو الأحكام التي صارت على نهجه. فظاهر الحكم محل الدراسة والذي قضى بعدم قبول الدعوى لرفعها على غير ذي صفة قد أظهر المدعي وكأنه قد وجه خصومته للشخص الخطأ. كما يمكن للمدعى عليه أن يفوت على المدعي الاحتجاج عليه بهذا الحكم بالتمسك أن الحكم لم يقضِ في صلب موضوع الدعوى وأن ما ذكر في أسبابه حول شرعيته لا تشمله حجة الحكم القضائي. فالعبرة في الأحكام هي بمنطوقها والمنطوق هنا يتعلق بصفات المختصمين لا بأصل موضوع الدعوى.

وفي الختام لا شك أن المرحلة التي تمر بها ليبيا الآن مرحلة حرجة تقتضي التريث والتثبت قبل الفصل في شرعية المؤسسات الدستورية وعدم التأثر بالمواقف الآنية والمتغيرة وأن يحرص الجميع على تطبيق القانون التطبيق الصحيح الذي يصون الشرعية و يحميها من العبث.  

 

 

[1] اتفاق الصخيرات اتفاق سياسي شمل أطراف الصراع في ليبيا و تم توقيعه تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة في مدينة الصخيرات المغربية بتاريخ 17 ديسمبر 2015 بإشراف المبعوث الاممي مارتن كوبلر و طرفا هذا الاتفاق الرئيسيان هما المؤتمر والوطني ومجلس النواب.
[2] يأخذ النظام القضائي بنظام وحدة القضاء حيث لا يوجد قضاء إداري مستقل كما هو الشأن في مصر و فرنسا و إنما توجد دوائر بمحكمة الاستئناف مختصة بالفصل في الدعاوى الإدارية و أحكامها قابلة للطعن أمام المحكمة العليا الليبية.
[3] فعلى سبيل المثال الحكم الصادر في الدعوى رقم  90 لسنة 2016 الصادر عن دائرة القضاء الإداري بمحكمة استئناف البيضاء أفصح في أسبابه عن عقيدة المحكمة في عدم الاعتراف بشرعية المجلس الرئاسي لعدم اعتماد اتفاق الصخيرات وإجراء تعديل دستوري يتضمن أحكامه انتهى إلى الحكم بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى لكون القرارات محل الطعن تتعلق بأعمال السيادة.
[4] كان ذلك بجلسة مجلس النواب بتاريخ الاثنين الموافق 22 أغسطس 2016.
[5]  القرار رقم 2259 الصادر عن مجلس الأمن بتاريخ 22 ديسمبر 2015 ينص على اعتبار حكومة الوفاق بقيادة المجلس الرئاسي  الحكومة الشرعية الوحيدة في ليبيا. كما أصدرت حوالي 22 دولة  بما فيها الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى الاتحاد الأوربي و جامعة الدول العربية و الاتحاد الإفريقي بيان نيويورك بتاريخ  22 سبتمبر 2016 و الذي نص على دعم المجلس الرئاسي و اعتبار حكومة الوفاق بقيادته الحكومة الشرعية الوحيدة في ليبيا.                
[6] حكومة الوفاق ممثلة في المجلس الرئاسي برئاسة السيد فائز السراج هي ممن مثلت ليبيا على مستوى الحكومة في مختلف المحافل الدولية و على وجه الخصوص في اجتماعات جامعة الدول العربية و الجمعية العامة للأمم المتحدة.
[7] انظر على سبيل المثال د. مصطفى أبو زيد فهمي, (الدستور المصري), دار الجامعة الجديدة , 2012م, ص 9.
[8] يعتبر قانون المرافعات قانونا عاما في المسائل الإجرائية لذلك فهو يحكم أيضا سير الدعاوي التي تنظرها المحاكم وفق نصوص القانون العام مثل الطعون الإدارية المنظورة أمام دوائر القضاء الإداري بمحاكم الاستئناف , انظر في هذا المعنى د. حلمي مجيد (حول قواعد المرافعات الليبية) , الجامعة المفتوحة, الطبعة الثانية , ص 25.
[9] انظر في هذا المعنى د. الكوني اعبوده (قانون المرافعات المدنية و التجارية ) الجزء الثاني , المركز القومي للبحوث و الدراسات العلمية , الطبعة الأولى 1998م , ص 92,93.
[10] انظر بخصوص فكرة أهلية الاختصام السلبية د. الكوني اعبوده , المرجع السابق , ص 88.