خرج يوم 12-02-2011 عدد كبير من القضاة التونسيين بزيهم القضائي إلى شارع باب بنات بتونس العاصمة رافعين شعار "القضاء على عصابة القضاء" في أول تظاهرة في تاريخ القضاء التونسي يتهم فيها القضاة قضاة بالفساد ويطالبون بإستئصال ما فسد من جسدهم وعلاج أسباب الفساد. عقب هذا الحدث، توالت الشعارات والخطابات الإعلامية القضائية المطالبة باستبعاد من تعلقت به شبهة فساد من المسؤوليات القضائية الأولى ليكون ذلك خطوة أولى في تطهير القضاء. وقد ظهر القضاة عند هذا الحد في مظهر من نجح في محاسبة ذاته وهو ما لم يباشره غيرهم من القطاعات المهنية.

لم تتفاعل السلطة التنفيذية ممثلة في وزارة العدل مع هذه المطالب إلا بصورة محتشمة في أول أيام الثورة. تلاها إنحراف بهذا المطلب وتعسّف في الإستجابة إليه من خلال إعفاء عدد من القضاة من دون مساءلة بحجة تطهير القضاء سنة 2013. ولاحقاً، تراجع حديث معالجة الفساد القضائي بعد الفشل في إيجاد تصورات لآلياته. ويبدو من المتعيّن في إطار محاولة البحث عن إعادة طرح السؤال عن هذا الفساد البحث عن تعريفه.

مظاهر الفساد القضائي
الفساد بصورة عامة هو إساءة استخدام السلطة العامة لأجل تحقيق فوائد شخصية. والفساد القضائي في مفهومه الضيق المتعارف عليه هو استعمال الصفة والنفوذ في تحقيق منافع شخصية سواء مادية أو متعلقة بالوظيفة. ومن ثمّ كان التمييز بين ثلاثة أصناف من الفساد وهي: الفساد المالي والفساد  الإداري  (أي الفساد الذي يتمثّل في توجيه القاضي قراره القضائي لخدمة أصحاب النفوذ السياسي وليس تطبيقا للقانون لغاية الحصول على منافع وظيفية خاصة كالترقية الوظيفية أو على منصب سياسي) والفساد الأخلاقي. ويؤدي إنخراط القاضي في هذا الفساد أياً كان تصنيفه إلى المسّ بأهلية انتمائه للمهنة القضائية بما يستدعي محاسبته، وهو أمر يطرح السؤال حول دور الجهات المشرفة على القضاء في تحقيق تلك المحاسبة.

تجربة الجهة المشرفة على القضاء في مجابهة الفساد
كان منتظراً أن يؤدي إرساء الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي إلى بلورة مقاربة لمكافحة الفساد القضائي. إلا أن تعاطي الهيئة مع ملف الفساد القضائي لم يشغل إلا حيزا محدودا من عملها، وذلك من خلال صلاحية التأديب. ويشار إلى أن التعامل مع الفساد القضائي على المستوى التأديبي فقط لن يحصّن القضاء من الفساد، لعدة أسباب أهمها:

  • إنّ الفساد لم يعد يقتصر على انحرافات فردية، وإنما أصبح ظاهرة ممنهجة شاركت في تفشيها  قوى عدة،
  • أن صلاحيات الحدّ من هذه الظاهرة ومعالجتها لا تملكه الجهة المكلفة بالتأديب الذي يقتصر دورها على المحاسبة،
  • أن الإحالة على مجلس التأديب بقيت حتى بعد إحداث الهيئة الوقتية للقضاء العدلي بيد وزير العدل يحيل من يشاء ويعطّل إحالة من يشاء،
  • أن نظام الإحالة على التأديب تستّر على بعض القضاة الذين تورطوا في الفساد الإداري، خاصة في النظام السابق.
     

الفساد مسؤولية مشتركة
تحوّل شعار محاربة الفساد القضائي خمس سنوات بعد الثورة إلى عنوان من عناوين فشل تحقيق شعارات الثورة. وقد تبين أن هذا الفساد ليس ظاهرة عابرة تسهل مكافحتها كما يتم تداوله في الخطاب الإعلامي،  بل أنه يستوجب حلولاً جذرية وعلمية عاجلة للحدّ منه بعد الوقوف على دوافعه الموضوعية والذاتية. فالظاهر أن بعض الفساد يجد جذوره في انحرافات سلوكية لدى بعض القضاة يصعب أن يكونوا قد اكتسبوها بعد مباشرة القضاء، بما يطرح السؤال حول معايير الإنتداب ومدى مساهمتها في تفشي هذه الظاهرة. وقد تكون بعض هذه الإنحرافات نتيجة سوء تقدير لمعنى سلطة القاضي وصلاحياته، خاصة المتعلقة بالحريات بما يؤكد أهمية التكوين الأساسي بالمعهد الأعلى للقضاء في الحدّ من ظاهرة الفساد.

فضلا عن ذلك، بقي دور التفقديّة العامّة (التفتيش) في هذا الشأن منذ 2011 دون المطلوب، ويعدّ  إصلاح التفقّد القضائيّ مدخلاً أساسياً لمحاربة الفساد القضائيّ.

كما ثمة حاجة للعمل على تحسين وضعية القاضي المادية الأدبية لضمان حصانة أكبر في وجه مغريات الفساد.

انتداب القضاة
لم يشهد نظام الإنتداب المؤسس على مناظرة وطنية تنظمها وزارة العدل أي تطوّر إصلاحي. فقد بقي مؤسسا على ثلاثة إختبارات: كتابي وشفاهي لمن يجتاز الكتابي بنجاح، ثم اختبار صحي لمن اجتاز المناظرة. ولم تفكر لجنة المناظرة بوزارة العدل - ربما لغياب الإطار التشريعي - في إرساء اختبار يتعلق بحسن السيرة والسلوك كإجراء وقائي في مكافحة الفساد.

فضلا عن ذلك، ظلّ نظام التكوين الأساسي بالمعهد الأعلى للقضاء خاضعاً لنظام تربوي تقليدي فلم يشهد أي تطوير للإطار التدريسي والبرنامج العلمي وجعله أكثر ملائمة للتغيير الحاصل في السلطة القضائية. وقد كان من المفروض أن يتشبّع الملحق القضائي في هذه المرحلة أكثر بمبادئ استقلال القضاء ومنها أخلاقيات القاضي. على خلاف، ذلك بقي دور المعهد شبه منعدم في مجال تكريس مبادئ استقلال القضاء ولم يساهم في هذه المرحلة الإنتقالية في ضمان الإلتزام بمعايير أخلاقيات القضاء فضلا عن تساهله أمام تجاوزات عدة صدرت في الأعوام الأخيرة عن بعض الملحقين القضائيين.

التفقد القضائي: الرقابة لا تمس الاستقلالية ولكنها تحمي النزاهة من الفساد
كان متوقعاً بعد الثورة أن يكون للتفقدية العامة دور إيجابي في التصدي لظاهرة الفساد في العمل القضائي بآليات شفافة وعادلة. إلا أنها ظلت تعمل بأساليب محدودة وغير فعالة وربما فيها الكثير من الإجحاف في حق حسن سير القضاء وفرض مقتضيات النزاهة لدى القاضي، بل إنها شهدت أحيانا تراجعا مقارنة بالعهد السابق في خصوص تكثيف المراقبة وتنظيم الملتقيات العلمية التكوينية. ويرجع ذلك إلى غياب الجرأة في تطوير عملها وتكبيلها بالقوانين السائدة التي تحدّ من صلاحياتها رغم أن المشرفين على التفقدية في العهد السابق كانوا أكثر جرأة في المراقبة وفي فرض الإنضباط في العمل القضائي.  

وحين تكون الإشارة إلى التفقدية، فان ذلك يشمل التفقّد القضائي والتفقّد الإداري الخاص بكتبة وأعوان المحاكم. فلا شكّ أن إطار الكتبة بالمحاكم ومساعدي القضاء الذين يتعاملون بصورة مباشرة ودائمة مع القضاء يساهمون في حالات كثيرة في تفشي الفساد، ذلك أن الكاتب أو المحامي أو عدل التنفيذ أو الخبير هم عادة من يكونون الرابط بين صاحب المصلحة والقاضي. لذا فان التفكير في الحلول الكفيلة بمكافحة الفساد لن تكون صائبة إلا إذا توسّع وشمل جميع القطاعات المكوّنة للمنظومة القضائية.  

تحسين وضع القاضي:
أجمعت جميع المنظمات الدولية والمهتمّة بالشأن القضائي أن من بين الأسباب التي تشجع على الفساد المالي والإرتشاء:

  • الوضع المادي المتردي للقاضي من حيث نظام التأجير،
  • ظروف العمل المتردية أيضا والتي تفتقر إلى أبسط الإمكانيات المادية والصحية التي يستوجبها العمل اليومي للقاضي،
  • غياب التحفيز المادي للقضاة الذين يعملون خارج مقرات سكناهم ويضطرون للتنقل يوميا أو أسبوعيا لمسافات بعيدة لتأمين عملهم.

كل هذه الظروف قد تساهم في حصول ضغط نفسي ومادي يكون مدخلا لانخراط بعض القضاة في منظومة فساد. لذا، فإن تكريس نظام قضائي نزيه ليس مسؤولية القاضي بمفرده، بل هي مســؤولية مشتركة بين عدة عوامل وقوى ساهمت وما زالت تساهم في إفساد القضاء.

تعاملت الحكومات المتعاقبة مع هذه الآفة بالتجاهل وأحيانا بالحماية والتستر والتحفظ. ولم تكن لها إرادة جدية في إيجاد نظام تشريعي فاعل للكشف عن معاملات الفساد حتى لا يتواصل فقدان الثقة في جميع أجهزة الدولة: فيتعود المواطن على تقديم المقابل للحصول على خدمات يضمنها له القانون ويتعود صاحب النفوذ على شراء الذمم ليضمن علويته على القانون.