الحدث الذي نتناوله هنا هو عن رجلين ينتحلان صفة رجلي أمن ويحققان مع من  قال الصحافي فراس حاطوم إنّه عامل سوري في مكان مخصص لرياضة الكارتينغ حيث يعمل. لاحقاً، قال الشاب إنّه "لبناني من أصول سورية" وأنه ممثل. ما تلا ذلك واضح - مما نراه في الشريط (https://youtu.be/BXPN2e_0rQQ) - إذ انتهى الأمر بـ"العامل" راكعاً على الأرض، وأجبر على خلع ملابسه ليبقى بثيابه الداخلية، وتم تهديده بسوقه إلى مركز الشرطة إذا لم يتعاون. حتى أنّه رضخ لمطالب "الهزليين" وركض حاملاً عصا مع علم موضوع داخل ملابسه الداخلية، من الوراء.

 

بطبيعة الحال، ثار الناس على مواقع التواصل الاجتماعي ووصفوا البرنامج بأنّه "عنصري" تجاه العمال واللاجئين السوريين. إحدى حجج الدفاع التي استخدمها معدو البرنامج هي أنّ ضحية المزحة لبناني، وليس سورياً، وبالتالي فإنّ الاتهام بالعنصرية باطل. الأمر المثير، وعلى الهامش، هو أنّه في حال كانت بعض التقارير صحيحة بأنّ والدته لبنانية ووالده سوري، فإنّ ذلك هو مثال جدي على كيف أنّ الرأي العام  يلحظ بوضوح أنّ ابن اللبنانية المتزوجة بأجنبي هو لبناني ويجب منحه الجنسية اللبنانية.

 

من جهته، قال مقدم البرنامج إنّ نيته كانت ببساطة "إضحاك" الجمهور وأنّه يطلب الإذن دوماً من الشخص الذي وقع/وقعت ضحية مقالبه قبل عرضها على الشاشة. وبالفعل، إنّ البرامج الكوميدية هي برامج الترفيه الأكثر انتشاراُ والتي يستمتع بها المشاهدون، وخصوصاً البرامج التي تتمحور حول المقالب أو ما يعرف باسم "الكاميرا الخفية". وأنا أستخدم دوماً مقاطع من هذه البرامج في الصفوف التي أدرّسها في الجامعة كأمثلة عن الصور النمطية وغيرها من القضايا المتعلقة بالمجتمع والثقافة اللبنانية.

 

المسألة هنا هي عن المدى الذي يمكن أن تصله النكات والمقالب قبل اجتياز الحدود والدخول في عالم الأذى والانتهاكات وحتى الإستغلال والإهانة والمعاملة غير الإنسانية والمهينة. هذا الأمر مهمّ، لأنّ السؤال هنا هو عن مقلب يخص إنسانا - وليس ممثلا كوميديا يؤلف النكات التي قد يمكن اعتبارها عنصرية أو مهينة للنساء أو مزعجة. في هذه الحالات يمكن لمن يشعر بالإهانة أن يترك العرض ببساطة، أو يغلق الراديو أو شاشة التلفزيون، أو يطرح القضية مع المسؤولين عن عرض معين أو مؤسسة اعلامية وطلب اعتذار أو أي أمر آخر بحق الكوميدي  أو المؤسسة ذات الصلة.

 

بشكلٍ عام, أنا لست من المعجبين بالرقابة حين يتعلق الأمر بما يمكن للبالغين قراءته ومشاهدته والاستماع إليه. فأنا من المؤمنين بشدة بحق الإنسان في حرية التعبير، وقد أشرت في مقال سابق على ضرورة فهم وقبول أن حرية التعبير قد تكون مزعجة أو مسيئة  في بعض الأحيان  (مع استثناء ما يمكن اعتباره خطاب كراهية وتحريض على العنف). وهذا التعليق القصير لا يحاجج إذا لصالح المنع أو الرقابة على البرنامج، أو حتى إزالة الشريط (أثناء كتابة هذا المقال كانت مشاركة الشريط قد وصلت إلى أكثر من عشرة آلاف مرة على موقع فايسبوك، وستكون بادرة جيدة من محطة "او تي في" إذا إزالته). على العكس، الهدف هنا هو طرح بعض الأسئلة والاعتبارات للنقاش. هذه الأسئلة تتعلق بردات الفعل لمن استنتج مباشرة أن الشاب عامل سوري، وفيما يتعلق أيضاً بأنّ ضحايا البرنامج أغلبهم لبنانيون، كما اشارت الصحافية نادين مظلوم في مقال حذرت فيه من خطورة المقالب بشكلٍ عام .

 

 

١- فماذا يفصح لنا هذا الشريط بشأن الطريقة التي ينظر فيها المواطنون بشكل عام، والسوريون الذين يعيشون في لبنان، إلى العلاقة وديناميات القوة بين مواطن (ومن باب أولى أجنبي أو لاجئ أو أي فرد ينتمي إلى فئة هشة) ومسؤول أمني؟

٢- ماذا يفصح هذا الشريط عن الفهم العام لحقوق الفرد أثناء التحقيق معه\ا، وتوقيفه\ا من قبل عنصر أمن؟

٣- هل يجب ألا نقلق من الخوف الذي نراه على وجه العامل فيما يتحضر لما قد يحصل له في حال تجرأ على القيام بردة فعلأو تجرأ على رفض المطالب السخيفة التي يطلبها منتحلو صفة رجال الأمن؟

٤- هل يجب ألا نقلق من التلميحات لما يمكن أن يحصل له في حال نفذوا تهديداتهم وساقوه إلى الحجز إذا لم يستجب لمطالبهم العشوائية والمهينة؟

٥- هل الأمر لا يعدو كونه مزحة؟ أو أنه يعكس أمراً أكثر عمقاً يعكس نظرة مجتمعية تجاه لبنانيين هشين أو مجموعات أجنبية، من ضمنها اللاجئين السوريين والعمال المهاجرين، ومن شأنه أن يساهم في تعميق تهميشهم، وبشكل أكثر خطورة، في نزع صفة الإنسانية عنهم؟

٦- أليس الأمر نكتة سمجة حول رجل أمن يهين فرداً في منطقة الشرق الأوسط، حيث التقارير عن المعاملة السيئة لعشرات الآلاف هي معلومة عامة وفي الحقيقة هي مصدر للألم، والعذاب، والقلق، والأرق، وعوارض إضطرابات ما بعد الصدمة، والانتحار، وتفكيك الأسر، والأفراد المحطمين؟ واللائحة يمكن ان تطول إلى ما لا نهاية.

٧- ألا يجب أن يكون مصدراً للقلق أن مكتب الرقابة في لبنان يهتم أكثر بحظر الأفكار المبدعة ولقطات الحب في الأعمال الإبداعية (مسرح، أفلام، إلخ) عوض الإهتمام بأمور أكثر أهمية مثل هذا البرنامج، كما يقول الصحافي فراس حاطوم؟

٨- ما الأسئلة التي يطرحها نشر هذا المشهد حول دور الميديا في محاربة التمييز الجندري، وخطاب الكراهية تجاه النساء، ورهاب الأجانب، ونزع صفة الإنسانية عن بعض المجموعات، والعنصرية والكراهية تجاه المثليين، والعنف وغيرها من القضايا التي يجب اتخاذ موقف منها؟

 

ما تحدثنا عنه أعلاه لائحة غير شاملة لأسئلة يجب التفكير بها. طرحتها لأني اعتقد أن القضايا التي تتعلق بالحريات والرقابة لا يجب التعاطي معها بتسرع وانفعالية وحساسية. هي قضايا تتطلب نقاشاً منفتحاً يؤدي إلى اتفاق على ما يتقبله لبنان كمجتمع ويسمح به، وهو نقاش حول ما يجب استخدامه من مبادئ بشكل عام في الإعلام من أجل احترام الكرامة الإنسانية والترويج للمساواة وعدم التمييز، وفي الوقت عينه الحفاظ على الحق المقدس في التعبير والحق في الإساءة. (right to offend)

 

لا ضرورة للمزيد من الرقابة والقيود. ما نحتاجه هو نقاش صريح ومنفتح.

 

 للعديد من اللبنانيين، وأنا من ضمنهم, إنّ المقلب هو معاملة مهينة ويستحق الإدانة الواضحة. وأن تقبل إدارة "أو تي في" أومخرج أو منتج البرنامج الإعتذار والالتزام بأخذ الأسئلة أعلاه بعين الاعتبار سيشكل من دون شك خطوة جيدة.