في خضم الجدل الدائر حول إرساء المجلس الأعلى للقضاء بعد تنظيم انتخاباته والإعلان عن نتائجها النهائية يوم 1411--2016 والنقاشات التي أثيرت حول استكمال تركيبته من الأعضاء القضاة المعينين بالصفة، أدى أعضاء المجلس الأعلى للقضاء أمام رئيس الجمهورية اليمين بتاريخ 14-12- 2016. إلا أن أداء اليمين هذا جاء منقوصا، إذ غاب عنه عضوان معينان بالصفة، تبعا لشغور مركزين ساميين ورفض الحكومة ملءهما تبعا للخلاف الحاصل حول طريقة الترشيح لهما والمرجع الصالح لذلك. كما يلحظ أداء رئيس محكمة استئناف تونس اليمين بصفته هذه رغم أن الهيئة كانت أصدرت قرارا بنقله ورشحت أشخاصا آخرين لخلافته. وعليه، وبدل أن يشكّل أداء اليمين إعلانا ببدء عمل المجلس، فإنه فتح الباب أمام انقسام قضائي جديد قد يعيق انطلاقة المجلس المنتظرة: فمن جهة نقابة القضاة التونسيين واتحادا القضاة الإداريين والماليين عدد من أعضاء المجلس يؤيدون موقف الحكومة، ومن جهة أخرى جمعية القضاة التونسيين وعدد آخر من الأعضاء يشددون على ضرورة تسمية مرشحي الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء في المناصب السامية قبل دعوة المجلس الأعلى للقضاء للإنعقاد.

الإنقسام حول تسمية القضاة الحكميين تولد انقساما حول الدعوة لانعقاد المجلس
وفي يوم أداء اليمين، دعا بعض أعضاء المجلس للإجتماع في محكمة التعقيب. وقد حضر فيه قرابة الـ30 عضوا بحسب تصريحات صحفية[1] وتداولوا خاصة حول مقترح المخرج وبالأساس مبدأ إعمال مبدأ الثلث كمصدر للدعوة. إلا أنّ جزءا هاما من الحاضرين طلبوا إرجاء الأمر إلى يوم الخميس 15-12-2016 من جهة لاستنفاذ أجال الدعوة من قبل نائب الهيئة الوقتية الذي ينتهي ليلة 14 ديسمبر 2016 وتحديدا منتصف الليل، ومن جهة أخرى لمزيد من البحث والتشاور والتوافق. والتأم الاجتماع في اليوم المقرر بحضور أكثر من 30 عضوا، واختار هؤلاء إعمال قاعدة الثلث والدعوة (وقع عليها 17 عضوا من بين قضاة عدليين وماليين وإداريين ومحامين وخبراء وجامعيين بحسب ما تقوله المجموعة ولم نتأكد من ذلك لعدم نشر قائمة الامضاءات)، لأول اجتماع للمجلس يوم الثلاثاء الموافق لـ20 -12 2016 بمجلس المستشارين، طبقا للفصل 72 من القانون المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء.

وفي مقابل ذلك، تكونت مجموعة أخرى من 15 عضوا رفضوا الدعوة إلى اجتماع 20 – 12- 2016، مؤكدين في بيانهم على ضرورة أن يكون إرساء المجلس سليما ومتطابقا مع أحكام الدستور والقوانين النافذة صونا لقراراته من شبهة عدم الدستورية ومخالفة القوانين. ونبهوا، في بيانهم عقب الاجتماع، إلى أن الحلقة المفقودة قبل الدعوة للإنعقاد هي استكمال التركيبة، وبالتالي فإنه لا يمكن الحديث عن هذه الدعوة والجهة المخولة لإصدارها، إلا بعد استكمال تركيبة المجلس الأعلى للقضاء. وهذا يعني عمليا اعتبار الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي صالحة لترشيح قضاة لملء المراكز الشاغرة فلا ينعقد المجلس إلا بعد استكمال أعضائه وذلك عملا بتفسير للفصل 74 من القانون المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء الذي ينص على أن الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي تواصل مباشرة مهامها إلى حين استكمال تركيبة المجلس الأعلى للقضاء بهياكله الأربعة وإرسائه. وأهاب الأعضاء الموقعون بسائر أعضاء المجلس الأعلى للقضاء الحرص على أن تكون انطلاقة المجلس في إطار شرعي متطابق مع أحكام الدستور والقانون ويمكن من تركيز المؤسسات الدستورية واستحقاق بناء سلطة قضائية مستقل.

وقد جاء هذا الرأي مطابقا لرأي جمعية القضاة التونسيين. وقد رأت هذه الجمعية أن الدعوة الصادرة عن هياكل قضائية أخرى (نقابة القضاة التونسيين واتحاد القضاة الإداريين) قصد مطالبة رئيس الحكومة بعدم إمضاء أوامر تعيين القضاة الذين رشحتهم هيئة القضاء العدلي في المناصب القضائية التي حصلت فيها الشغورات في المدة الأخيرة هي دعوة للسلطة التنفيذية للتدخل في مجال لا اختصاص لها فيه وهي دعوة فاقدة للشرعية والمشروعية وتخط صفحة سوداء في تاريخ الجهات الصادرة عنها لما تمثله من دفع  نحو المساس باستقلال القضاء من خلال المساس باستقلال قرارات هيئة القضاء العدلي كهيئة دستورية مستقلة أقر لها الدستور بالإستمرار في ممارسة صلاحياتها والتي من بينها تسديد الشغورات في الخطط التي يمثل أصحابها أعضاء بصفاتهم في المجلس الأعلى للقضاء. وذكرت الجمعية عبر بياناتها المختلفة إنه عندما حصلت أزمة سنة 2013 على خلفية تسمية هيئة القضاء العدلي لبعض القضاة في الوظائف القضائية السامية وتمسك الحكومة آنذاك بتسميات أجرتها في نفس الوظائف في تجاوز لصلاحيات هيئة القضاء العدلي وما ترتب عن تلك التسميات من طعون لدى المحكمة الادارية فإن رد المحكمة الادارية كان واضحا في هذا الصدد في انعقاد الاختصاص المطلق لهيئة القضاء العدلي دون تدخل من السلطة التنفيذية في تسمية القضاة في جميع الرتب والوظائف (القراران الصادران في 9/12/2013). وترى الجمعية ايضا ان رئيس الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي دون غيره وأصالة دون نيابة هو الذي يدعو لانعقاد أول جلسة للمجلس الأعلى للقضاء في أجل أقصاه شهر من تاريخ تسلمه لنتائج الانتخابات طبق الفصل 73 من القانون المتعلق بالمجلس وباعتبار أن رئيس الهيئة هو الرئيس الأول لمحكمة التعقيب فإن عدم صدور أمر تعيين الرئيس الأول لمحكمة التعقيب وبقية الأوامر المتعلقة بالشغورات التي سددتها هيئة القضاء العدلي طبق قرارات الترشيح التي اتخذتها في  شهر 11 سيفضي إلى أزمة. فالشغور الذي حصل في خطة الرئيس الأول لمحكمة التعقيب  تتعذر معه الدعوة لانعقاد المجلس وسنجد أنفسنا أمام أفق مسدود يعطل إرساءه. وفي هذا السياق تتساءل رئيسة الجمعية في مقال لها "هل أن بلادنا بحاجة لأزمة قضائية أخرى في تركيز المجلس الأعلى للقضاء تضاف إلى بقية الأزمات الاجتماعية والاقتصادية الخانقة والمستفحلة[2].

المواجهة المرتقبة: اضرابات واعتصامات في الأفق
وفي آخر تطور للأزمة التي تشير كل الدلائل أن المجلس مقبل عليها وفي ظل استشراء الخلاف بين  المجموعتين المذكورتين، أكدت جمعية القضاة في بلاغ صادر عنها يوم 17–12- 2016 على استعداد القضاة التونسيين بجميع أصنافهم عدليين وإداريين وماليين لخوض جميع الأشكال النضالية وقرروا في نطاق ما اعتبروه تصديا لمجموعة من "الإنحرافات" مجموعة من التحركات منها دعوة القضاة لتأجيل النظر في القضايا بتأخير الجلسات على حالتها بجميع محاكم الجمهورية يوم الثلاثاء 20 - 12 2016 و تنفيذ وقفة احتجاجية يوم الاربعاء 21 -12 2016 أمام قصر الحكومة بالقصبة وإعلان انطلاق اعتصام "إنقاذ المجلس الأعلى للقضاء " إثر الوقفة الاحتجاجية يوم الأربعاء 21 -12- 2016 بمقر جمعية القضاة التونسيين"، فضلا عن دعوة كافة مكونات المجتمع المدني المدافعة عن استقلال القضاء إلى مساندة تحركات القضاة "في هذه المرحلة الحرجة والحاسمة" .وقد لوحت الجمعية إلى إمكانية الدعوة لإضراب عام حسب تطور الأوضاع.

ما هو الحل؟
ثلاثة سيناريوات ممكنة للخروج من الأزمة:

أولاً: يتمثل الحل الأول في إمضاء رئيس الحكومة على أوامر التسميات طبقا لقراءة جمعية القضاة والهيئة الوقتية وعدد من أعضاء المجلس، وهذا الحل يبدو مستبعدا.

ثانياً: اللجوء الى اتخاذ الاجراءات الاستثنائية اللازمة في كل ما تقتضيه مصلحة البلاد ومؤسسات الدولة وديمومتها ومنها انعقاد أول جلسة للمجلس من دون دعوة رسمية من المرجع المحدد قانونا. لا شك أن هذه النظرية يلتجأ اليها عموما سواء في القانون الإداري التونسي أو المقارن وهي تعتبر أن هيكلا يمكن له أن يجتمع ويتداول حتى ولو كانت تركيبته غير مطابقة للقانون نظرا لاستحالة اجتماعه بتركيبة صحيحة. إلا أنه من المسلم به فقها وقضاء أنه لا يمكن التذرع بنظرية الشكليات المستحيلة لتبرير عدم احترام السلطة الإدارية لإحدى الإجراءات الشكلية واعتبار قراراتها الناتجة عنه شرعية، إلا متى ثبت أن الإعفاء من الإجراء المذكور لا يعود إلى تقصير من جانب الإدارة إذ أنها بذلت كل ما في وسعها لاحترامه4[3]. وهذا الحل سيؤدي تاليا إلى جدل حول هذه النقطة بالذات، وفق تضارب القضاة حول قراءة النصوص.

ثالثاً: وقد يكون الأفضل، وهو الذي يشير اليه القاضي أحمد صواب حين يقول متحدثا باسم المجموعة الأولى "وإن فشـــــلنا فسنعاين ذلك بطريقة شفافـة وديمقراطية وسندعو كامـــــل الأطــراف المعنية لايجاد حلّ وهي الشقّ المخالف لنا في المجلس وبعبارة واضحة الجمعية لا غير وكذلك السلطة التنفيذية برأسيها وحتى البرلمان"[4].

فهل يترك القضاة خلافاتهم جانبا ليجلسوا على مائدة واحدة، إذ أن ما يجمعهم أكثر مما يفرقهم. وهل ينتصر أخيرا صوت العقل والحكمة؟

 


[1]  انظر الحوار الشامل الذي أجرته جريدة المغرب يوم السبت 17 -12- 2016 مع  القاضي الإداري أحمد صواب عضو المجلس الأعلى للقضاء بالصفة . ويمكن اعتباره بشكل غير رسمي المتحدث باسم المجموعة الداعية الى اجتماع يوم 20- 12- 2016 بمجلس المستشارين وقد اعتمدنا على هذا الحوار في عرض موقف المجموعة الأولى
[2]   لمزيد الاطلاع على  موقف جمعية القضاة تراجع بياناتها الأخيرة  بتاريخ 1512 و03-12و02 – 12 – 2016وعلى مقال رئيسة الجمعية في جريدة الصباح 11-12 2016 بعنوان " لسنا في حاجة الى ازمة قضائية" وعلى الحوار الذي أجرته معها جريدة الشروق 30-12 -2016 بعنوان "المجلس الأعلى للقضاء ليس مخولا لسد الشغورات".
[3]  انظر القرار الصادر عن المحكمة الإدارية في مادة تجاوز السلطة في القضية عدد 2187 بتاريخ 20 جانفي 1993 (دوجة التركي ضد وزير التربية والعلوم).
[4] أحمد صواب، مذكور أعلاه.