وقعت المحكمة الادارية بالرباط مؤخرا وعدد من الإدارات العمومية اتفاقية فريدة[1]، تمنح بموجبها لهذه الأخيرة مهلة إضافية لتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في حقها بصورة ودية، دون اللجوء إلى وسائل التنفيذ الجبري المعمول بها قانوناً.

وفي الوقت الذي رحبت فيه أوساط حكومية بهذه الإتفاقية، فان أصواتاً أخرى أثارت عدة إشكاليات قانونية حول السند المعتمد عليه.

أصل المشكلة، مماطلة الادارات العمومية في تنفيذ الأحكام القضائية
من المعلوم أن الأحكام القضائية الصادرة في حق الادارات العمومية وشبه العمومية ظلت وإلى وقت قريب تواجه عدة عراقيل عند تنفيذها، بسبب مماطلة الجهة المحكوم عليها في أداء المبالغ المحكوم بها لمستحقيها[2]؛

وقد ألقى هذا الوضع بظلاله على مكانة القضاء الاداري الذي بدا في موقف حرج نتيجة عدم تنفيذ الادارات العمومية للأحكام القضائية الصادرة في مواجهتها.

اجتهاد قضائي مبدئي ينهي عهد عدم احترام تنفيذ الأحكام القضائية من طرف الإدارات العمومية
في أواخر سنة 2014، أسس رئيس المحكمة الادارية بالرباط لاجتهاد قضائي جديد باعتماد آليات التنفيذ الجبري في مرحلة تنفيذ الأحكام القضائية، وذلك بإقرار مسطرة قانونية خاصة اعتمدت على الحجز على الموارد المالية للإدارات العمومية الصادرة في مواجهتها أحكام قضائية، وذلك مباشرة من الخزينة العامة قبل تحويلها الى ميزانيتها[3].

أثبت هذا الاجراء الجبري نجاعة كبرى حيث مكن المحكمة الادارية من استخلاص مبالغ كبيرة تراوحت بين مليارين وثلاثة مليارات درهم في السنة، وذلك بعدما كان متوسط مجمل المبالغ المستخلصة سنويا من الأحكام القضائية الصادرة ضد الادارات العمومية لا يتجاوز 300 مليون درهم، وفق الأرقام الرسمية.

لكن في المقابل، تضررت ميزانية العديد من الإدارات العمومية من جراء اعتماد آليات التنفيذ الجبري، بعد توالي مساطر تنفيذ الأحكام عليها، مما جعلها تدخل في اختلالات مالية على مستوى برمجة نفقاتها المختلفة أثّر على سيرها العادي.

وقد كانت وزارة التجهيز والنقل واللوجيستيك الوزارة الأولى من حيث عدد الأحكام القضائية الصادرة في حقها.

دفاع وزارة التجهيز يقترح مخارج ودية لورطة تلاحق الأحكام المطلوب تنفيذها جبرا
بهدف الخروج من الاختناق المالي الناجم عن ارتفاع عدد الأحكام القضائية المنفذة ضدها، لجأت وزارة التجهيز والنقل واللوجيستيك إلى مقترح إبرام إتفاقية ودية مع رئيس المحكمة الإدارية بالرباط، قصد الإستفادة من أجل ستة أشهر بعد صدور كل حكم قضائي في مواجهتها، على أن تلتزم تلقائيا بتنفيذ الحكم مباشرة بعد انصرام الأجل.

جاء هذا المقترح مغلفا بالرغبة في تغليب مبدأ "سمو المصلحة العامة"، ومراعاة أيضا لوضعية المتقاضين الصادرة لصالحهم أحكام قضائية واجبة التنفيذ حيث يعانون ماديا ومعنويا نتيجة بطء مسطرة التنفيذ الجبري.

وقد تم تقييد الإتفاقية بشرط أساسي، وهو أن الادارات التي ستخل بمضمونها خمس مرات متتالية ستلغى معها بشكل تلقائي.

الأجل الإضافي لتنفيذ الأحكام القضائية توسيع على الإدارة أم تضييق على المواطنين؟
انتقدت بعض الأصوات شكل ومضمون هذه الاتفاقية. فمن جهة أثار البعض عدم صلاحية رئيس المحكمة الادارية في عقد مثل هذا الاتفاق في غياب أي اطار قانوني يؤطره، كما اعتبرت أصوات أخرى هذه المبادرة مجرد محاولة للتوسيع بشكل مجاني على الإدارة ضداً على حقوق المواطنين، بشكل يمس مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين والادارة، ولا يراعي حقوقهم في التنفيذ أمام تعسف هذه الأخيرة[4].

لكن رئيس المحكمة الادارية بالرباط نفى هذه الانتقادات مؤكدا أن الاتفاقية جاءت حلاً وسطاً لخلق موازنة بين حقوق طالبي التنفيذ، وتأمين السير العام في المؤسسات العمومية، وكذلك الوزارات المعنية، تفادياً لإلحاق أضرار اقتصادية، واجتماعية في بعض الأحيان[5].

وتجدر الإشارة إلى أن الاتفاقية منحت الشركات العمومية، ومختلف مؤسسات الدولة المسيرة بطريقة مستقلة، أجل ثلاثة أشهر لتنفيذ الحكم الصادر في مواجهتها، بينما أمهلت القطاعات الوزارية الموقعة على الاتفاقية، وكذلك الجماعات المحلية 6 أشهر لتنفيذ الأحكام الصادرة ضدها. وفي حالة انقضاء الأجل المحدد، فإن المحكمة تلجأ إلى مختلف وسائل الإجبار على التنفيذ التي يضمنها القانون.

 

[1]-جريدة المساء، العدد 3165، الصادر بتاريخ 20/12/2016، ص 07.
[2]-محمد الهيني : تنفيذ الأحكام الادارية بالمغرب أحكام رائدة وأبواب دستورية، مقال منشور بموقع المفكرة القانونية على الرابط التالي: http://legal-agenda.com/article.php?id=3203
[3]- جاء في أمر رئاسي : "أموال المؤسسات العمومية وشبه العمومية المودعة لدى المؤسسات المالية ترصد عادة لتسديد ديونها ، ...والتعويضات المحكوم بها عليها، وبالتالي يجوز الحجز عليها".
أمر رقم 7040 في ملف رقم 7000/7103/2014، بتاريخ 25/07/2014.
[4]-بيان الجمعية الوطنية لإصلاح منظومة العدالة حول توقيع اتفاقية المحكمة الادارية مع الادارات العمومية.
[5]-جريدة أخبار اليوم، وموقع اليوم 24، بتاريخ 05/01/2017.