يقترب موعد المؤتمر الوطني العادي للإتحاد العام التونسي للشغل والذي سيكون اهم حدث نقابي خلال السنة الجديدة يقع خلاله انتخاب قيادة جديدة لأكبر منظمة وطنية في تونس للسنوات الخمس المقبلة، مؤتمر وطني عادي تحت شعار «الولاء لتونس والوفاء للشهداء والإخلاص للعمال»

وهذا المؤتمر الذي ستنطلق أشغاله يوم 22 جانفي إلى غاية 25 منه سيتم خلاله إنتخاب 13 عضوا للمكتب التنفيذي الوطني للمنظمة و5 أعضاء للجنة الوطنية للنظام الداخلي و5 أعضاء للجنة الوطنية للمراقبة المالية. وسيكون افتتاحه بفضاء الملعب الرياضي المغطى بالمنزه بالضاحية الشمالية من العاصمة وسيحضره أكثر من 7000 مشارك من منخرطي الإتحاد في جميع الجهات والقطاعات بالإضافة إلى مجموعة من ممثلي المنظمات الوطنية والعربية والإقليمية والدولية تمّ توجيه دعوات لحوالي 100 منها.

أما أشغال المؤتمر فتُقام بأحد نزل الضاحية الشمالية للعاصمة بمشاركة حوالي 550 شخصاً. وسيتم أثناءها مناقشة اللوائح الأساسية للمؤتمر، وهي اللائحة المهنية وتتعلق بالمطالب المهنية واللائحة العامة وتنظر في الوضع الاجتماعي والاقتصادي العام بالبلاد في حين تناقش اللائحة الداخلية التصورات المطروحة للهيكلة والنظام الداخلي والقانون الأساسي وستتناول اللائحة الرابعة العلاقات الدولية للمنظمة الشغيلة.

مؤتمر في وقت حساس

ينعقد المؤتمر 23 للإتحاد العام التونسي للشغل والبلاد تعيش على وقع أزمة خطيرة ويمكن أن تكون أخطر خلال الأشهر القليلة القادمة. فعلى المستوى الاقتصادي، تمرّ البلاد بأزمة حادة وتتجه كل المؤشرات الاقتصادية إلى الإنهيار، ميزتها البارزة تراجع في نسبة النمو وعجز الميزانية والميزان التجاري وشح السيولة البنكية وتراجع الإنتاج العام وارتفاع معدلات البطالة والتضخم والفقر. وينتظر في ظلّ هذه الحقائق أن تعرف كل الموازنات الإقتصادية مزيدا من الإنخرام، مما انجرّ عنه مزيد التعقيد على المستوى الإجتماعي الذي أدّى إلى تصاعد وتيرة الإحتجاج الإجتماعي.

مؤتمر بلا سياسيين

أكد الأمين العام المساعد للإتحاد العام التونسي للشغل بوعلي المباركي أنه تم استثناء الأحزاب السياسية والرؤساء الثلاثة من حضور حفل افتتاح المؤتمر. وأوضح المباركي أن عدم دعوة كل من هؤلاء ليس موقفا منهم ولكن جرت العادة، وخاصة منذ سنة 2000 ، أن تتم دعوة المنظمات الوطنية والدولية دون توجيه الدعوة للرئاسات حتى تحافظ المنظمة على استقلاليتها وعلى علاقتها المتوازنة مع الجميع، وعلى وقوفها على نفس المسافة من كل القوى. ولئن أرجع الإتحاد غياب السياسيين لاعتبارات مبدئية  غير أن أمورا تنظيمية قد تكون حالت هي الأخرى دون ذلك  فالعارفون بطبيعة مجريات مؤتمرات الإتحاد ومن عايشوها من الداخل  سواء كمؤتمرين أو اعلاميين يعلمون أنه من المغامرة حضور أي سياسي في مثل هذه المناسبات النقابية التي يتخللها حماس منقطع النظير يكون معه من الصعب السيطرة على تداخل الشعارات النقابية مع السياسية في جو مشحون عادة  ضد السياسيين سواء قبل الثورة أو حتى بعدها.

طغيان عقلية الوفاق

مؤتمر جانفي 2017 لن يسمح لثلاثة قياديين في المركزية النقابية بالترشح وهم الأمين العام حسين العباسي وعضوي المركزية بلقاسم العياري والمولدي الجندوبي وذلك لاستكمالهم لدورتين نيابيتن حيث تم انتخابهم في مؤتمر المنستير في سنة  2006. بالمقابل، يمكن للأعضاء العشرة الآخرين الترشح من جديد وهم: كمال سعد ونورالدين الطبوبي بوعلي المباركي وسامي الطاهري وقاسم عفية وسمير الشفي وحفيظ حفيظ وَعَبد الكريم جراد وأنور بن قدور ومحمد المسلمي وهم جميعا تمّ انتخابهم في مؤتمر طبرقة في سنة 2011. وقال الأمين العام المساعد للإتحاد العام التونسي للشغل سمير الشفي أن عدد الترشحات لعضوية المكتب التنفيذي الجديد لاتحاد الشغل بعد انتهاء الآجال القانونية تجاوزت الثلاثين ترشحاً.

وأضاف سمير الشفي، ان "الإتحاد باعتباره مرجعا من مراجع التوافق حريص كل الحرص على أن تصاغ قائمة توافقية تحظى بأكبر قدر ممكن من الإجماع وأن تنال التوافق المطلوب داخل الهيئة الإدارية "مشيرا إلى أن القيادي في المكتب التنفيذي الحالي نور الدين الطبوبي سيحظى بشرف قيادة هذه القائمة التي ستضم في عضويتها أغلب أعضاء المكتب التنفيذي المتخلي وستضم هذه القائمة بحسب الأخبار المتطابقة 9 من عشرة  من أعضاء القيادة الحالية.

وفي الجهة المقابلة لنور الدين الطبوبي وقائمته يقف الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل قاسم عفية ويدير من جانبه مفاوضات ونقاشات لاستكمال قائمته التي ستتضمّن على الأرجح ما بين 7 أو 9 مترشّحين. وتقف معه النواة المرادفة للـ8 أعضاء المكتب التنفيذي وهم أساسا الكاتب العام لجامعة الاتصالات المنجي بن مبارك والكاتب العام لنقابة التعليم الثانوي لسعد اليعقوبي وكاتب عام نقابة التعليم الاساسي المستوري القمودي بالاضافة الى عبد الله العشي كاتب عام الإتحاد الجهوي للشغل بالمهديّة. وتلك النواة المكونة للقائمة المنافسة للقائمة التوافقيّة تفاوض من جانبها وتعقد اجتماعات للخروج بقائمة تتضمّن عددا من الاسماء لن يقلّ عن 6 ولن يتجاوز على الأرجح 9.

ومن الواضح أن القائمة الرسمية لن تترك على الأرجح غير احتمال ضعيف لصعود وجوه جديدة غير تلك المدعومة من القيادة. ولمزيد توجيه المؤتمر، فقد جاء في الصفحة الرسمية للإتحاد عبر شبكة التواصل الاجتماعي فايسبوك أن الهيئة الإدارية الوطنية للإتحاد اقترحت على المؤتمر أسماء الهيئة المشرفة على أعمال المؤتمر. وهو أمر يخالف بلا شك القانون الداخلي للإتحاد الذي يولي مهمة اختيار قيادة المؤتمر للمؤتمرين أنفسهمن مما يكشف بشكل جلي عن حدود الديمقراطية داخل أكبر منظمة جماهيرية في تونس. وهو أمر يُضاف إلى جملة معضلات أخرى تشكو منها المنظمة، مما يجعل من المحتم مواجهتها من خلال مزيد دمقرطة العمل النقابي وهو ما يتطلب في نظرنا مجموعة من الإجراءات والسياسات الجديدة على مستوى التسيير الداخلي.

نحو مزيد دمقرطة العمل النقابي

تعرف أوضاع الإتحاد على مستوى التسيير الداخلي معضلات تجدر الإشارة إليها ومعالجتها. فقد تحوّل الإتحاد على مرّ الأيام إلى جهاز هو أشبه بالبيروقراطي يضمر فيه قرار القواعد والهياكل القاعدية والوسطى والهيئات الممثّلة ذات القرار. لقد  استشرت على مدى سنوات متعاقبة قيم الزبونية وتقريب الموالين باستعمال مداخيل الإنخراطات وعائدات مؤسساته الاقتصادية كأسلوب عمل. كما استشرت داخله تقاليد الولاء الشخصي والجهوي والعشائري. وهكذا، أصبحت الشعارات البراقة مثل "حماية المنظمة" و"مصلحة الإتحاد" و"الملفات المالية" أقرب إلى الذرائع والتعلات للوصول إلى سلطة القرار.

كل هذه الأوضاع تستدعي تخليص المنظمة من مساوئ البيروقراطية التي أحكمت قبضتها على مصيرها. وأن ما يجري داخل الحركة النقابية الديمقراطية ذات التاريخ النضالي من مقاومة لهذه النزعة التي تضعف حياة المنظمة ليس شيئا مستحدثا أو طارئا بل انه في الواقع حلقة من سلسلة وجزء من مسار تاريخي عسير.

على هذا الأساس، ومن منطلق قناعاتنا الراسخة بضرورة تغيير هذا الوضع، نرى ضرورة العمل في المرحلة القادمة من أجل التمسك بالعمل النقابي المناضل، الذي يدافع على قضايا الشغيلة ويحمل بدائل واقعية لاختيارات السلطة وينحاز بصدق ومسؤولية إلى القضايا الوطنية كما نرى من اللازم تحقيق الأهداف الدنيا التالية:

  1. الإحتكام للقاعدة النقابية وذلك بإشراكها في التفكير في الشأن النقابي وفي صياغة القرار بواسطة إعادة الإعتبار إلى النقابات الأساسية والتشجيع  على الإنخراط فيها والعمل صلبها وحمايتها من كل التجاوزات التي تمس بحرية العمل النقابي،
  2.  نشر قيم النضال النقابي القائم على التضحية في سبيل الغير وتخليص المنظمة من هيمنة عقلية الإنتهازية والتمعش وداء التموقع النقابي أو السياسي التي ساهمت كل القيادات السابقة في نشرها بواسطة عقلية  ضم الأتباع وتعويدهم على البحث عن المنفعة الشخصية أو الغنيمة الحزبية، الشيء الذي قلل من مصداقية العمليات الانتخابية. وإن أخطر ما ينطوي عليه هذا التوجه هو إلغاؤه مفهوم المعارضة بعد أن أصبح مطلوبا من الجميع الإنسجام مع توجهات القيادة.
  3. نشر ثقافة الإحتكام إلى قانون المنظمة ونظامها الداخلي واحترام القواعد المنصوص عليها صلبهما والإمتناع عن كل ما من شأنه التشجيع على خرقهما أو الإنقلاب عليهما والتقيّد في كل عملية مراجعة لبنودهما بما يقررانه من الصلاحيات  القانونية المسندة لكل هيكل من هياكل المنظمة وعدم الخلط بين بين صلاحيات هذا الهيكل أو ذاك.
  4. جعل مبدأ التداول على المسؤولية النقابية مبدأ أصيلا من مبادئ المنظمة وذلك بتكريس هذا المبدأ على المسؤوليات النقابية وعلى التشكيلات الجهوية والهياكل القطاعية الوطنية على غرار الفصل العاشر الخاص بالترشح لعضوية المكتب التنفيذي الوطني.
  5. التأكيد على أن إعادة الهيكلة تستمد مشروعيتها ممّا ستدخله من ديمقراطية على الحياة الداخلية  للاتحاد وما ستضعه بين أيدي النقابيين، هياكل وقواعد، من آليات لمقاومة النزعة البيروقراطية والإنفراد بالرأي وتوظيف المنظمة لخدمة الخيارات والمصالح الفئوية الضيقة لهذا الشخص أو ذاك أو لهذه المجموعة الحزبية أو تلك على حساب مصالح العمال والشغالين عامة،                                                    
  6. فصل التسيير الإداري والمالي فصلا كليا عن المسؤولية النقابية وتعصير طرق التسيير وتطوير منظومة المراقبة والمحاسبة وفق أساليب التصرف المؤسساتي العصرية،                                
  7. رفض طريقة التفاوض الدورية الممركزة التي أدت إلى ضمور عمل الهياكل القيادية القطاعية التي لم تعد قادرة على تصور مطالبها والدفاع عنها والتفاوض بشأنها. ولقد أدى هذا التحكم في مصير القطاعات وإلحاق المطالب الخصوصية بالمفاوضات العامة إلى يأس كثير من النقابيين من جدوى العمل النقابي وهجر الاجتماعات العامة وتعاظم ظاهرة النفور ومقاطعة الانتخابات والعزوف عن الترشح مما جعل كثيرا من النقابات الأساسية تنجز مؤتمراتها بمن حضر كل ذلك في جو من التشكك  في نوايا القيادة وأولوياتها ومصالحها،
  8. إعادة صياغة أدوار الشباب والمرأة في العمل النقابي وذلك بتعزيز وجودهما في هياكل الإتحاد القاعدية والوسطى والقيادية العليا وبالحد من العوائق التي تحول دون وصولهما إلى فرص تقلد المناصب صلب المنظمة من خلال تصور تطبيقات عملية لدمج هذه العناصر ومنها  إخضاع مقترح  نظام الكوتا إلى استشارة نقابية موسعة.

 

اننا نعتقد ختاما أن الاستحقاق  النقابي الوطني المقبل والمتمثل في المؤتمر  يشكل رهانا جوهريا من أجل تطوير العمل الديمقراطي النقابي والدفع به نحو الأفضل. كما نعتقد أن التناقضات الاجتماعية ستزداد احتدادا بكيفية تسمح بفرز أقوى، في الساحة النقابية خلال السنوات المقبلة، بين قوى المعارضة  النقابية الديمقراطية والمناضلة وبين أنصار الموالاة للبيروقراطية بكل أغراضهم ومنافعهم.