فيلم "ليالٍ بلا نوم" لأليان الراهب ساهم في كشف مقبرتين جماعيتيين وُجدتا خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وقد أعلن المحامي نزار صاغية أنه سيتم الاستناد إلى الفيلم لرفع قضيتين حول هذه المقابر أمام المحاكم اللبنانية، بهدف المطالبة بالكشف عليها والتحقق من هويات الأشخاص الذين تم دفنهم فيها. القضيتان ستنضمان إلى مجموعة قضايا تم رفعها أمام المحاكم اللبنانية حول مقابر جماعية تم الكشف عن وجودها في غير منطقة. هذا الإعلان جاء خلال مؤتمر صحافي شارك فيه صاغية ورئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان، عقد بعد عرض خاص أقامته اللجنة و"المفكرة القانونية" للفيلم يوم الجمعة 12 نيسان 2013 في سينما متروبوليس في الأشرفية- بيروت.
الفيلم الوثائقي، بحث تحقيقي عن مصير شاب اسمه ماهر قصير، فُقد خلال مشاركته في"معركة كلية العلوم" خلال الإجتياح الإسرئيلي للبنان عام 1982، وهي المعركة التي تواجه فيها شبان من الحزب الشيوعي مع مقاتلين من حزب القوات اللبنانية – الذي كان في تحالف مع جيش الإحتلال الاسرائيلي. حضر العرض ناشطون، فنانون، صحافيون، أهالي مفقودين، إضافة إلى شبان وشابات في العقد الثاني من العمر- لم يعرفوا الحرب وبعضهم لا يدرك عنها شيئاً. في عتمة صالة العرض كان من السهولة بمكان سماع شهقات بكاء، تأفف أحدهم كأنه اختنق، أضيئت الصالة وعلا تصفيق، هذا الفيلم نكأ جراحاً لم تضمد، فتح أسئلة الحرب على مصراعيها، كانت الأسئلة والتعليقات توحي بحزن، بارتباك، بأمل ما في قضية المخطوفين، كثيرون قالوا أنه إذا استطاعت فنانة أن تصل وحدها لبعض الحقيقة حول المعركة، فذلك يعني أن كشف مصير مفقودي الحرب ليس أمراً صعب التحقيق.
بعد العرض، ذكّرت حلواني، بـ"اقتراح مشروع قانون للمخطوفين والمخفيين قسرا" الذي وضعته اللجنة. كررت مطالبة الأهالي بكشف مصير المفقودين، أكدت أن هذا المطلب لا يعني أبدا إلغاء قانون العفو العام الذي صدر بعد الحرب الأهلية، ولا يعني المطالبة بمعاقبة مجرمي الحرب، وشددت أن الفيلم يبرهن على أن التعرف على مصير المفقودين أمر يمكن تحقيقه لو توفرت الإرادة- كما كان الحال مع المخرجة الراهب- ولكن الدولة اللبنانية لم تمتلك يوما الإرادة للعمل على هذا الملف.
صاغية اعتبر أن "المرافعة" التي قدمتها مريم السعيدي – والدة ماهر- في الفيلم هي أفضل مرافعة يمكن أن تقدم للقضاء، ولفت أن الفيلم لعب دور الوسيط والمحقق، وكما تمكن من هز مشاعر المشاهدين سيكون من "الأوراق" التي تقدم للقضاء اللبناني. ولفت صاغية إلى أن الفيلم يبرهن أن ما يحتاجه أهالي المخطوفين ليس علاجاً نفسياً ينسيهم الألم بل أن تتحقق العدالة بكشف مصير أبنائهم، وقال رداً على أسئلة الجمهور أن الدعوى في شأن القابر الجماعية تُرفع عادة ضد مالك الأرض، وأن عددا كبيرا من الملاكين يتعانون اليوم أو هم مدعوون للتعاون مع رافعي القضية.
الأسئلة والنقاشات في صالة العرض عكست ألم الأهالي الذي لا تسكنه السنوات الطويلة التي انقضت على اختفاء أبنائهم، كثيرون قالوا أنهم يخافون من الموت قبل أن يُكشف مصير المخفيين، وتنتهي بموتهم قضية الأبناء. "الخوف" كلمة ترددت على لسان الأهايل، بعضهم يخاف أن يطرق باب الخاطف الذي يعرفه جيدا، هؤلاء الخاطفون "أقوياء" وهم الممسكون بالدولة. بعض الأسئلة ذهبت إلى ضرورة أن تساهم وسائل الإعلام في معركة كشف مصير المفقودين، وأن يتم استنهاض الجيل الشاب ولا سيما بين الطلاب الذين عبروا عن أسفهم لضعف معرفتهم بهذه القضية. بعض الأهلي بدا يائساً رغم بريق الأمل الذي مدّهم به الفيلم، كانوا يائسين من امكانية تحقق العدالة في لبنان، أمام حجم القوى المتضررة من "الحقيقة".
أخيراً، كان ثمة تأكيد على "الشجاعة" التي تسلح بها أسعد الشفتري، وهو شخصية رئيسية في الفيلم، وكان قد قدم رسالة اعتذار للشعب اللبناني عما ارتكبه خلال الحرب الأهلية حين كان "الرجل الثاني" في جهاز الأمن والاستطلاع في القوات اللبنانية، رغم التذكير بأن الشفتري لم يبح بكل ما يعرفه بحجة أن ثمة معلومات لا تتصل به وحده بل من شأنها أن تعرض مجموعات للخطر. كما تكرر التأكيد على دور كل مواطن في المشاركة في عملية كشف مصير المفقودين من خلال التحقيق وطرح الأسئلة على من يعرفهم ممن شاركوا في الحرب.