قامت الدنيا ولم تقعد في تونس يوم السبت 04–02-2017 على خلفية قضية مولود تم إعلام والده بوفاته وتسليمه شهادة من مستشفى فرحات حشاد بسوسة في الصدد، واستخراجه لشهادة وفاة رسمية قبل أن يتوجه لتسلم الجثمان، فيجد مولوده يحدث حركات كما صدر عنه أنين متقطع، حسب تأكيداته لقناة "نسمة" وكذلك اذاعة "كنوز"، في تصريحات متطابقة في المحطتين صادرة عن الأب والأخوة الذين أكدوا أن الجنين وضع في ثلاجة الأموات قبل تسليمه إليهم.

وعلى إثر حصول العلم للنيابة العمومية بوفاة رضيع في قسم الولادات بمستشفى فرحات حشاد في سوسة في ظروف غامضة، تحول مساعد وكيل الجمهورية برفقة قاضي التحقيق بالمكتب الرابع على عين المكان، حيث تم بعد المعاينة الأولية ” فتح بحث تحقيقي فوري من أجل القتل العمد ومسك واستعمال مدلس كما تم الاحتفاظ المؤقت بطبيبة داخلية، أجرت ولادة قيصرية مساء الجمعة على الرضيع بمستشفى فرحات حشاد بسوسة، بإذن من قبل قاضي التّحقيق المتعهّد بعد التنقل وبعد معاينة الجثة وبعد الإستماع إلى أطراف عيان بموجب إنابة عدلية فورية وتم الاحتفاظ بعد كل هذه الإجراءات وخاصة بعد حصول “سماعات” في مركز الشرطة. هذا وقد وقع الافراج ليلة الاثنين 06-02عن المتهمة بكفالة مالية.

الإضراب الفوري للإفراج عن المتهمة

وكما تعودنا في تونس، يُقابل الإيقاف لموظف في هذا القطاع أو ذاك بتحرك عاجل وفوري لزملائه وذلك بالإضراب دون سابق إعلام. فقد أعلنت الهياكل النقابية للأطباء الإستشفائيين والجامعيين وأطباء الصحة العمومية والأطباء المقيمين والداخليين صباح الإثنين بتاريخ 06-02-2017 الدخول في إضراب جهوي مفتوح فوري كشفا وتدريسا بكافة مؤسسات الصحة العمومية بولاية سوسة إلى غاية الإفراج عن زميلتهم الموقوفة ورد الاعتبار لها، على حد رأي أهل القطاع. بدورها أعلنت النقابة العامة للأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان الاستشفائيين الجامعيين، في وقت سابق الاثنين نفسه، عن الدخول في إضراب مفتوح احتجاجي عن العمل يشمل جميع الأنشطة الجامعية (التدريس والبحث والتأطير) والأنشطة الاستشفائية، باستثناء الحالات الاستعجالية. وفي السياق نفسه دخل الأربعاء 08-02 2017، الأطباء في القطاع الخاص وأطباء الاختصاص في إضراب عام وذلك مع تواصل إضراب الأطباء في المستشفيات العمومية.

وفي تصريح اعلامي أفاد الكاتب العام لاتحاد أطباء الاختصاص للممارسة الحرة فوزي الشرفي بأنه سيتم بداية من الساعة 08:30 تنظيم تجمع أمام كلية الطب بتونس ثم تليها مسيرة صامتة في اتجاه قصر الحكومة بالقصبة أين سيتم تنفيذ وقفة احتجاجية على الساعة 10:00. ويطالب الأطباء بتشريع خاص مرتبط بالمسؤولية الطبية وباطلاق سراح زميل لهم أوقف هو أيضا في قضية سابقة من أجل تهم تتعلق بالمسؤولية الطبية.

بين تصريحات المسؤولين ومعطيات العدالة: هل وقع التلاعب بملف القضية؟

وكانت وزير الصحة العمومية سميرة مرعي قد أفادت، في ندوة صحفية عقدتها صباح الإثنين 06- 02، أن تقرير لجنة الخبراء متعددة الاختصاصات المكلفة بالتحقيق في حالة الجنين المتوفى، أبرز سلامة الإجراءات العلاجية والطبية المستوجبة وعدم وجود أي خلل على مستوى التكفل بهذا الجنين، الذي أكدت الوزيرة أنه "كان في حالة موت سريري لم تنفع معها محاولات الإنعاش"، حسب تعبيرها.

وبينت أن العملية القيصرية التي أجريت بصفة استعجالية على الأم التي تعرضت إلى تعكرات صحية بسبب تعفن جرثومي في الشهر السادس من الحمل، كان الهدف الأساسي منها إنقاذ حياة الأم، مشددة على أنه لم يحدث أي خطأ طبي أو علاجي سواء على مستوى التكفل بالأم أو الجنين.

وأكدت قائلة أن "محاولات انعاش الجنين التي تواصلت لمدة 25 دقيقة باءت بالفشل خاصة وأنه كان في حالة حرجة جدا"، مشيرة إلى وجود خلل في التعامل مع الوالد الذي لم يتم إعلامه بالتشخيص الدقيق لحالة الجنين وبأن نسبة بقائه على قيد الحياة تكاد تكون منعدمة.

وأكد أعضاء لجنة الخبراء سلامة كافة الاجراءات المتخذة في هذه الوضعية مذكرين بأنه لم يتم إيواء الجثة البتة ببيت الأموات بل ظلت بقاعة التوليد كما هو معمول به، حيث أفاد د. محمد بالعربي رئيس قسم طب إنعاش الولدان بالمستشفى العسكري أن الجنين لم يتجاوز عمره 27 أسبوعا ويوما واحدا في حين أن معدل البقاء على قيد الحياة يبلغ 28 أسبوعا.

وكانت الادارة العامة للمستشفى الجامعي فرحات حشاد بسوسة أكدت في بلاغ أصدرته في ساعة متأخرة من ليلة السبت الأحد الواقع في 05- 06-2017 أن التحقيق أثبت أن عملية الولادة تمت عن طريق عملية قيصرية عاجلة لإنقاذ الأم الحامل في شهرها السادس بعد تعكّر حالتها الصحية مشيرة إلى أن كل المؤشرات الطبية كانت تؤكد عند الولادة أنّ المولود في حالة حرجة حيث قام الفريق الطبي بقسم التوليد من ناحية وطب الولدان من ناحية ثانية ببذل كل المجهودات اللازمة لإنعاشه باعتبارها ولادة مبكرة.

معطيات مثيرة

إلا أن محمد رؤوف اليوسفي، الناطق الرسمي باسم المحكمة الابتدائية بسوسة، أكد لإذاعة  "الجوهرة أف أم" يوم الثلاثاء 07 – 02 مجموعة من المعطيات اللافتة للانتباه حول حادثة رضيع مستشفى "فرحات حشاد" الذي تم تسليمه لأبيه في علبة كرتون.

وقال إن عملية الاحتفاظ التي تمت في هذه القضية تمت في إطار معطيات محددة وهي أن قاضي التحقيق المتعهد وممثل النيابة العمومية تنقّلا بتاريخ 04-02-2017 بعد أن تقدم والد الرضيع بشكاية في الموضوع، للمعاينة على عين المكان

وقد تم الاحتفاظ المؤقت بإذن من قبل قاضي التّحقيق المتعهّد بعد التنقل وبعد معاينة الجثة وبعد الاستماع إلى أطراف عيان بموجب إنابة عدلية فورية وتم الاحتفاظ بعد كل هذه الإجراءات وخاصة بعد حصول "سماعات" في مركز الشرطة . كما أكد أن المولود ولد على إثر عملية قيصرية عند الساعة 10.40 دقيقة ليلا بتاريخ 03-02-2017 وتم التعهد به طبيا من طرف طبيبة رُضّع مباشرة وقامت بتقديم الإسعافات وعملية الإنعاش الطبي اللازمة، وضمّت (وثّقت) بملفه الطبي أنه "ولد ميتا "

وأشار أنه تم الإحتفاظ بالمولود المتوفى بعلبة كرتونية بقسم التوليد يوم 4 فيفري 2017، وبعد إتمام إجراءات ترسيم الوفاة حضر والده لتسلم الجثة غير أنه تبيّن له أن ابنه قد أحدث بعض الحركات وصدر عنه أنين متقطّع. وتولى طبيب ومقيمة أخرى بقسم الرضع بالكشف عنه وأكدت ضمن محضر سماعها أنه لا يزال على قيد الحياة فتم ايواؤه بقسم الرضّع.

وفي تطور خطير في ملف القضية اكد اليوسفي أنه وقع من خلال المعطيات الثابتة في الملف ادخال تغيير على الملف الطبي المحجوز للمولود بعد التفطّن إلى أن الرضيع حي وتم تشطيب عبارة "وُلد ميتا" بعبارة "طفل حي" كما حصل تغيير على مستوى دقات القلب من 0 إلى 1.

وقد أقرت بذلك المظنون فيها، المتهمة التي تم الابقاء عليها بحالة سراح، مع تأكيدها أن هذا التقرير لم يصدر عنها وأشار أيضا الطب الشرعي أن الجثة لجنين لم يكتمل نموه وقد تنفس بعد الولادة وعاش بعض الوقت.  كما فسر رئيس قسم طب الرضع في محضر سماعه من قبل الباحث المناب، الأمر بوجود خطأ في التشخيص الأولي من قبل الطبيبة الفاحصة .

وفي سياق رده على البحث الإداري، تساءل الناطق الرسمي باسم المحكمة الابتدائية بسوسة، "كيف تم البحث الإداري دون الإطّلاع على الملف الطبي والملف الطبي محجوز على ذمة التحقيق؟"

في المسؤولية الطبية

لا شك أن المسؤولية الجزائية هي الأكثر وقعا على الأطباء مقارنة بكل المسؤوليات الأخرى التي يتحملونها وذلك لتأثيرها البالغ على سمعتهم وضررها المباشر بحياتهم المهنية. لذلك فإن الزج بهم في قضايا جزائية قد يرهبهم ويحد من عطائهم ويؤثر على دورهم في حفظ الصحة وسلامة المجتمع ويخل بالتوازن المطلوب بين تشجيع الأطباء على الاجتهاد والعمل وحماية المرضى من أخطائهم. ويرى الأطباء عموما من خلال تحركاتهم الأخيرة أن أحد الحلول المناسبة للحفاظ على هذا التوازن يكمن في تدخل المشرع لإخراج المسؤولية الطبية الناجمة عن الأخطاء الطبية من طائلة القانون الجزائي العام ووضعها في إطار قانون خاص يراعي خصوصية هذه الأخطاء ويفصل بينها وبين مخاطر العلاج حتى لا يظل الأطباء يتحملون مسؤولية أضرار لم يتسببوا فيها أحيانا، مع العلم أن المشرع أوكل لعمادة الأطباء مهمة السهر على احترام كل أعضائها للواجبات المهنية المنصوص عليها بمجلة واجبات الطبيب وأحدث صلبها مجلسا تأديبيا لردع من يخل بهذه الواجبات إلا أنه حدد صلاحياته في الدرجة الأولى وجعل قرارته تحت مراقبة محكمة الاستئناف بالعاصمة والتعقيب من أنظار المحكمة الإدارية ويرى عديد الأطباء أن الهيكلة الحالية لعمادة الأطباء وخاصة لمجلس التأديب لم تعد تستجيب لتطور قطاع الطب ولروح التغيرات الاجتماعية التي تشهدها تونس ومبدأ اللامركزية الذي اقراه الدستور الحالي، وان الوقت قد حان لإعادة النظر في هيكلة المجلس الوطني والمجالس الجهوية ومنح الصلاحيات التأديبية في درجتها الأولى لمجالس جهوية أو إقليمية وفي درجتها الثانية للجنة نظام وطنية يشترك في هيئاتها أطباء وقضاة ويظل التعقيب من أنظار المحكمة الإدارية (انظر كتاب مسؤولية الطبيب الجزائية والأخلاقية من وضع الطبيب الخبير العدلي محمد عبدالكريم كرشيد  صفاقس 2016).

ومهما يكن من أمر، فلقد كشفت الحادثة الأخيرة عن عديد المعضلات التي تغيب فترة لتعود للبروز بقوة وفداحة أكبر، أهمها الآتية:

أولا، طغيان العقلية القطاعية. فلقد أصبح من المعتاد أن تشن إضرابات وتوقف مصالح من أجل قضية هي من أنظار العدالة مما يفتح الباب أمام كل مظاهر الإحتجاج. فمن ليس له قطاع يحميه سيجد في جهته وعشيرته السند. وهو ما لاحظناه ونلاحظه يوميا من خلال الاحتجاجات وقطع الطريق والاعتداء على القضاة والمحاكم بمناسبة هذه القضية أو تلك،

وثانيها معضلة الإيقاف التحفظي. فلقد تساءل الكثيرون عن سبب الإذن بإيقاف الطبيبة ثم الإفراج عنها في ظرف يومين. فهل يكون حاكم التحقيق تسرع في إيقافها دون موجب ثم أطلق سراحها وقوعا تحت ضغط تحرك الأطباء وفي كلتا الحالتين يكون المتضرر الأكبر هو العدالة وصورتها أمام الرأي العام وفقدان الثقة العامة في القضاء؟

وثالثها معضلة المسؤولية الطبية. فلقد صار من الضروري الإنكباب على هذا الملف من خلال حوار مجتمعي جاد وسريع وإن اقتضى الأمر مراجعة التشريعات من أجل إيجاد هذا التوازن الصعب بين الحق في الحياة وحماية الطبيب الذي يعلم الكل أنه يشتغل في قطاع الصحة العمومية في ظروف هي في غاية القساوة. نحن في حاجة أيضا الى أطباء واثقين لا يرهقهم عمل يكاد يكون مستحيلا في بعض مستشفياتنا العمومية الداخلية منها خاصة و يؤرقهم خوف من تبعات عمل إنساني في ظروف لا إنسانية في كثير من الأحيان يحملهم الى الفضيحة والسجن.