تواصل المفكرة القانونية نشر شهادة المحامي خالد علي بشأن قضية تيران وصنافير الذي أعدها كمقدمة للكتاب الوثائقي "حكمت المحكمة: تيران وصنافير مصرية"، من منشورات المفكرة القانونية والمركز المصري للحقوق الإقتصادية والإجتماعية. (المحرر)

المحكمة وانطباعاتها عن القضية والمرافعات

كان كل همي وحرصي على أن تكون إنطباعات المحكمة، ومنذ الجلسة الأولى، عن القضية ايجابية وموضوعية عكس كل ما كانت تصدره وسائل إعلام النظام من أنها قضية إعلامية تستهدف لل show السياسي فقط. لذلك ولأني من المحامين الذين لا يتعجلون في تقديم المستندات للمحاكم، وأفضل دائما التريث في هذا الأمر حتى يقدم كل مستند في وقته الملائم حسب مجريات النزاع، إلا أنه في هذه القضية كنت في حاجة أن أقنع المحكمة بالاستجابة لطلباتي التي سأطلبها من محامي الحكومة. لذلك عمدت إلى تقديم أغلب المستندات التي بحوزتي حتى أرغم المحكمة على الاستماع لكامل دفاعي وإجابة طلباتي. فكان أول مستند أقدمه لها هو أطلس وزارة الدفاع الصادر عن مصلحة المساحة والأشغال العسكرية عام 2007 والذي يشتمل على أربع صفحات تؤكد مصرية الجزر، وصور من كل المكاتبات السرية لوزارات الدفاع والخارجية والمالية عامي 1949- 1950، وصورة فتوى المستشار وحيد رأفت التي صدرت في 12 يناير 1950 وكان أول من طلب مصر برفع العلم المصري على تيران وصنافير، وكتاب المستشرق الفلندي جورج وأجست فالين الذي قام برحلتين لشبه الجزيرة العربية ولسيناء عامي 1845 و1848 وأكد أن المصريين هم الذين كانوا يعيشون وقتها على هذه الجزر. وعندما سألتني المحكمة بكل تعجب "من أين أتيت بهذه المستندات والوثائق؟". أيقنت أن مهمتي الأولى في الإعلان عن جدية قضيتي أمام المحكمة منذ الجلسة الأولى قد نجحت، فطلبت من المحكمة إلزام الحكومة بتقديم صورة من الاتفاقية المطعون عليها، وصورة من كافة محاضر اللجنة المصرية السعودية المشتركة لترسيم الحدود بين البلدين والتي عقدت جلساتها في مراحل زمنية متفرقة بداية من 2010 وحتى توقيع الإتفاقية في 9 أبريل 2016، وكذلك إلزامها بتقديم كافة الصور الضوئية التي قدمتها بشأن المراسلات بين الوزارات وفتوى المستشار وحيد رأفت، فأصدرت المحكمة قرارا بالتأجيل مع إلزام الحكومة بتقديم كل المستندات التي طلبتها. وفى اليوم التالي، تصدّرت أحداث الجلسة عناوين الصحف القومية والرئيسية وبخاصة واقعة تقديمي أطلس القوات المسلحة وبه صفحات تؤكد مصرية الجزر. وفي ذلك اليوم، استوقفني بالشارع كثير من المارة ليسألوني ليس عن مصرية الجزر ولكن عن صحة واقعة أطلس وزارة الدفاع الذي يضم أربع صفحات عن الجزر. ولحظتها، أيقنت أيضا أن الرأي العام أضحى يتعامل مع القضية بالجدية التي كنت اتطلع إليها حتى أضمن استمرار ثقتهم، ومن ثم أضمن استمرار دعهم لنا في هذا النزاع.

إستراتيجية المواجهة القانونية أمام القضاء الإداري

كان محامي الحكومة أثناء نظر القضية بمحكمة القضاء الإداري في موقف لا يحسد عليه. فرغم إلزام المحكمة له بتقديم المستندات التي طلبناها منهم، إلا أن الحكومة امتنعت عن مدّ المحكمة بأي مستندات. ولم يجد المحامي أمامه ما يقدمه من دفاع إلا بعض الدفوع الشكلية شأن دفع انتفاء صفتنا أو مصلحتنا في رفع القضية، أو عدم اختصاص المحكمة بنظر النزاع لكون الإتفاقيات من الأعمال التي ينطبق عليها "نظرية أعمال السيادة" والتي تحرم المحكمة من نظر القضية أو الفصل فيها. وحرمتنا هذه الاستراتيجية من الإطلاع على وثائق الحكومة المزعومة والرد عليها ودحضها هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان محامي الحكومة يعتصم بتلك النظرية ويطالب المحكمة بتطبيق نفس الحيثيات التي أصدرتها في قضية الطعن باتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع قبرص والتي قضت بأنها عمل من أعمال السيادة. فارتكزت استراتيجيتنا على تقديم كل المستندات التي تثبت مصرية الأرض ومطالبة المحكمة بقراءة نظرية أعمال السيادة في حدود ما نقدمه من مستندات وفي حدود نصوص الدستور التي تحرم على رئيس الجمهورية أو مجلس النواب أو حتى الاستفتاء الشعبي التنازل عن أي أرض مصرية. وبالتالي فإن أي عمل يخالف نصوص الدستور، حتى لو كان من تلك الأعمال التي يمكن تصنيفها ضمن أعمال السيادة، لا يعصمه من رقابة القضاء، وطالبنا المحكمة بضرورة حسم الموقف القانوني للأرض هل هي مصرية أم لا وبعد ذلك تحسم باقي الدفوع. وهو ما كان. فقد أكدت المحكمة مصرية الأرض، ومن ثم أبطلت الاتفاقية لكونها تتضمن تنازلا ممن لا يملك على ما هو غير مختص به إلى من لا يستحق بالمخالفة لصلاحيته ولنصوص الدستور.

استراتيجية المواجهة القانونية أمام الإدارية العليا

في لقائه مع بعض المصريين تحت مسمى "لقاء الأسرة المصرية" الذي انعقد في رئاسة الجمهورية قبل صدور حكم القضاء الإداري، نقلت وسائل الإعلام عن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن الجزر غير مصرية، وأنه لا يريد الحديث في هذا الشأن مرة أخرى. وذكر أنه سأل كل مؤسسات الدولة والجميع أجابه -على حد زعمه- بأن الجزر غير مصرية. واختتم حديثه بأن والدته كانت توصيه دوما "بألا يأخذ شيئا ملك غير" وأن هذه الجزر وديعة هو قام بردها لصاحبها يقصد "السعودية". لكن بعد صدور حكم القضاء الإداري ببطلان الإتفاقية، ذكر رئيس الجمهورية في لقاء تليفزيوني "ليه مش بتقدموا الوثائق للناس وللمحكمة". وهو ما كان إعلاناً بتغير استراتيجية الحكومة حيث قام أحد الصحفيين وأعضاء البرلمان بنشر كتاب يزعم فيه سعودية الجزر، ونشر بعض القصاصات السطحية. وقامت هيئة قضايا الدولة بتقديم عدد من المستندات تزعم فيها أن الجزر غير مصرية بل تنفي عن مصر ممارسة حقوق السيادة على الجزر، وتزعم أن مصر كانت تملك حقوق إدارتها فقط بموجب اتفاق مع السعودية. وهو الأمر الذي استلزم منا إدخال بعض التطوير باستراتيجية دفاعنا، حيث تمسكنا بتقديم مستندات جديدة تؤكد مصرية الجزر. وقدّمنا صورة طبق الأصل لخريطة مصر عام 1912 من إعداد مصلحة المساحة المصرية جاءت بها هذه الجزر من ضمن الأراضي المصرية أى قبل تأسيس السعودية ب ـ20 عاما، فضلا عن مستندات أخرى عديدة. لكننا استندنا لمحور جديد في هذه الاستراتيجية ينطلق من مناقشة كافة المستندات التي تقدمها الحكومة لدحضها، حيث طالبنا المحكمة باستبعاد كافة الصور الضوئية التي تقدمها الحكومة. كما أوضحنا للمحكمة ما يؤكد مصرية الجزر من واقع المستندات التي قدمتها الحكومة ذاتها. ومن ذلك الترجمة التي قدمتها الحكومة لمحضر اجتماع مجلس الأمن في فبراير 1954 عندما تقدمت إسرائيل بشكوى ضد مصر لأنها تقوم بتفتيش السفن. وذكرت إسرائيل أن مصر احتلت هذه الجزر، وأن المضيق غير وطنى، وليس من حق مصر إغلاقه أو تفتيش السفن المارة، فرد ممثلو مصر بأربعة ردود 1- أن مصر متواجدة على هذه الجزر منذ عام 1906، 2- أن الجزر منذ ترسيم الحدود مع الدولة العثمانية عام 1906 أصبحت حصرية مصرية، 3- أن الجيش المصري حارب على هذه الجزر مع قوات التحالف بالحرب العالمية الثانية أى بعد تأسيس السعودية، 4- أن الاتفاق الذي بيننا وبين السعودية ليس ضمّا للجزر لكن تأكيد على أن هذه الجزر جزء لا يتجزأ من الإقليم والأراضي المصرية. ثم أوضحنا للمحكمة، ومن واقع مستندات الحكومة أن الدولة تدعي أن الجزر غير مصرية لكنها تفشل في تفسير سبب رفع العلم المصري على الجزر، كما تفشل في تقديم أي مستند يؤكد زعمها بوجود اتفاق بين مصر والسعودية في هذا الشأن عام 1950. كما بينّا أن الحكومة قدمت عشر روايات متناقضة لسند وجودنا على هذه الجزر (إعارة الجزر لمصر، تأجير الجزر لمصر، تنازل السعودية عن الجزر لمصر لمدة 90 سنة، ضم الجزر للأراضى المصرية، وضع يد على الجزر، احتلال باتفاق مسبق مع السعودية، احتلال مصر لها بإرادة منفردة وترحيب السعودية بذلك، مصر تملك حقوق الإدارة ولا تملك حقوق السيادة، وضعت تحت تصرف مصر بترتيب خاص بين الرياض والقاهرة، الجزر تقع في المياه الإقليمية للسعودية ومنحتها وديعة لمصر لحمايتها). هكذا ذكرت الحكومة عشر روايات متناقضة، ولم تقدم أي وثيقة بين مصر والسعودية بشأن أيّ من هذه الروايات. فما كان يهم الحكومة أن تذكره في المحكمة هو أن الجزر غير مصرية لكنها فشلت في تفسير أسباب رفعنا للعلم عليها ومحاربتنا من أجلها وممارستنا بمفردنا كافة مظاهر السيادة عليها طوال هذه العقود. كما أوضحنا للمحكمة التلاعب في المستندات عبر تغيير المنهج الدراسي لطلاب الصف السادس الابتدائي والأول الثانوي. ففى العام الدراسى 2015 -2016، جاء بهذه المقررات أن الجزر محميات طبيعية مصرية. وبعد صدور حكم القضاء الإداري في 21 يونية 2016 ومع العام الدراسى الجديد 2016 -2017 تم استبعاد البوكسات التي تتناول تلك الجزر كمحميات طبيعية مصرية من المقررات الدراسية الجديدة. وكذلك أوضحنا للمحكمة اصطناع مستندات ونسبتها إلى الدكتور عصمت عبد المجيد؛ حيث ذكرت الحكومة أن مجلس الوزراء كلف الخارجية بإرسال خطاب للسعودية ردا على رسالتها التي طلبت فيها بتنازل مصر عن الجزر عام 1990، وطلب من الخارجية أن يكون مضمون الخطاب اعتراف مصر بسيادة السعودية على الجزر، وأن مصر فقط تطلب عدم تسليمها الآن بسبب الوضع الاقليمى. وهذا الزعم يفترض أن اجتماع مجلس الوزراء الذي فوض الخارجية لإرسال هذا الرد تاريخه سابق على تاريخ إرسال الخارجية لهذا الخطاب. لكن الإصطناع اتضح من أن الخطاب حمل تاريخ 3 مارس 1990، واجتماع مجلس الوزراء حمل تاريخ 4 مارس 1990. ليس هذا فحسب بل إننا علمنا بقيام الدكتور عصمت عبد المجيد والمشير محمد عبد الحليم أبو غزالة بإلقاء بيانين بمجلس الشورى أمام لجنة الشئون العربية والأمن القومى عام 1987 أثناء إعدادها لتقرير عن البحر الأحمر، وتناولا فيهما موضوع الجزر ومصريتها. وقد أصدرت اللجنة تقريرا جاء فيه أن الجزر ملك مصر. فسلمنا المحكمة صورة التقرير وطلبنا منها إلزام الحكومة بتقديم كافة محاضر هذه اللجنة، وبيان كل من وزيرى الخارجية والدفاع. إلا أن هيئة قضايا الدولة ردت علينا بخطاب من مجلس الشورى أن محاضر أعمال هذه اللجنة إلتهمها حريق مجلس الشورى عام 2008. وطلبنا من الحكومة تقديم صورة من كافة محاضر أعمال اللجنة المصرية السعودية التي انعقدت على مراحل زمنية متعددة لترسيم الحدود بين البلدين من 2010 حتى توقيع الاتفاقية في 9 ابريل 2016 حيث علمنا أن المفاوض المصري طوال هذه الجلسات كان يتمسك بمصرية الجزر، وأن الجلسات توقفت خلال الفترة من 2011 حتى نهاية 2015، حيث أعيد انعقادها في 15 ديسمبر 2015. وبعدها انعقدت ثلاث مرات في 2016. وهذه الجلسات الأخيرة هي التي شهدت تغير موقف المفاوض المصري. وبالطبع امتنعت الحكومة عن تقديم هذه المحاضر، وقدمت لنا البيان الختامي البروتوكولي الذي ينشر لوسائل الإعلام بعد كل اجتماع. كما امتنعت الحكومة عن تقديم عدد من الوثائق الحاسمة في النزاع شأن فتوى المستشار وحيد رأفت قاضي مجلس الدولة وأول من طالب مصر برفع العلم على الجزر ولم تتحرك القوات المصرية إلا بناء على هذه الفتوى. كما امتنعت عن تقديم المراسلات المزعومة بين الملك عبد العزيز ومصر. وكذلك امتنعت عن تقديم الخطابات التي أرسلتها مصر لسفارتى انجلترا وأمريكا يوم 30 يناير 1950 والتي أخطرتهما برفع مصر للعلم على الجزر. وكذلك امتعنوا عن تقديم كافة الخطابات والمراسلات بين وزارات الخارجية والحربية والمالية عامي 1949 و1950 والتي تؤكد مصرية الجزر. واستخدمنا كل ذلك لنثبت للمحكمة ليس فقط مصرية الجزر ولكن أيضا ما يفيد تعمد الحكومة عن الامتناع عن تقديم المستندات الحاسمة في النزاع وتعمد إخفائها عن المحكمة بمزاعم عدة.

فضيحة دار الوثائق القومية

لا توجد أى وثيقة حكومية لا يوجد منها نسخة محفوظة بدار الوثائق القومية، وخاصة تلك التي تتعلق بالأرض والصراع العربي الإسرائيلي، والصراع في منطقة الشرق الأوسط. وكان لخبراء تلك الدار وعلمائها دورٌ بارزٌ في توعية الشعب المصري بتراثه وحقوقه. وكان لإسهاماتهم البحثية التي قاموا بنشرها أثر كبير. ومن هؤلاء د. صبري العدل الذي نشر بحثاً عن تيران وصنافير وأرفق به عدداً من الصور الضوئية للوثائق التي يستند إليها. وأثناء القضية، طلبنا من المحكمة التصريح لنا باستخراج بعض المستندات من الدار. وبالفعل، صرحت لي المحكمة بذلك، فانتقلت للدار وقمت بتسليمها التصريح بطريقة قانونية، ووعدوني بتنفيذ التصريح. ثم فوجئت قبل موعد الجلسة بيوم بادعائهم أن البحث ما زال جاريا، وطلبوا منى الحضور باكر قبل موعد الجلسة. وقمت بهذا بالفعل، وتقابلت مع مديرة الدار نفين محمود والتي رددت نفس الإجابة. فذهبت للجلسة بدون استلام أي مستند من الهيئة. ولكن كانت المفاجأة أن دار الوثائق منحت محامي الحكومة مستندا سريا في رسالة متبادلة بين الخارجية والحربية عام 1928 حيث كانت الحربية تسأل الخارجية عما إذا كانت جزيرتا تيران مسجلة لديها من عدمه كأراضٍ مصرية. وبالطبع جاءت إجابة الخارجية بأنه لا توجد لديها سجلات، لأن من المعروف أن تلك السجلات كانت لدى وزارة المالية. ففي عهد الملك فاروق صدر قرار بأن حدود مصر هي كل منطقة يتم جمع جباية (ضرائب) منها، وبالتالى السجلات الحقيقية لدى المالية وليس الخارجية. وحاولت هيئة قضايا الدولة أن تستخدم هذا الجواب للتدليل على أن الجزر غير مصرية، فأوضحنا أن الخارجية لم ترد بأن الجزر غير مصرية ولكنها ردت بعدم وجود سجلات لديها في هذا الشأن، كما أوضحنا أن هذه المخاطبات قبل تأسيس السعودية بأربع سنوات. وكذلك أوضحنا قرار الملك فاروق السالف ذكره، وقدمنا كتابا صادرا عن وزارة المالية عام 1945 يتضمن خريطة مصر وبها أن الجزر مصرية، كما يتضمن الكتاب إندكس كتابي يفيد بأن الجزر مصرية. وكذلك قدمنا خطاب الحربية للخارجية عام 1949 والذي كان يسألها نفس السؤال عن الجزر فقامت الخارجية بمخاطبة المالية وقامت الأخيرة بالرد عليها بأن الجزر مصرية ثم قامت الخارجية بمخاطبة الحربية بمضمون رد المالية بأن الأرض مصرية. وهى الخطابات التي تقدمت بتصريح بشأنها لدار الوثائق للحصول على صورة منها، ولم أتعجب من قيام دار الوثائق بمنح هيئة قضايا الحكومة المستندات التي تحتاجها وتدعم وجهة نظرها حتى دون تصريح من المحكمة. لكن الغريب هو حجبها لباقى الوثائق الأخرى التي طلبناها. فحصلت على تأجيل جديد من المحكمة وتصريح جديد بذات المستندات. وذهبت لمكتب رئيس مجلس إدارة الهيئة الدكتور محمود الضبع وشرحت له انحياز الدار وحجبها للمستندات فأخطرني أنه قام بالتأشير على التصريح بتنفيذ ما يقضي به القانون، وأن رئيسة الدار هي المسئولة عن التنفيذ واستدعاها لمكتبه. ودار أغرب حوار بينى وبينها، والذي يتمحور مضمونه حول رفضها تنفيذ التصريح بمبررات واهية. فما كان من رئيس مجلس الإدارة إلا أن اعتذر لي، وقال من حقك تحرير محضر بالواقعة ضدي، فتوجهت للقسم وحررت محضر إثبات حالة ضده وضد رئيسة الدار. وفي الجلسة التالية جاءت هيئة قضايا الدولة تحمل خطابا أن الوثائق التي نطلبها ما زال البحث عنها جاريا.

هذه الواقعة رغم مراراتها لكنها تعكس أزمة، بل جريمة. حرمان الشعب المصري من الحق في المعرفة وحرية تداول المعلومات إلى حد تعريض أراضي بلادنا للخطر. ففي الوقت الذي نطلع على كافة الوثائق بالأرشيف البريطانى عبر الإنترنت، ونشتري ما نشاء منها، ويتم إرساله لنا بالبريد، نجد دار الوثائق القومية المصرية تحجب هذه الوثائق عنا وعن المحكمة بل وتلعب دورا كارثيا لمحاولة ترجيح كفة الحكومة بما يمثل إخلال بتكافؤ الفرص في المنازعة القضائية ويهدر حيادها واستقلالها العلمي والمهني.

ليست قضية واحدة ولن نحسمها بالضربة القاضية

ذكرنا سابقا أنه تم رفع 13 قضية بشأن المطالبة ببطلان الاتقاقية، 11 قضية منها ما زالت بهيئة مفوضي محكمة القضاء الإداري لم يتم الإنتهاء من تقريرها ولم يصدر بها أية أحكام. وهناك أول قضيتين وتم ضمهما لبعضهما وأضحت قضية واحدة وصدر فيها حكم محكمة القضاء الإداري ببطلان الاتفاقية، هذا الحكم الأخير تفرعت عنه 12 منازعة قضائية جديدة حتى الآن، وبيانها كالتالى:

  1. إشكال في التنفيذ أمام محكمة الأمور المستعجلة بالقاهرة، وهى محكمة غير مختصة، وأصدرت حكما بوقف تنفيذ حكم القضاء الإداري لكون الاتفاقية عملا من أعمال السيادة.
  2. الإستئناف أمام محكمة مستأنف القاهرة للأمور المستعجلة، وقضى برفض الإستئناف وتأييد حكم أول درجة.
  3. إشكال على التنفيذ مقام من الحكومة أمام محكمة القضاء الإداري تطالب فيه بوقف تنفيذ حكم بطلان الإتفاقية، وقضت المحكمة برفض إشكال الحكومة.
  4. إشكال معكوس مني أمام محكمة القضاء الإداري أطالب فيه بالإستمرار في تنفيذ حكم القضاء الإداري ببطلان الاتفاقية، وقد صدر الحكم لصالحي بالاستمرار في التنفيذ.
  5. طعن الحكومة أمام المحكمة الإدارية العليا على حكم القضاء الإداري القاضى ببطلان الاتفاقية. وقد صدر الحكم في 16 يناير 2017 برفض طعن الحكومة وتأييد حكم القضاء الإداري ببطلان الاتفاقية وبمصرية الجزيرتين.
  6.  طلب رد أعضاء الدائرة الأولى بالمحكمة الإدارية العليا التي نظرت أول جلسة للطعن. وقد قضت الدائرة السابعة بالمحكمة الإدارية العليا برد أعضاء الدائرة الأولى. ويعدّ هذا الحكم هو الأول في تاريخ مجلس الدولة الذي يصدر برد أعضاء الدائرة بالكامل فيما عدا من توفى منهم ومن تنازل عنه طالب الرد.
  7. قام قاضيان من القضاة الذين تم ردهم برفع دعوى بطلان أصلية لإلغاء حكم الرد الصادر بحقهم. وما زالت القضية منظورة أمام المحكمة الإدارية العليا ولم يصدر أي حكم بشأنها.
  8. قامت الحكومة بالطعن أمام الإدارية العليا على حكم القضاء الإداري برفض إشكالها. وقد قضت الإدارية العليا في 17 يناير 2017 برفض طعن الحكومة وتأييد حكم القضاء الإداري برفض وقف تنفيذ حكم بطلان الاتفاقية.
  9. قامت الحكومة بالطعن أمام الإدارية العليا على حكم القضاء الإداري الصادر لصالحي بالاستمرار في تنفيذ حكم القضاء الإداري. وقد قضت الإدارية العليا في 17 يناير 2017 برفض طعن الحكومة وتأييد حكم القضاء الإداري بالاستمرار في تنفيذ حكم بطلان الاتفاقية.
  10. أقامت الحكومة منازعة تنفيذ أولى أمام المحكمة الدستورية العليا لوقف تنفيذ حكم بطلان الاتفاقية. وما زالت القضية منظورة بهيئة مفوضى المحكمة الدستورية العليا.
  11. أقامت الحكومة منازعة تنفيذ ثانية أمام المحكمة الدستورية العليا لوقف تنفيذ حكم بطلان الاتفاقية. وما زالت القضية منظورة بهيئة مفوضى المحكمة الدستورية العليا.
  12. قبل صدور حكم الإدارية العليا قامت الحكومة بإرسال الاتفاقية المقضى ببطلانها من القضاء الإداري إلى مجلس النواب فقمنا بالطعن على هذا القرار أمام محكمة القضاء الإداري وتحدد لنظرها جلسة 7 فبراير 2017.

هذه القضية التي صدر فيها حكم ببطلان الاتفاقية، تفرع عنها 12 منازعة قضائية جديدة كما أوضحنا، صدر حكمان ضدنا من محكمة غير مختصة، وصدر سبعة أحكام لصالحنا، وتبقى أربع دعاوى لم يصدر بها أى أحكام. وذلك كله فضلاً عن الحكم الرئيسي. وهو ما يدفعنا للقول بأن هذا النزاع لن يحسم بالضربة القاضية ولكن بالنقاط، وقد نجحنا حتى اليوم في حسم ما يقارب 90% من هذا النزاع، وربما يكون من المتوقع ميلاد منازعات جديدة خلال الأيام القادمة.

سيناريوهات ومسارات جديدة:

بعد هذه الأحكام هناك عدة سيناريوهات ومسارات إحتمالية، ونوجزها فيما يلى:

المسار الأول: منازعات التنفيذ التي أقامتها الحكومة أمام الدستورية العليا. وحتى تتمكن الحكومة من استمرار السير فيها، فهي أمام خيارين: الأول: أن تتجاهل هذه المنازعات لكونها رفعت على حكم القضاء الإداري وقد صدر حكم جديد بالإدارية العليا فتضطر لرفع منازعات جديدة على حكم الإدارية العليا. والثانى: أن تقوم بتعديل الطلبات أمام الدستورية، وتضيف طلبا جديدا بنفس المنازعة القديمة تتناول فيه حكم الإدارية العليا.

المسار الثاني: أن تلجأ الحكومة للمحكمة الدستورية العليا بمنازعة اختصاص، بزعم صدور حكمين متناقضين من محكمتين مختلفتين تمسكت كل منهما بنظر النزاع، وأصدرت بشأنه حكما قضائيا، وتطلب من المحكمة الدستورية تحديد المحكمة المختصة بنظر النزاع، ومن ثم الحكم الواجب التنفيذ، والحكم الذي لا يعتد به.

المسار الثالث: هو عرض الإتفاقية على مجلس النواب وموافقته عليها. وبالتالي، تتحول لقانون داخلي فيتم الطعن عليها أمام البرلمان للمطالبة بإحالتها للدستورية لمخالفتها نصوص الدستور.

المسار الرابع: أن تتوقف الحكومة عند هذا الحد، وتعلن إلتزامها بتنفيذ حكمي القضاء الإداري والإدارية العليا.

وكل هذه المسارات إحتمالية، وكذلك فرص النجاح والإخفاق فيها.

خالد علي: شهادتي عن قضية تيران وصنافير (1)