أصدرت منظمة العفو الدولية بتاريخ 12/02/2017 تقريرا حول واقع حقوق الإنسان في تونس لسنتي 2015-2016. وقد استعرض التقرير جملة من القضايا  ترتبط بحرية التعبير والتجمع، بما في ذلك حظر المظاهرات في بعض الحالات وبالتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة. وتعرض التقرير أيضا الى قضايا النساء والفتيات والمثليين والمثليات وذوي الميول الجنسية الثنائية والمتحولين جنسياً ومزدوجي النوع. وقد خضع كل هؤلاء بحسب التقرير الى التمييز في القانون وفي الممارسة العملية. واستمرت المحاكم في إصدار أحكام بالإعدام. وإن لم تنفّذ أي عملية إعدام. ويهمنا في هذا المقال التوقف عند أهم القضايا الواردة فيه والمرتبطة بانتهاك الحريات وسوء المعاملة.

التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة

ذكرت المنظمة في تقريرها أنه وردت أنباء جديدة عن تعرّض المعتقلين للتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، التي وقع معظمها أثناء استجوابهم في الأيام الأولى بعد القبض عليهم. وبناء على شهادات رجال قُبض عليهم بصفتهم إرهابيين مشتبه بهم في 27/07/2015، فإن المحققين قاموا بضربهم وتعذيبهم بطريقة الإيهام بالغرق. وقد قدم هؤلاء شكاوى رسمية بعد الإفراج عنهم في 4 من الشهر الثامن. وقامت شرطة مكافحة الإرهاب باعتقالهم مجدداً في اليوم نفسه وأعادتهم إلى مكان احتجازهم السابق. وفي اليوم التالي، خضعوا لفحوص الطب الشرعي وأُفرج عنهم مؤقتاً بعد خمسة أيام. وتم تعيين لجنة برلمانية خاصة للتحقيق في مزاعم تعرضهم للتعذيب. ولم تُعلن نتائج التحقيق بحلول نهاية العام.

وسجلت المنظمة في تقريرها آلاف حالات التعذيب التي يعود تاريخها إلى عهد زين العابدين بن علي لدى "لجنة الحقيقة والكرامة". وفي حين أن معظم الأشخاص الذين تقدموا بتلك المزاعم كانوا رجالاً، فقد تحدث عدد من النساء عن تعرضهن للضرب والتعذيب والإعتداء الجنسي في الحجز. ولم يتضح بعد كيف ستحيل "لجنة الحقيقة والكرامة" القضايا إلى النيابة العامة، وما إذا كانت مثل هذه الدعاوى ستُحال إلى دوائر قضائية متخصصة أم إلى المدعي العام.

حرية التعبير والتجمع

اعتبرت المنظمة في تقريرها أن السلطات حدّت من حرية التعبير بالإستناد إلى قوانين سُنت في عهد زين العابدين بن علي، ومنها قانون مكافحة الإرهاب للعام 2003 ومواد "القانون الجزائي" التي تجرِّم التشهير بالشخصيات العامة.

ومنحت حالة الطوارئ، التي ظلت سارية المفعول من  4 يوليو -حتى 2 أكتوبر 2015، الحكومة سلطة وقف جميع الإضرابات والمظاهرات، ومنع وتفريق كافة التجمعات التي ارتؤي أنها تهدد النظام العام، وفرض الرقابة على الطباعة والبث وغيرها من وسائل الإعلام والمطبوعات. وفي بعض الحالات، استخدمت قوات الأمن القوة المفرطة لتفريق واعتقال المتظاهرين السلميين الذين تحدّوا الحظر. وفي 08-09-2015، أعلن وزير الداخلية أن كل المظاهرات، وحتى المظاهرات السلمية منها، تعتبر مخالفة لقانون الطوارئ، ومنعَ مظاهرة كانت ستُنظم في 09-12-2015.

هذه العينات من الممارسات اعتبرها المختصون والمتابعون للشأن الإعلامي تضييقًا على عمل الصحافيين ومنعهم من حقهم في الوصول إلى المعلومة ونقلها إلى الرأي العام التونسي. وقد اعتبر نقيب الصحافيين التونسيين، ناجي البغوري، أن هذه الممارسات، يُضاف إليها الوضع الإقتصادي الهش للصحافيين التونسيين، من شأنها أن تؤدي إلى العودة إلى مربع الاستبداد الأول. وهو ما دعاه إلى المطالبة بالحيطة منه والتصدي له، حتى تحافظ الصحافة التونسية على هامش الحرية الذي تتمتع به، رغم إقراره بأن التصدي للإرهاب ومقاومته واجب وطني، "لكن ذلك لا يجب أن يكون مدخلا، بأي شكل من الأشكال، إلى ترهيب الصحافيين والحدّ من حريتهم في أداء عملهم"[1].

حقوق المرأة

وجاء في التقرير أيضا أن النساء والفتيات يواجهن التمييز في القانون والممارسة العملية على السواء، ولم توفَّر لهن الحماية الكافية من العنف الجنسي وغيره من أشكال العنف. كما ظل الناجون من العنف الجنسي والعنف القائم على نوع الجنس يعانون من صعوبة الانتفاع من الخدمات الصحية والدعم، ومن الوصول إلى سبل الانتصاف القضائية. وتجرِّم مواد "القانون الجزائي" العنف الجنسي باعتباره "جريمة اعتداء بفعل الفاحشة" وليس انتهاكاً للسلامة البدنية للضحية. كما يسمح "القانون الجزائي" للرجال المتهمين باغتصاب فتيات أو نساء تتراوح أعمارهن بين 15 و20 سنة بالإفلات من الملاحقة القضائية عن طريق الزواج من ضحاياهم.

حقوق المثليين والمثليات وذوي الميول الجنسية الثنائية والمتحولين جنسياً ومزدوجي النوع

تعرَّض المثليون والمثليات وذوو الميول الجنسية الثنائية والمتحولون جنسياً ومزدوجو النوع بحسب التقرير للتمييز في القانون وفي الممارسة العملية، ولم يتمتعوا بالحماية الكافية من العنف القائم على أساس ميولهم الجنسية أو هويتهم الجنسية. وتجرِّم المادة 230 من "القانون الجزائي" العلاقات الجنسية المثلية التي تتم بالتراضي، وتعاقب "اللواط والمساحقة" بالسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات. وتعرَّض الأفراد المتحولون جنسياً، بصورة خاصة، لخطر الإعتقال والمحاكمة بتهمة "الإخلال بالحياء العام". وتقاعست السلطات عن إجراء تحقيقات حقيقية في جرائم ارتُكبت على خلفية رهاب المثلية والتحول الجنسي.

وفي شهر سبتمبر 2015، حُكم على طالب بالسجن لمدة سنة بتهمة "اللواط". وبناءً على طلب المحكمة، أُخضع لفحص الشرج، الأمر الذي يشكل انتهاكاً لحظر التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة. وأجرى الفحص قسم الطب الشرعي في مستشفى فرحات حشاد بسوسة، بهدف إقامة "الدليل" على ممارسته الجنس عن طريق الشرج. وكانت الشرطة قد استجوبته في البداية بشأن علاقته برجل مات مقتولاً. وقال إنه اعترف بأنه مارس الجنس مع الرجل بعد أن صفعه ضباط الشرطة، وهددوا باغتصابه وبتوجيه تهمة القتل إليه إذا لم "يعترف". وفي نوفمبر 2015، أُطلق سراحه بكفالة. وعند الإستئناف في ديسمبر، تمّ تخفيض مدة حكمه إلى شهرين، كان قد قضاها في السجن فعلاً.

هبة مرايف تحذر

ودعت مديرة أبحاث شمال أفريقيا في المنظمة هبة مرايف السلطات التونسية عقب صدور التقرير إلى «التصدي للتهديدات الأمنية وحماية السكان من الهجمات المميتة مع احترام ضمانات حماية حقوق الإنسان المنصوص عليها في الدستور التونسي وفي القانون الدولي»، مطالبةً السلطات بمحاسبة قوات الأمن التي تنتهك حقوق الإنسان. وأوضحت: «يجب على الحكومة التونسية أن تضمن أن الأساليب المستخدمة في التصدي للتهديدات الأمنية لا تنتهك مبدأ حظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، ولا تفرض قيوداً تعسفية أو غير قانونية أو غير متناسبة أو تتسم بالتمييز ضد حق الأفراد في الحرية والتنقل والخصوصية والحياة الأسرية والعمل ( الحياة 14 – 02 – 2017)

المقرر العام للأمم المتحدة يعبر عن نفس مخاوف العفو الدولية

تتقاطع كثير من النقاط الواردة في تقرير العفو الدولية مع التوصيات الأوليّة التي أصدرها المقرر الخاص للأمم المتحدة حول تطوير حقوق الإنسان والحريات الأساسية وحمايتها أثناء مكافحة الإرهاب  في 07–02-2017. فقد حلّ المقرر الخاص السيد "بان إيمرسون" بتونس في زيارة بين جانفي وفيفري 2017. أشاد المقرر الخاص في تقريره  بتعهّد كلّ السلطات والمؤسسات الرسمية بمكافحة الإرهاب والتوقي من التطرف العنيف بواسطة الإجراءات الأمنية وكذلك بواسطة العمل في الميادين الاجتماعية والسياسية والإقتصادية والقضائية وحقوق الإنسان. هذا وقد أكّد المسؤولون للمقرّر أنّ الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الإرهاب تمت صياغتها في ذلك الإتجاه وطبق معايير الأمم المتحدة. ولئن اعتبر المقرر أن تونس أصبحت اليوم منارة أمل في المنطقة وأن مجهوداتها في التوقي من التطرف ومكافحة الإرهاب يجب أن تتأسّس على حقوق الإنسان وأن تكون نموذجا للمنطقة وما يتجاوز المنطقة. غير أنه عبر عن قلقه تماما مثل ما جاء في تقرير العفو الدولية وذلك بخصوص طول مدّة الإحتجاز وظروفها واستعمال الأوامر التنفيذية للحدّ من حريّة التنقل وفرض الإقامة الجبريّة بدون رقابة قضائيّة فعّالة واللّجوء إلى التعذيب والمعاملات غير الإنسانية واستعمال قانون مكافحة الإرهاب ونصوص قانونية أخرى ضدّ الصحفيّين. كما عبّر المقرّر عن انشغاله بظروف الإحتجاز التي شاهدها بسجن المرناقية والتي هي أدنى من المعايير الدوليّة الدنيا. وتمسّ هذه الظروف كلّ شرائح السجناء بمن فيهم المتهمون بالإرهاب خاصّة وأنّ حظوظ هؤلاء في الإفراج المؤقّت ضعيفة علاوة على أنّ ملفّاتهم تأخذ وقتا أطول للحكم فيها وعقوباتهم تكون أطول. وتعرض المقرّر إلى الإجراءات المتخذة صلب النظام السجني للحدّ من مخاطر الإستقطاب والتطرّف.

وطلب المقرّر يقظة متزايدة لتنفيذ التزامات تونس بخصوص القضاء على سوء المعاملة والتعذيب. وأكد استمرار حالات الإفلات من العقاب، وذلك بعدم التحقيق في مزاعم التعذيب وسوء المعاملة التي يثيرها المشتبه بهم في قضايا إرهابيّة أو محامين أو مدافعين عن حقوق الانسان وذلك بصفة سريعة وجدّيّة.

و في هذا السياق، قال المقرر أنّ 150شخصا خاضعون لإجراء الإقامة الجبريّة وأنّ هناك إجراءات أخرى فرضتها وزارة الداخليّة طبق حالة الطوارئ منذ نوفمبر 2015 تنفيذا للمادة 05 من الأمر المنظم لحالة الطوارئ الصادر في 26 جانفي 1978. كما أعلم أنّ الأمر المذكور هو بصدد الدراسة وهو يشجّع على إخضاع قرارات الإقامة الجبريّة لمراقبة القضاء وهو ما سيسمح بالموازنة بين قضايا الأمن وعلويّة القانون.

وتلتقي توصيات مقرر الأمم المتحدة عموما مع توصيات المنظمات المحلية ومنها خصوصا المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب من خلال تقريرها إلى لجنة مناهضة التعذيب للأمم المتحدة في  الشهر الثالث من سنة 2016 ومنها بالخصوص:

  • تعديل المادة 101 مكرّر من المجلّة الجزائيّة بخصوص تعريف التعذيب لتصبح متلائمة مع الإتفاقيّة الدوليّة في الغرض.
  • إبرام إتفاقيات زيارة أماكن الإحتجاز بين الوزارات المعنيّة وهيئات المجتمع المدني التي ترغب في ذلك.
  • النهوض بأوضاع أماكن الإحتجاز وتحسين ظروف المحتجزين ماديّا ومعنويّا ووضع المخطّطات الماليّة الكافية لذلك من ميزانيّة الدولة.
  • محاسبة الأعوان والمسؤولين الذين يرتكبون انتهاكات لحقوق الإنسان ضدّ المحتجزين وكذلك من يأمر بذلك أو يسكتون عن تلك الإنتهاكات رغم علمهم بها
  • إرساء نظام شكاوى فعّال بأماكن الإحتجاز.
  •  تدريب القضاة في مجال مناهضة التعذيب وتمكينهم من الوسائل القانونيّة اللازمة لمساءلة مرتكبيه.
  • إرساء نظام قانوني لجبر ضحايا التعذيب بقطع النظر عن المسار الجزائي للشكاوى.
  • الإسراع بإصلاح المؤسسات الأمنيّة والسجنيّة والقوانين المنظمة لها.
  • تعديل قانون مكافحة الإرهاب بما يتلاءم مع المعايير الدوليّة.

السلطة التونسية  تتفاعل بإيجابية ولكن...

تؤكد السلطات التونسية دائما أنها اتخذت عدة إجراءات لإصلاح نظام السجون وتجريم التعذيب داخلها، مشيرة إلى إفساح المجال أمام المنظمات الحقوقية المحلية والدولية لزيارة السجون والإطلاع على أوضاع السجناء ومطالبهم.

هذه الزيارات المتتالية (للمنظمات الحقوقية) شكلت نوعا من المراقبة الدائمة على سلوك عناصر السجون حتى بات  من الصعب في نظرها العودة للمنظومة السابقة. كما أنها تؤكد أنها أدخلت مؤخرا مادة تتعلق بحقوق الإنسان يتم تدريسها بشكل إلزامي لجميع عناصر الأمن بهدف توفير معاملة جيدة قدر المستطاع للسجناء[2]. إلا أن هذه التطمينات المتكررة لا تقلل من خطورة المزاعم الواردة سواء في تقرير العفو الدولية أو توصيات مقرر الأمم المتحدة وهو ما حدا بمهدي بن غربية وزير العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان إلى التعليق عليها سريعا قائلا  لـ ”رويترز” في 3 فيفري: "أن هذه الانتهاكات الواردة في تقرير منظمة العفو غير مقبولة، وهي انتهاكات فردية، ولكن لا يمكنها أن تكون سياسة الدولة". وأضاف بن غربية أن تونس تتعامل بإيجابية مع تقرير منظمة العفو الدولية.

 وكان  رد فعل رئيس الحكومة يوسف الشاهد  أكثر حسما إذ وعد بفتح تحقيق حول تقرير منظمة العفو الدولية الذي أكدت فيه تواصل التعذيب في مراكز الإيقاف التونسية، وتوعّد مرتكبي التعذيب بالعقاب. وأكد الشاهد في مقابلة حصرية مع DW عربية يوم 14 02 2017، أن منظمة العفو الدولية تدخل اليوم- بخلاف ما كان عليه الحال قبل ست سنوات – بحرية إلى تونس. وأبدى الشاهد ثقته بأن وزير الداخلية سيناقش هذه المسألة أمام البرلمان ووعد بـ "إجراء تحقيقات بهذا الشأن وبأنه ستتم معاقبة من يثبت ارتكابه أخطاء وذلك في إطار القانون".

ولئن كانت تصريحات المسؤولين التونسيين تبدو مطمئنة اذ انها تعترف بوجود انتهاكات وتعد بالتحقيق فيها، إلا أنه لا شيء يؤكد أن هذه الوعود ستنفذ فعلا وأنها ليست غير مجرد كلمات للإستهلاك الداخلي والخارجي. فالحالات المذكورة وغيرها بعيدة عن كونها مجرد حالات معزولة، فكثيرا ما يستشف من التقارير التي تعدها المنظمات الدولية أنها تتكرر وفي نفس أماكن الاحتجاز تقريبا، سواء اتصل الأمر بالأمن الوطني أو الحرس. كما أن الإفلات من العقاب هو السمة المميزة لواقع الانتهاكات في تونس.

 


[1]  العربي الجديد، 16-2-2017.
[2]  مسؤولة أمنية: التعذيب داخل السجون مستمر لكنه مجرد "حالات فردية" القدس 08 – 07 – 2014