في خطوة تبدو متكاملة مع الحراك النقابي، وبعدما فرضت هيئة التنسيق نفسها في المشهد اللبناني المطلبي عام 2012، صدر أخيرا في لبنان تقرير عن تحركات هذا العام "عام نهوض القطاع العام وتعرية الإتحاد العمالي العام"، التقرير يرصد الاحتجاجات وقضايا العمال في لبنان، لهذا العام. وهي خطوة ضرورية في إطار الدفاع عن الحركة العمالية، خطوة أولى تحتاج الى تطوير كبير، ولتوسيع شبكة العاملين فيه.
الكلام عن التقرير جزء من حكاية المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين، قصة ولادته، لا يمكن أن نفهم كيف عملت مجموعة لصياغة التقرير إلا من خلال "التجمع" الأكبر أي المرصد.
اهتمت مجموعة من الناشطين في الشأن العام بانشاء المرصد، المؤسسون هم مواطنون لبنانيون، أو لنقل أنهم انخرطوا في الشأن العام منذ سنوات الشباب الأولى، واهتموا في سبعينات القرن الماضي بالعمل النقابي، انضم إلى هؤلاء مجموعة من الناشطين والناشطات من الجيل الشاب الحالي.
انشغل العاملون في المرصد بتوثيق ما يجري من حراك خلال عام 2012، فكانت فكرة التقرير الذي ولد أيضاً من الحاجة إليه. فالحركة النقابية "مزرية من حيث التركيبة ودور الإتحاد العمالي العام"، وفق ما يذكرنا به أحد معدي التقرير الدكتور أحمد الديراني، الذي أضاف أن هذه الحركة "هي أقرب إلى كونفدرالية طوائف"، من هنا كانت أهمية إصدار تقرير أول، حمل عنوان "الإحتجاجات وقضايا العمال في لبنان عام 2012"، حيث الأجيال الشابة لا تملك فهماً واضحاً بمعنى العمل النقابي، الذي يجب أن يكون حركة ديموقراطية منبثقة عن العمال.
من جهة ثانية، يشدد الديراني على أهمية التقرير في محاولة لسد جزء من الفراغ الكبير الناتج عن شبه "فراغ في تناول قضايا العمال بطريقة تنحاز لهم" ولحقوقهم. يسترسل الديراني في الحديث عن العمال، وعن أهمية مساندتهم، ورصد ما يعانون من مشاكل وانتهاكات، ثم يعود إلى الكلام عن التقرير، فيلفت إلى أن غياب الحركة النقابية الراسخة والجدية، أمر كانت له بالطبع تأثيرات سلبية كثيرة: فالنقابة هي عادة المرجع الذي تُرصد فيه الانتهاكات ضد العمال للدفاع عنهم، لكن عملية الرصد هذه غائبة في غياب الدور الفاعل للنقابات. المرصد يسعى، إضافة إلى عملية الرصد نفسها إلى تحويل "المعلومة" إلى أداة ضغط، وكان لا بد من البدء من عملية البحث عن "المعلومات" حول مشاكل العمال، لذلك تم الوصول إلى "الشبكة اللبنانية لرصد الإنتهاكات الإقتصادية والإجتماعية".
استغرق إعداد التقرير الأول للمرصد قرابة شهرين فقط، ليكون أحد أدوات الضغط من أجل تحسين شروط العمال ومتابعة التحركات المطلبية والنقابية التي شهدها عام 2012، لكن العاملين في المرصد ينشطون منذ اليوم الأول لعام 2013 لتوثيق التحركات والمظاهرات من جهة والانتهاكات ضد العمال من جهة ثانية.
لكن ما الذي جاء في التقرير الأول للمرصد والذي أعده الديراني وفرح قبيسي؟
تتلخص العناوين في التقرير بتوثيق "معركة تصحيح الأجور وإقرار سلسلة الرتب والرواتب" والتحركات العمالية كأضراب العمال المياومين في شركة كهرباء لبنان، وحراك عمال "سبينس" إضافة إلى الإضرابات والاحتجاجات التي نُفذت عام 2012.
الأهم أن التقرير لا يقصر اهتمامه على العمال اللبنانيين، بل يفرد صفحات لقضايا أخرى هي "حق العمل للاجئين الفلسطينيين"، وأوضاع عاملات المنازل المهاجرات في لبنان، فضلاً عن أن المرصد أعد تقريراً موازياً بشأن الإعتداءات المرتكبة ضد العمال السوريين. كما يتضمن مقالاً عن الحقوق الاقتصادية للعاملين المعوقين في لبنان.
يسهم التقرير في تصحيح الصورة السيئة التي نجحت بعض وسائل الإعلام في نشرها حول قضية العمال المياومين في شركة كهرباء لبنان، هؤلاء الذين "أخرجوا إلى العلن قضية فئة واسعة من العمال التي تُنتهك حقوقها يومياً في إدارات الدولة والمصالح المستقلة والمصالح العامة"، مذكراً بأن هؤلاء ضحايا سياسات الدولة منذ التسعينات والتي امتنعت عن التوظيف تحت ذرائع كـ"ترشيد الإنفاق". التقرير الذي يسلط الضوء على إضراب المياومين الذي استمر 94 يوماً، يستعيد المحاولات التي جرت لفك الإضراب وتقسيم العمال، ويتوقف في قراءة نقدية عند الاتفاق السياسي الذي أنهى المياومون على أثره إضرابهم، حيث من المكاسب "الخروج من  فئة العمالة غير النظامية ليعملوا بعقود واضحة مع شركات مقدمي الخدمات" لكنهم في المقابل لم يستطيعوا التصدي لدخول هذه الشركات إلى مؤسسة كهرباء لبنان.
العنوان الثاني الذي توقف عنده التقرير كان قضية عمال سبينس الذي انتزعوا حقهم بالتنظيم النقابي، من خلال متابعة تفصيلية لتحركهم والمساندة القضائية التي لقوها في القرار الصادر عن القاضية زلفا الحسن بمنع الشركة من صرف أي عضو من الهيئة التأسيسية للنقابة ريثما تبت وزارة العمل بطلب تأسيس النقابة. وفي التقرير قراءة نقدية لتصرفات وزارة العمل وسرد للمعوقات، بل المعارك التي واجهت هؤلاء العمال.
الجزء الأكبر من التقرير خصص لاستعراض التحركات النقابية المطلبية، انطلاقاً من اندفاع الاتحاد العمالي العام إلى مزيد من التهميش، وقرار الاتحاد الوطني للنقابات بالانسحاب منه في 21 كانون الأول 2012، انتقالاً إلى حراك هيئة التنسيق النقابية حيث تم رصد الاضرابات بطريقة استرجاعية في القطاع العام والمؤسسات والإدارات العامة والقطاع الخاص. وبنتيجة ذلك الحراك أصبح حق الاضراب والتظاهر (بالنسبة للموظفين الإداريين) بحكم الأمر الواقع، وتخطى بذلك موظفو القطاع العام المادة 15 من قانون الموظفين التي تمنعهم صراحة من الإضراب.
إضافة إلى العمل التوثيقي تضمن التقرير مقالاً  لفؤاد عبد الساتر (مسؤول الإعلام لرابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي) توقف فيه عند دور الرابطة في إطار هيئة التنسيق، وعند أبعاد تحرك هيئة التنسيق، وكتب ركان فقيه عن "مشاكل ومطالب التعليم الأساسي الرسمي".
أما فيما يتعلق بـ"حق العمل للاجئين الفلسطينيين في لبنان" (وهو مقال من اعداد حملة حق العمل للاجئين الفلسطينيين في لبنان) حيث تذكير بأن لبنان هو الدولة العربية الوحيدة التي تعامل اللاجئ الفلسطيني معاملة الأجنبي فيما يخص حقوقه الاقتصادية والاجتماعية، ويستعرض المقال القوانين والتعديلات التي أقرها مجلس النواب اللبناني والخطوة التي قام بها الوزير السابق شربل نحاس حيث وقع قبل استقالته بيومين قراراً يقضي بتنظيم آلية منح اجازة عمل للاجئ الفلسطيني وهو القرار الذي قام الوزير جريصاتي بإلغائه.
أما فيما يخص أوضاع عاملات المنازل المهاجرات، فقد عرض مقال من اعداد جمعية "كفى" "الجمعية الدولية لمكافحة الرق" أعداد هؤلاء العاملات، والمعاملة السيئة التي يلقونها إضافة للاستغلال وتعرضهن للعمالة القسرية، وزيادة الاستغلال بسبب نظام الكفالة، وعدم شمول قانون العمل لهؤلاء العاملات والفشل القانوني في توفير الحماية التامة لهن.
اختتم تقرير المرصد بمقال عن الحقوق الاقتصادية للعاملين المعوقين (إعداد اتحاد المقعدين اللبنانيين) حيث التأكيد على الغياب شبه الكامل لمفهوم الدمج في المؤسسات المهنية وفي سياسات التأهيل المهني في لبنان.
يشدد ديراني على أن مجموعة العمل تعتبر أن التقرير إنما هي "تجربة متواضعة"، يدرك أنها تجربة تشوبها النواقص.
 وقد جهد معدا التقرير لتقديم مستند يشمل أبرز العناوين الخاصة بالعاملين والعمل في لبنان، ونجحا في هذه المهمة إلى حد كبير، ولكن ثمة عناوين مهمة غابت عن التقرير الأول للمرصد، أبرزها توقف مجالس العمل التحكيمية عن العمل لما يقارب السنة بين منتصف 2011 ومنتصف عام 2012، كما أن غياب المؤسسات المتخصصة التي ترصد الانتهاكات ضد العمال لم يسعف التقرير في فرد المساحة الكافية لتصنيف هذه الانتهاكات وتسجيلها وتوثيقها. وهي على أي حال المهمة التي بدأ المرصد نفسه بالقيام بها، حيث يتلقى العاملون فيه – بشكل شبه يومي- شكاوى وأسئلة عمال تُنتهك حقوقهم أو يتعرضون لمشاكل، ويقدم المرصد الاستشارات القانونية لهؤلاء، ليلعب بذلك دوراً مشابهاً للعيادات القانونية التي تسهم في تقديم المعلومة والمشورة لمن يحتاجها.
أخيرا، يجدر لفت النظر إلى أن المرصد يعمل، في إطار الداعم لتحركات هيئة التنسيق النقابية التي نجحت في التحوّل إلى إطار نقابي جامع في لبنان.
التقرير هو "نسخة" أولى من وظيفة اتخذها المرصد على عاتقه، وسيعمل على تطويرها.