تقاسم أكثر من مليون قارئ في ليلة الثلاثاء 28  فيفري 2017 خبر قتل تمساح في حديقة البلفدير وسط العاصمة التونسية،  إذ تم رمي الحيوان بحجارة أصابته في الرأس وعجلت بوفاته. ووفقا للأسوشيتد برس، قال طبيب بيطري في حديقة الحيوانات: “أنه أمر مؤسف. لا تتصور ما يعانيه الحيوانات من الزوار”. وأضاف: “المواطنون يرمون القاذورات على الأرض… ويرمون الحجارة على الأسود وحيوانات فرس النهر”. وبعد حادثة التمساح تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لوحيد القرن الذي حوله الأطفال والمراهقون الى دابة يمتطونها ويلهون بها.

ويذكر أن انتشار صور لحديقة الحيوانات مغطاة بالقاذورات في تونس كانت قد تسببت بجدل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي. وقال  مصدر مسؤول في تصريح لحقائق أون لاين يوم الأربعاء 1 مارس 2017، إن أعوان الحديقة لم يتعرفوا عن الجناة الذين قاموا بهذا العمل الشنيع. وأوضح في السياق ذاته أن مكان تواجد التمساح لا توجد به كاميرا مراقبة للتعرف على الجناة، مؤكدا أن البلدية ستبحث امكانية تقديم شكاية في الغرض. وعبّر رئيس بلديّة تونس سيف الله لصرم في تصريح لموزاييك يوم الخميس 2 مارس 2017 إعن استيائه من الحادثة التي ذهب ضحيتها تمساح البلفدير. وأضاف أنّ البلدية اتخذت خطوة تخفيف الأسلاك الحديدية بين الزوار وأقفاص الحيوانات لكن تبين أنّ هذا القرار خاطئ على حدّ تعبيره. وتابع لصرم أنّه من الضروري اليوم الإستنجاد بأعوان يحملون الزيّ وتوزيعهم على كامل مساحة الحديقة لفرض النظام وردع المخربين، متابعا أنّه اتصل بوزارة الداخليّة. وبانطلاق الشرطة البيئية في نشاطها، سيتمّ الإستعانة بـ3 أعوان يتمتعون بسلطة قانونية كضباط عدلية لتخطئة المخالفين.

من جانبه، تحدّث المشرف على حديقة الحيوانات البلفدير عمر النيفر عن حادثة الإعتداء 'بوحشية' على التمساح وتهشيم رأسه بحجارة. في تصريح لاداعة موزاييك يوم 2–3-2017. وأعلن النيفر أنّ بلدية تونس على علم بنقص عدد الحرّاس في الحديقة الذي لا يتجاوز الـ3 وهو عدد غير كاف، مستدركا أنّه تمّ تركيز 22 كاميرا مراقبة في الفترة الأخيرة و24 نقطة إضاءة جديدة إلى جانب تركيز أسلاك حديدية على كامل محيط الحديقة لتجنب السرقات المتكررة.

وأشار المشرف على البلفدير إلى أنّه لا يمكن وضع الكاميرات في كل النقاط بل فقط في بعض أماكن معيّنة حيث يسهل سرقة الحيوانات خاصّة بعد الثورة (غزال وطيور وماعز). وقد ندد عمر النيفر بتصرفات الزوار الذين يتعمدون الإعتداء على الحيوانات حتى لو كان ذلك بحسن نيّة على غرار تحريك الحيوانات ومحاولة إيقاظهم بطرق وحشيّة.

ويذكر أنّ النائبة عن آفاق تونس هاجر بالشيخ أحمد قد نشرت على صفحتها بالفايسبوك أن اجتماعا عاجلا سيعقد يوم الإثنين 6 مارس 2017 في مقر ولاية تونس حول حادثة قتل التمساح في الحديقة.

ونظرا لخطورة الواقعة وما أثارته من استهجان كبير في صفوف جل التونسيين، فقد  أطلقوا حملات تنديد مطالبة بضرورة الكشف عن هوية المتورطين ومعاقبتهم جزاء فعلته الوحشية،

حديقة البلفدير تاريخ تليد ذاهب الى التلف

تقرر إنشاء حديقة الحيوانات بتونس عام 1963 وشمل المشروع خمسة هكتارات عام 1969 ويوجد بها 155 نوعا من الحيوانات و1200 حيوان. وتتوزع حديقة الحيوانات بمنتزه البلفدير على مساحة 13 هكتارا وهي مقصد كل الفئات الاجتماعية، خاصة أطفال المدارس ويوجد بها حاليا نحو 90 نوعا من الطيور و60 نوعا من الثدييات و5 أنواع من الزواحف. وتعتبر هذه الحديقة الرئة التي يتنفس بها سكان العاصمة التونسية لما تتضمنه من أشجار متنوعة تقوم بتنقية الهواء المنبعث من كل مكان. غير أن هذه الرئة صارت مهددة بالاختناق والتلف. فبجولة صغيرة، يكتشف زائر الحديقة أن البط البري الذي كان ينتشر في البحيرة التي تتوسط الفضاء الأخضر قد اندثر وغابت معه ضحكات الأطفال الذين كانوا يسعدون بإطعامه. فالبط وغيره من الحيوانات المائية لا يمكنها أن تحافظ على حياتها وسط مياه لا يتم تنقيتها وتجديدها

لقد صارت الحديقة الأكثر جمالا في تونس مصبا للقوارير البلاستكية والأوساخ التي تنتشر فوقها.  فالأشجار والساحة الخضراء قد تحولت إلى مأوى للسيارات وفضاء للإنتصاب الفوضوي لكل من يبحث عن تجارة سهلة هي خليط من بيع اللعب الرخيصة والمأكولات التي لا تخضع إلى أية مراقبة صحية. (أنظر الملف الذي فتحته جريدة الصباح حول الوضعية المزرية للحديقة 2 سبتمبر 2015).

غير أن المشكلة تبدو أخطر وأفدح. فالحديقة تحتوي على عدد من النباتات التي صارت مهددة بالإنقراض. وذلك ما أشار اليه أحد الخبراء اليابانيين في البيئة الذي أكد أن غالبية أشجار حديقة البلفدير تنحدر من أصول أجنبية وبالضبط من القارات الخمس وتعد أشجارا مسنّة وبالتالي أصبحت غير قادرة على القيام بدورها في امتصاص الغازات و بالتالي يجب العمل على تجديد الأشجار بغراسات جديدة. واقترح تقسيم الحديقة إلى فضاء خاص بالحيوانات وآخر للترفيه إلى جانب تهيئة بحيرات تتضمن تربية الأسماك وغراسة النباتات المائية.

ومن بين المشاكل التي تهدد الحديقة أيضا تلك التي أشار إليها رئيس جمعية أحباء البلفدير زين العابدين بن عيسى وهو أستاذ جامعي وناشط بيئي من أنّ رخصا عديدة للبناء منحت لعديد المواطنين الذين بنوا مساكن في محيطها. كما أنّ البعض يفتقدون للسلوك الحضاري من جيران الحديقة فتراهم يرمون بالفضلات المنزلية داخل المنتزه خلال الليل وقال: "نهيب بهؤلاء المحافظة على نظافة الحديقة". وأضاف بن عيسى: "طالبنا بأن يصدر قانون من وزارة الثقافة يعدّ حديقة البلفدير من بين المعالم التاريخية والأثرية التي يجب المحافظة عليها واحترام خصوصيتها" ( ايلاف 25 – 11- 2011).

وأمام فداحة  الحادثة وتكرر الاعتداء على الحيوانات في تونس في صورة تسيئ إلى سمعتها نظرا لهمجيتها  التي تتناقلها عادة  وسائل الاعلام الأجنبية بكثافة صار من الواجب مراجعة التشريعات ذات الصلة والتي يعود البعض منها إلى الفترة الإستعمارية. فالفصل 315  من المجلة الجزائية ينص أنه  يعاقب بالسجن مدة خمسة عشر يوما وبخطية قدرها عشرون فرنكا وفق الفقرة الثالثة من الفصل 217الأشخاص الذين يسيئون معاملة حيوانات لغيرهم بدون أن يمنع ذلك من العمل بأحكام الفصلين 25 و 26 من الأمر الصادر في 15 ديسمبر عام 1896.  ووفق الفقرة الرابعة من نفس الفصل، تسلط نفس العقوبة على الأشخاص الذين يباشرون على رؤوس المـلأ سوء معاملة حيوانات أهلية لهم أو أنيط حفظها بعهدتهم. ويحكم دائما بالعقاب بالسجن في صورة تكرر الفعل.

ومن الواضح أن هذه التشريعات التي تعود إلى اكثر من قرن أحيانا تحتاج إلى تعهد نظرا لما يتهدد البيئة   في تونس من مخاطر بفعل الفوضى والإكتظاظ والافلات من العقاب.

غريب حقا  أنّ الثورة التونسية التي  أنقذت هذا المعلم التاريخي و البيئي الذي كان من أطماع الرئيس المخلوع و أصهاره  وفق ما صرح به زين العابدين بن عيسى رئيس جمعية أحباء البلفدير في حديثه لـ"إيلاف"  (المرجع المذكور) قد تركتها بعد ذلك للإهمال والتلف.