يوم الأحد 28 نيسان تغير المشهد عند كورنيش المنارة، تغير بناسه وألوانه والشعارات المرفوعة فيه، مئات من عاملات وعمال المنازل رفعوا أعلام بلدانهم، حملوا لافتات تطالب بإنهاء نظام الكفالة وراحوا ينشدون الأغاني والأناشيد بلغاتهم هم الآتون والآتيات من بنغلادش وأثيوبيا والصومال وسري لانكا ومدغشقر والنيبال وساحل العاج، غنوا ورقصوا وانطلقوا بمسيرة، شعارها الأبرز "في شي غلط بنظام الكفالة"، وساروا من عين المريسة إلى حديقة الصنائع قرب الحمرا، ورغم قسوة الانتهاكات التي تعاني منها عاملات المنازل – والعمال- فإن المسيرة كانت مطبوعة بالفرح الذي يجيده أبناء تلك البلدان الفقيرة، بدت المظاهرة كأنها موكب احتفالات.
للسنة الثالثة على التوالي، بمناسبة عيد العمال وتأكيدا على انتمائهم للطبقة العاملة ولوجوب المساواة مع بقية العمال الخاضعين لأحكام قانون العمل اللبناني، انطلقت  يوم الأحد 28 نيسان 2013 مسيرة ضمت المئات من العاملات والعمال المهاجرين رفعوا أصواتهم ضد نظام الكفالة.
فبعد نجاح المسيرة العام الفائت، قررت بعض جمعيات المجتمع المدني التعاون مع بعضها للعمل على إلغاء نظام الكفالة واستبداله بنظام عادل يكفل حقوق العاملات والعمال ويؤمن لعاملات وعمال الخدمة المنزلية الحماية اللازمة تحت حملة "في شي غلط". وتضم هذه الحملة، منظمة كفى عنف واستغلال، حركة مناهضة العنصرية، مؤسسة عامل، جمعية إنسان، كاريتاس لبنان-مركز المهاجرين (بدعم من المجلس الدنماركي للاجئين ومنظمة العمل الدولية) وبمشاركة الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان.
"عاملة المنزل ليست عبدة" و"فليسقط نظام الكفالة" و"لا للتحرش الجنسي لعاملات المنازل" و"لماذا لا يشمل قانون العمل عمال الخدمة المنزلية؟" بعض ما جاء في اللافتات التي رُفعت في المسيرة التي انطلقت ظهراً، وهي لافتات نادراً ما لفتت أنظار المتواجدين بالآلاف على كورنيش المنارة للاستمتاع باليوم المشمس. كانت العيون شاخصة على الرقص وعلى الملابس الزاهية والتقليدية التي لبستها المشاركات وعلى الموسيقى. بعض الشبان حاولوا التحرش ببعض الفتيات، وتدخل رجال قوى الأمن الداخلي لحماية المسيرة. اللافت أن الفتيات لم يعرن أي اهتمام للشبان الذين حاولوا الاقتراب منهن أو ازعاجهن. عند السؤال عما يزعجهن، كانت الفتيات يشددن بأن آلاف العاملات لا يسمح لهن بالخروج من المنزل للمشاركة بالتظاهرة. ميريام من نيبال قالت أنها جاءت للعمل في لبنان الذي سبقتها إليه ابنتها، ولكنها لم ترَها لمدة 8 شهور إذ كان "رئيسها أي سيد المنزل حيث تعمل منعها من الخروج ومن استخدام الهاتف"، أضافت أن عاملات كثيرات مسجونات في منازل أرباب العمل، ونظام الكفالة هو ما يسمح باستمرار حالة "السجن" هذه.
يبنه، صديقة ميريام، كانت ترفع علم بلادها عالياً، تنشد بلغتها، وتدعو المتفرجين على الكورنيش إلى الإنضمام إلى المسيرة. قالت بلغة فرنسية تتقنها جيداً "نحن لسنا عبيد، أرباب العمل يعتقدون أننا أشياء يملكونها ويفعلون بها ما يريدون، ينسون أننا بشر. كل ما نرجوه هو أن يفهموا أننا بشر مثلهم، نحن من يهتم بنظافتهم وبأولادهم، وهذه الوظيفة مهمة".
تيسي، من ساحل العاج، كانت تكرر أن اللبنانيين في بلادها يُعاملون معاملة جيدة، فلماذا تُساء معاملتها هي في لبنان؟
صعوداً نحو منطقة الحمرا، تابع المشاركون في المظاهرة طريقهم، انطلقت أبواق بعض السيارات تأففاً من قطع الطريق لدقائق، كان بعض المارة يسأل اللبنانيين (أو من ليست بشرته داكنة) لماذا المطالبة بوقف نظام الكفالة، اندفع البعض يدافع عن هذا النظام "لحماية لبنان، فالأجانب يأخذون فرص العمل ولا يدفعون ضرائب". جملة سمعناها من عدد من المتفرجين على المسيرة، كان التناقض بين شعارات المسيرة وما يعلق به بعض المتفرجين واضحاً.
خلال دقائق صارت حديقة الصنائع مكتظة بالناس، إلى عشرات اللبنانيين الذين قصدوها لنزهة غير مكلفة، انضم المتظاهرون، كسروا الهدوء الذي كان مطبقاً فيها، وجعلوها مسرحاً للرقص والأغاني، وقد افتتح الاحتفال بكلمة للشابة راحل (من اثيوبيا) وقد أُلقي باللغات الثلاث العربية والانجليزية والفرنسية، وتحدثت بما كان يهمس به المشاركون في المسيرة، فأبدت أسفها لغياب كل صديقاتها ليس بسبب عدم رغبتهن بالخروج من المنزل، انما بسبب نظام الكفالة الذي يمنعهن من مغادرة البيت. وأشارت على أنه "منذ 13 عاما لم يكن أحد يطرح موضوع نظام الكفالة أو تغييره، انضم لبنانيون عبر منظمات المجتمع المدني في مسيرة اسقاط نظام الكفالة" وأن "الطريق لا تزال طويلة".
حتى الساعة الرابعة تقريباً استمر المهرجان، تخللته عروض رقص، وأقيمت فيه وليمة كبيرة حيث قدمت المشاركات في المسيرة أطباقاً من بلادهن.
إنه احتفال ما قبل العيد، فالمسيرة نجحت بجمع المئات لأنها أُقيمت في يوم أحد، أما يوم عيد العمال في 1 أيار، فلن تتمكن عاملة في الخدمة المنزلية من الاحتفال. في قاموس أرباب العمل هذا اليوم لا يشمل العاملين في الخدمة المنزلية، فلن يسمح لهم (أو لهن بالخروج)، لكن المشاركين في مسيرة يوم الأحد كانوا يشعرون بأن تقدماً كبيراً قد تحقق من خلال الكلام عالياً عن ضرورة إلغاء نظام الكفالة. "كما أن النزول بالمئات أمر يشعرنا بأننا أقوياء ومحاطون بمن يدعمنا، وهذا تقدم كبير" قالت أنابيت الشابة الأثيوبية التي تعمل في لبنان منذ سنوات، ولم يسمح لها بالخروج من المنزل إلا قبل شهور قليلة.