بعد التصويت على مسودة مشروع الدستور الليبي من قبل الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور ومع كل الجدل الذي صاحب عملية التصويت وقمنا بتغطيتها في تقرير سابق [1]، أحال رئيس الهيئة التأسيسية مشروع الدستور لمجلس النواب لإصدار قانون الاستفتاء وللمفوضية العليا للانتخابات.

وقد عقد مجلس النواب جلسته الاعتيادية بتاريخ 14-8-2017 وكان جدول أعماله يتكون من  ثلاثة بنود أساسية وهي الميزانية وانتخاب محافظ مصرف ليبيا المركزي وقانون الاستفتاء[2]. وعلق مجلس النواب جلسته لليوم التالي بعد تكليف اللجنة التشريعية بإعداد قانون الاستفتاء على مسودة مشروع الدستور وعرضه على المجلس الأسبوع المقبل لاعتماده.[3]

وكان المتوقع أن المعركة ستنتقل لمجلس النواب في جلسة مناقشة قانون الاستفتاء التي بدون شك ستكون جلسة صاخبة نظرا لوجود بعض المعارضين لمشروع الدستور إضافة لمقاطعة مجموعة من الأعضاء لجلسات المجلس على خلفية الاتفاق السياسي واعتماد حكومة الوفاق.  إلا أنه لم يحصل أي جلسة هذا الأسبوع، وقد حصل ذلك على خلفية تعقيد  الأمور بعد صدور قرار قضائي بتعطيل الاستفتاء.

قرار المحكمة يعطل الاستفتاء

وفي تطور مثير وبتاريخ 16-8-2017، تغير المشهد تماما وزاد تعقيدا. فتبعا للطعن الذي قدمه عضو الهيئة التأسيسية أحمد علوان القنصل ضد قرار الهيئة باعتماد مسودة الدستور، قضت دائرة القضاء الإداري بمحكمة استئناف البيضاء بتاريخ اليوم 16/8/2017 في الشق المستعجل بوقف القرار المطعون فيه، مرجئة البحث في الموضوع إلى وقت لاحق. وفسرت المحكمة قرارها المؤقت بناء على صحيفة الدعوى المقدمة لها والتي أعابت على القرار اتخاذه في يوم سبت وهو يوم عطلة أسبوعية، وليس من أيام العمل المقررة للدولة ومؤسساتها.  وتبعا للقرار، ثار الجدل من جديد حول مشروعية إحالة مشروع الدستور لمجلس النواب ومفاعيل ذلك. فقد اعتبر المستشار ابراهيم بوشناف استحالة تنفيذ الحكم طالما أن مشروع الدستور قد أحيل واستلمه مجلس النواب. فهل يعني الحكم إعادته مجددا؟ وهنا نقع في محظور تجاوز المنطوق عند التنفيذ أم أن هناك طلبات أخرى شملتها صحيفة افتتاح الدعوى غير طلب وقف قرار الإحالة؟[4]

بالمقابل، علق الحقوقي أشرف القطعاني على صفحته في الفيس بوك بأن دستور ليبيا أصبح حلما بعيد المنال بعد الحكم[5].

ومن جهة أخرى، يرى د. حسين سحيب أستاذ القانون في جامعة عمر المختار في تعليقه على الحكم بأن قانون رقم 17 لسنة 2013 بشأن انتخاب الهيئة التأسيسية فوض في مادته 46 الهيئة التأسيسية دون غيرها في وضع لائحتها الداخلية التي تنظم آلية عملها. وقد خلص إلى القول بأن أعمالها في أيام السبت صحيحة طالما أن هذا التفويض يمنحها تحديد أوقات وأيام ممارسة مهامها، وأن هذه الهيئة قد دأبت على ممارسة أعمالها في أيام السبت. ويشهد لذلك أن أيام العطل الرسمية وفقا للقانون رقم 5 لسنة 2012 أربع عشرة عطلة فقط ومحددة بأيام فيها مناسبات دينية ووطنية. ويضيف د. سحيب أن يومي الجمعة والسبت يعدان وفقا لقرار مجلس الوزراء رقم 10 لسنة 2012 بشأن أيام الدوام الرسمي يومي راحة وليس عطلة. وهذه المغايرة في التسمية لا تكون إلا لغاية، وهي غاية تتمثل في إمكانية إيجاد تنظيم آخر يخالفه وهو ما فعلته الهيئة التأسيسية.  

أما عن ردة فعل أعضاء الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، فقد جاءت متباينة. وأبرزها كان تعليق د. الهادي بو حمرة عضو الهيئة الذي قال: "إن الهيئة منذ بداية عملها تجتمع يوم السبت ومن طعن كان يحضر اجتماعاتها يوم السبت وكل ذلك موثق وتم تقديمه للمحكمة"[6]. أما عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور ضو المنصوري فقد صرح: "الوسيلة الوحيدة للاعتراض على الاحكام القضائية هو الطعن عليها امام درجة قضائية اعلى وانتقاد الاحكام عبر وسائل الإعلام المختلفة مضيعة للوقت وتجريح للعدالة العمياء"[7].

وكان من أبرز التصريحات التي أثارت الكثير من الجدل تصريح عضو الهيئة التأسيسية مراجع علي على صفحته الشخصية. فقد علق بجملة مسيئة للقضاء الليبي "القضاء الفاسد هو الذي يصدر أحكامه ليدمر الشعب". وقد علق على ذات التدوينة "إن القضاء الفاسد الجهوي هو من أفسد كل شيء"[8]. وقد كانت ردود الأفعال كثيرة على هذه التدوينة من قبل القضاة وأعضاء الهيئات القضائية وغيرهم الذين طالبوا النائب العام باتخاذ إجراء جنائي باعتبارها تشكل جريمة إهانة القضاء. وعندما تزايدت الضغوط، قام بحذف تدوينته من على صفحته لكن دون ـأن يعتذر عن تصريحاته. وقد علق على هذا المحامي عبد الحفيظ غوقة" "وجب التنبيه أنه أحيانا يكون التعليق على حكم القضاء إذا تجاوز إلى المساس بشخص القاضي أو الهيئة التي أصدرت الحكم جريمة تضع صاحبها تحت طائلة العقاب. أقول ذلك لان هناك، للأسف، من وصف القضاء بالفساد في أعقاب صدور حكم اليوم عن دائرة القضاء الإداري بالبيضاء".[9]

ومن جهة أخرى، صرح عضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور عبد الحميد جبريل، وهو من المقاطعين لعملية التصويت أن المحكمة حكمت في الشق المستعجل بوقف قرار إحالة المسودة إلى مجلس النواب، واعتماد قانون الاستفتاء.[10]

والجدير بالذكر أنه سبق لدائرة القضاء الإداري بمحكمة استئناف البيضاء أن أصدرت عدة أحكام أبطلت فيها بعض قرارات الهيئة التأسيسية. وكان من أشهر أحكامها الحكم الصادر في الشقّ المستعجل من دائرة القضاء الإداري بمحكمة استئناف البيضاء في 15-2-2016، بوقف تنفيذ قرار المفوضية العليا للانتخابات المتصل باعتماد نتائج انتخابات الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور رقم 55 لسنة 2014 جزئياً، لجهة اعتماد انتخاب "علي عبد السلام الترهوني" رئيس الهيئة التأسيسية والذي صدر بعدها الحكم في الموضوع بذات الاتجاه وتم الطعن فيه أمام المحكمة العليا. وأيدت حكم القضاء الإداري وقد سبق أن نشرت المفكرة القانونية تحليلا قانونيا عنه في السابق[11].

أي توقعات على حلبة مجلس النواب؟

ويبدو أن المشهد الملتهب لا زال يخبئ أحداثا أخرى ستكون حلبتها قاعة مجلس النواب بعدما صرح بعض أعضائه بآرائهم حول مسودة الدستور وحكم المحكمة. وكان من أبرز الآراء المثيرة والغريبة في الوقت نفسه، هو تصريح النائب زياد أدغيم في بوابة الوسط حيث وصف الحكم ب "انتصار الحق على الظلم وانتصار العدالة" مؤكدًا بالقول: "إن القضاء بشرق ليبيا بخير وأتمنى تحرر القضاء بإقليم طرابلس قريبًا من الميليشيات والعصابات المسلحة".

وأضاف النائب زياد دغيم قائلاً: "بهذا الحكم لم يعد لدينا مشروع دستور لنحيله للمفوضية صحبة قانون استفتاء. لدينا الآن مسوَّدة مطعون فيها"، موضحًا أن قبول الطعن بالشق المستعجل دلالة لوجاهة الطعون. وبالتالي فالحكم النهائي مضمون وهذه هي البداية فقط سيقصف الشرفاء هذه الهيئة المنتهية وهؤلاء منتحلي الصفة بكثير من الطعون والقضايا في الأيام المقبلة".[12]

لا زالت الأيام القادمة تخبئ الكثير. ويبدو أن مشروع الدستور لا زال متعثراً وأمامه تحديات عدة على المستوى القضائي. فسيتم الطعن في قرار دائرة القضاء الإدراي بمحكمة استئناف البيضاء أمام المحكمة العليا، كما أن حكم محكمة الموضوع لذات المحكمة لم يصدر بعد. ومهما كان الحكم، فإنه سيرتب نتائج وآثاراً على المسار الدستوري برمته.

 


[1] تقرير نشر بالمفكرة القانونية ((مسودة الدستور الليبي، مخاض صعب ببين المحاصرة)) والمقاطعة
[2] تصريح لعضو مجلس النواب محمد الجديد على بوابة الوسط
[3] تصريح النائب صالح افحيمة لبوابة الوسط
[4]  الصفحة الشخصية في موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك للمستشار ابراهيم بوشناف
[5] الشخصية للحقوقي اشرف القطعاني على الفيس البوك
[6]  تصريح الدكتور الهادي بوحمرة في بوابة افريقيا الالكترونية
[7] الصفحة الشخصية على الفيس بوك لعضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور ضو المنصوري
[8] الصفحة الشخصية على الفيس ببوك لعضو الهيئة التأسيسية لصياغةالدستور مراجع علي
[9] الصفحة الشخصية على الفيس ببوك لعبدالحفيظ غوقة المحامي .
[10] بوابة الوسط
[11] مزدوجو الجنسية في ليبيا: شكل جديد للعزل السياسي؟ مقال لمروان الطشاني
[12] زياد دغيم: لم يعد لدينا مشروع دستور لنحيله للمفوضية صحبة قانون استفتاء