بعد التصويت على مسودة مشروع الدستور الليبي من قبل الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور ومع كل الجدل الذي صاحب عملية التصويت، أحال رئيس الهيئة التأسيسية مشروع الدستور لمجلس النواب لإصدار قانون الاستفتاء وللمفوضية العليا للانتخابات. وفي تطور مثير وبتاريخ 16-8-2017، تغير المشهد تماما وزاد تعقيدا. فتبعا للطعن الذي قدمه عضو الهيئة التأسيسية أحمد علوان القنصل ضد قرار الهيئة باعتماد مسودة الدستور، قضت دائرة القضاء الإداري بمحكمة استئناف البيضاء بتاريخ اليوم 16/8/2017 في الشق المستعجل بوقف القرار المطعون فيه، مرجئة البحث في الموضوع إلى وقت لاحق. وفسرت المحكمة قرارها المؤقت بناء على صحيفة الدعوى المقدمة لها والتي أعابت على القرار اتخاذه في يوم سبت وهو يوم عطلة أسبوعية، وليس من أيام العمل المقررة للدولة ومؤسساتها.  وتبعا للقرار، ثار الجدل من جديد حول مشروعية إحالة مشروع الدستور لمجلس النواب ومفاعيل ذلك. وننشر هنا مقالا للدكتور عبد الحميد سحيب يعالج مسألة تأثير اتخاذ القرارات خلال أيام الراحة على صحتها (المحرر).

أثيرت في ليبيا مؤخرا مسألة مدى شرعية وصحة الأعمال الرسمية التي تمارس أو تجري خارج أوقات الدوام الرسمي ونعني بها تلك التي تمارس بعد ساعات الدوام الرسمي أو في أيام الراحة. وقد أثير هذا الجدل بمناسبة صدور قرار الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور (١) باعتماد مشروعها وإحالته إلى مجلس النواب، حيث كان هذا القرار محل طعن واعتراض من قبل البعض (٢). و كان أحد أهم أسباب الاعتراض عليه صدوره يوم سبت وهو يوم راحة اسبوعية وفقا للنظام القانوني المعمول به في ليبيا.

ونحن في هذه المقالة الموجزة سنحاول دراسة مدى صحة وشرعية الأعمال الرسمية التي تمارس في أيام الراحة الأسبوعية وفي غير ساعات الدوام الرسمي، ومن ثم إسقاط نتائج هذه الدراسة على قرار اعتماد مشروع الدستور الذي صدر بتاريخ 29/7/2017.

وبداية، يمكن القول أن النظام القانوني الليبي يميز بين أيام العطل الرسمية وساعات وأيام الراحة الأسبوعية. فقد نظم المشرع الليبي أيام العطل الرسمية بموجب القانون 5 لسنة 2012 الصادر عن المجلس الوطني الانتقالي (٣) ، حيث عقد هذا القانون اختصاص تحديد أيام العطل الرسمية وتعديلها للسلطة التشريعية وحصر العطل الرسمية في ليبيا في أربع عشرة مناسبة تتضمن اهم المناسبات الدينية والوطنية التي يحتفي بها المجتمع الليبي كل عام. بالمقابل، تم تنظيم أيام الراحة الأسبوعية وساعات الدوام الرسمي بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 10 لسنة 2012 المعدل بموجب القرار رقم 356 لسنة 2012. ووفقا لأحكام هذا القرار، تكون أيام الدوام الرسمي للجهات الخاضعة لأحكامه من يوم الأحد إلى يوم الخميس من كل أسبوع ولفترة واحدة تبدأ من الساعة الثامنة صباحا وحتى الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر ويكون يوما الجمعة والسبت يومي راحة أسبوعية.

ولا شك أن هذه المغايرة في التسمية من قبل المشرع الليبي بين مصطلحي العطلة الرسمية والراحة الأسبوعية ترتب أحكاما وآثارا قانونية، أهمها أن العطل الرسمية لا تكون إلا بقانون وأنها تسري على كافة مؤسسات الدولة، في حين أن تحديد أيام وساعات الدوام الرسمي تحدد بقرار من مجلس الوزراء ولا يسري إلا على الجهات المخاطبة بقراره. كما أن بعض الأعمال يحظر القيام بها في أية ساعة من ساعات يوم العطلة الرسمية، في حين أنه يمكن القيام بها حتى خارج ساعات الدوام الرسمي في الأيام العادية. ولعل إعلان الأوراق القضائية أوضح مثال على ذلك (٢). ومن أهم آثار هذه التفرقة أنه يجوز لجهات العمل عموما أن تلزم العامل أو الموظف بالعمل حتى في غير أوقات العمل الرسمية المحددة بالقرار رقم 10 لسنة 2012 سابق الإشارة إليه إذا اقتضت مصلحة العمل. ودليلنا على ذلك أن المشرع الليبي أوجب على العامل والموظف بموجب نص 11 من قانون علاقات العمل رقم 12 لسنة 2010 أن يلتزم بالعمل في غير أوقات العمل الرسمية متى طلبت منه جهة العمل ذلك إذا اقتضت مصلحة العمل ذلك. وهذه الرخصة الممنوحة لجهات العمل بتكليف العامل أو الموظف بالعمل حتى في غير أوقات العمل الرسمية قررت بمقتضي نص تشريعي صادر عن السلطة التشريعية ولا يمكن لقرار صادر عن السلطة التنفيذية ممثلة في مجلس الوزراء أن يعطلها أو يهدرها.

وبذلك يتضح أنه من الجائز بل من الواجب وفقا للنظام القانوني الليبي قيام الموظف العام بأعماله الرسمية حتى في غير أوقات العمل الرسمية متى طلبت منه جهة العمل ذلك. وهو حكم تؤكده المواد التالية للمادة 11 من قانون العمل سابق الإشارة اليه وخاصة المادة 16 والتي اوجبت منح العامل أو الموظف يوما بديلا أو مقابلا نقديا اذا اشتغل في يوم راحته الأسبوعية. فهذه الاحكام تقطع بإمكانية العمل في أيام الراحة وأن كل ما يستحقه العامل أو الموظف هو تعويضه عن العمل في هذا اليوم، ولم ترتب على أي جزاء إجرائي يمس العمل المنجز في أيام الراحة أو في غير ساعات الدوام الرسمي.

وبذلك، فإن العمل في أيام الراحة الاسبوعية أو في غير ساعات الدوام الرسمي أمر جائز قانونا ولا يمس سلامة العمل المباشر، بل يظل صحيحا منتجا لكافة آثاره القانونية ومحل اعتراف من قبل النظام القانوني للدولة. وكل ما يترتب على ذلك أنه يعطي العامل أو الموظف حق المطالبة بالتعويض العيني أو النقدي عن واقعة تشغيله في غير أوقات الدوام الرسمي.

ويشهد لصحة هذا الحكم أو الاستنتاج أيضا، الممارسة العملية لكثير من الهيئات الدستورية والإدارية. فقد دأبت هذه الهيئات على العمل حتى ساعات متأخرة من النهار تجاوز الساعة الثالثة والنصف مساء وهو الوقت المحدد لنهاية الدوام اليومي. فكم من اجتماع حكومي استمر لساعات متأخرة من الليل وصدرت على ضوئه مجموعة من القرارات المهمة؟ وكم من جلسة برلمانية استمرت لأوقات جاوزت ساعات الدوام الرسمي صدرت خلالها العديد من التشريعات والقرارات الأساسية (٣)؟ كما أن الكثير من المحاكمات القضائية استمرت لساعات طوال ولم تصدر أحكامها إلا بعد وقت انتهاء الدوام الرسمي بساعات، و مع ذلك لم يقل أحد ببطلان هذه الأعمال، رغم أن تطبيق القرار رقم 12 لسنة 2010 يعني أنها اتخذت بعد مواعيد الدوام الرسمي. وهذا يساوي في الحكم بينها وبين الأعمال التي تمارس في أيام الراحة. فالقرار رقم 12 لسنة 2010 بشأن تحديد مواعيد الدوام الرسمي حدد في نفس النص ساعات الدوام وأيام الراحة. وهذا يعني أنها تأخذ نفس الحكم ويترتب عليها نفس الأثر في حال مخالفتها. فمن يعمل في ساعات الراحة بعد الدوام الرسمي هو في نفس المركز القانوني لمن يعمل في يوم الراحة لوحدة النص القانوني الذي يحكم مركزهما القانوني. فإذا كان العمل في أيام الراحة يترتب عليه بطلان العمل (كما يزعم البعض)، فإن نفس الأثر يجب أن يترتب على العمل بعد انتهاء ساعات الدوام الرسمي. إلا أن الممارسة العملية وكما سبق القول، أجازت العمل بعد ساعات الدوام الرسمي ولم تصمه بالبطلان وكان هذا محل شبه إجماع. وبالتالي، فإنه يجب إعطاء نفس الحكم في حالة العمل في أيام الراحة وعدم ترتيب البطلان على العمل فيها.

وبإسقاط ذلك على أعمال لجنة الستين، يمكن القول أن مجرد انعقاد جلساتها في يوم سبت لا يبطل أعمالها ولا ينال من شرعية هذه الأعمال ما دام قد روعيت باقي الإجراءات القانونية اللازمة لانعقاد هذه الجلسات وخاصة صحة الدعوة اليها. ذلك أنه وحتى على فرض خضوع هيئة الستين للنظام القانوني للعمل الذي يخضع له باقي الموظفين في الدولة، فإنه من الجائز لها تكليف أعضائها بالعمل حتى في غير اوقات الدوام الرسمي المحددة بموجب القرار رقم 12 لسنة 2010 وتعديلاته بشأن تحديد أوقات الدوم الرسمي، وذلك طبقا لنص المادة 11 من قانون علاقات العمل رقم 12 لسنة 2010 سابق الإشارة اليه. ولا أظن أن أحد يشكك في حاجة هذه الهيئة لمواصلة الليل بالنهار لإخراج مشروع دستور الذي من شأنه أن يخرج ليبيا من مأزقها السياسي القائم الآن. لذلك، فمصلحة العمل تقتضي عملها حتى في أيام الراحة. وبهذا تكون شروط انطباق تطبيق نص المادة ١١ من قانون علاقات العمل سابق الإشارة إليها متوافرة دون أدنى شك.

بالإضافة الى ذلك، فإننا نرى أن لجنة الستين قد نظمت بموجب قانون خاص وهو القانون رقم 17 لسنة 2013 بشأن انتخاب الهيئة التأسيسية لإعداد مشروع الدستور. وقد فوض هذا القانون في مادته ٤٦ الهيئة التأسيسية بوضع لائحتها الداخلية التي تنظم آلية عملها. ولا شك أن ذلك يمحنها اختصاص تحديد أوقات وأيام دوامها الرسمي وأيام الراحة لأعضائها. فالهيئة التأسيسية كما مجلس النواب، هي بحكم طبيعة أعمالها وكذلك تكوينها، لا تخضع لقرار تنظيمي لمجلس الوزراء، طالما أن هذا الأخير يمارس صلاحية تنظيم أوقات العمل على الأجهزة التي تخضع لإشرافه ومراقبته حصرا.

نخلص من ذلك أن الأعمال والتصرفات التي تصدر أو تتخذ أيام الراحة الأسبوعية  أو بعد ساعات الدوام الرسمي تقع صحيحة ولا يمسها أي بطلان ما دام أن جهة العمل قد دعت إلى مباشرتها في هذه الأوقات لاعتبارات تتعلق بمصلحة العمل. وهو أمر يتأكد في حق الهيئة التأسيسية بحكم تنظيمه بقانون خاص يجيز لها تنظيم آلية عملها بقرار يصدر عنها دون سواها. هذه خلاصة ما نراه بشأن الأعمال المتخذة في أيام الراحة وفي غير أوقات الدوام الرسمي لعلها تصلح سندا لمن يبحث عن العدالة وتعينه على اختصار طريق البحث حول شرعية هذه الأعمال بما يسهم في النهاية إلى استقرار المراكز القانونية والانطلاق نحو استكمال مراحل الدولة واستقرارها بما يجعلها قادرة على السير بخطى ثابتة نحو تحقيق الأمن والاستقرار والرفاهية للشعب الليبي.

 

(١) هي هيئة منتخبة وفقا للإعلان الدستوري مهمتها إعداد مشروع الدستور وطرحه للاستفتاء عليه من قبل الشعب الليبي انتخبت ونظمت أعمالها بالقانون رقم 17 لسنة 2013.
(٢) أبرز هذه الاعتراضات الطعن الذي تقدم به السيد أحمد القنصل عضو الهيئة التأسيسية أمام محكمة استئناف البيضاء وقد أسس طعنه على مجموعة من الأسباب منها صدور قرار الهيئة التأسيسية باعتماد مشروع الدستور يوم سبت وهو يوم عطلة رسمية من وجهة نظره.
(٣) المجلس الوطني هو الجسم السياسي الذي قاد الدولة الليبية في مرحلة الثورة وكان برئاسة السيد مصطفى عبد الجليل. وقد انتهي دوره بتسليمه للسلطة إلى المؤتمر الوطني العام الذي تم انتخابه بموجب الانتخابات العامة التي أجريت بتاريخ  ٠٧/٠٧/٢٠١٢.
(٤) المادة 8 من قانون المرافعات المدنية و التجارية مثلا تمنع إجراء أي إعلان أو التنفيذ في أيام العطلات الرسمية أو قبل الساعة السابعة صباحا أو بعد الساعة السابعة مساء. وهذا يعني مثلا إمكانية إجراء الإعلان بعد ساعات الدوام الرسمي وقبل الساعة السابعة مساء.
(٥) على سبيل المثال، استمرت جلسات اختيار رئيس مجلس النواب و كذلك رئيس الهيئة التأسيسية لساعات متأخرة ولم تعلن نتائجها إلا ليلا، وقد وثق ذلك إعلاميا.