لا يختلف الاقتصاد السوري اليوم عن الدمار في شوارع حلب وحمص والرقة وديز الزور. بعد مؤشرات اقتصادية واجتماعية إيجابية في العقد السابق للأزمة (مُشابهة للاقتصاد اللبناني قبل حرب العام 1975). تُشير أرقام الأمم المتّحدة[1] أنّ الحرب المندلعة منذ ست سنوات أعادت الإقتصاد السوري ثلاثة عقود إلى الخلف كما أعادت مؤشرات التنمية البشرية عقداً كاملاً إلى الوراء[2].

يشرح هذا المقال بالأرقام تأثير الحرب في سورية على مؤشراتها الاقتصادية الداخلية (الناتج المحلي ورأس المال المادي) والمالية (الموازنة، العجز والدين) والنقدية (التضخّم، الليرة السورية وسياسات المركزي)، إضافةً لكلفة الدمار في البنى التحتية. يركّز المقال على الشقّ الإقتصادي الداخلي والرأسمالي، أي أنّنا نضع جانباً المؤشرات السوسيو-إقتصادية كما تلك المرتبطة بالاقتصادين الخارجي (الشركاء الخارجيين) وغير الرسمي (Informal economy)[3].

الخسائر التراكمية والناتج المحلي

تُقدّر الكلفة الاقتصادية للحرب في السورية ب 700 مليار دولار أميركي حتى نهاية العام 2016 (689 مليار بالتحديد) (وفق دراسة world vision and frontier economics)[4]. وتأخذ الخسائر الاقتصادية السنوية منحى تصاعديا عاماً تلو الآخر. فقد قُدّرت الخسائر التراكمية منذ بداية الحرب عام 2011 حتى نهاية العام 2015 ب 259.6 مليار دولار، وتشمل 169.7 مليار دولار كخسائر في الناتج المحلي الإجمالي[5] و89.9 مليار دولار كخسائر في رأس المال، دون احتساب خسائر القوات العسكرية والأمنية (وفق دراسة الESCWA الأمم المتحدة وUniversity of Saint-Andrews)[6]. لقد انخفض الناتج المحلي الفعلي للفرد Real GDP per capita بنسبة 45% منذ نهاية العام 2010 حتى نهاية العام 2016[7]. وتقلّص الناتج المحلي الفعلي الإجمالي السوري Real GDP بنسبة 55٪ منذ العام 2010 إلى العام 2015، مع الإشارة إلى أنّ التقديرات الماكرو-إقتصادية قبل الحرب (عام 2010) كانت تُشير إلى نمو في الناتج المحلي بنسبة 32٪. ويعود تراجع الناتج المحلي (Y) إلى تراجع محركات النمو، أي تدني الاستهلاك الداخلي (C) والإستثمار (I) والصادرات (X) والإنفاق الحكومي (لا سيما الإستثماري) غير العسكري (G)، كما إلى ارتفاع الإستيراد (M).

خسائر الناتج المحلي الإجمالي (وفق الأسعار الثابتة لعام 2010)

القطاعات الأكثر تأثراً

ستّ سنوات من المعارك المُدنية والريفية أدّت لتدمير الكثير من رأس المال الإقتصادي السوري capital stock وذلك في مختلف القطاعات.

أُصيب قطاع الإنشاءات والتعمير بأشدّ الأضرار التي بلغت 27.2 مليار دولار، أي نحو ثلث مجموع الأضرار (30.3%). وكانت الصناعة التحويلية ثاني أكثر القطاعات تضرراً (17.7%)، إذ بلغت خسائر رأس المال فيها 15.9 مليار دولار، معظمها في منشآت حلب. فيما يُقدّر دمار حقول النفط والغاز بمبلغ 8،4 مليار دولار، ومنشآت الكهرباء والمياه والصرف الصحي بمبلغ 8،2 مليار دولار (aforementioned ESCWA Study, 2016).

الخسائر التراكمية لرأس المال وفق القطاعات 2011-2015 (بالنسب المئوية)

على صعيد قطاع الزراعة، وإن لم تكن سورية تعتمد على الواردات الغذائية-الزراعية قبل الحرب، فقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي للزراعة بما يقارب 60% بين عامي 2010 و2015 بالقيمة الفعلية real terms (2010 هي سنة الأساس) (aforementioned ESCWA Study, 2016). ويعود ذلك إلى عدة عوامل منها: عدم إمكانية الوصول إلى الأراضي الزراعية بسبب العمليات العسكرية، نقص مصادر الطاقة اللازمة للري، أثر العقوبات على تكاليف الإنتاج، تدمير المزارع وارتفاع كلفة النقل. لقد انخفضت المساحة المزروعة من 6 ملايين إلى 3.6 مليون هكتار كما تراجعت إنتاجية الأراضي.

نتيجةً لما ذُكر، ارتفعت أسعار المواد الغذائية؛ وأضاف الاحتكار التجاري والعقوبات الخارجية إلى الأسعار المرتفعة أرقاماً إضافية. فقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 62.1% بين عامي 2014 و2015 مع تسجيل فوارق بين المحافظات: 46.5% في دمشق و978% في دير الزور. وعلى سبيل المثال، بلغ سعر الجملة للطنّ المتري من القمح في دمشق 444 دولاراً عام 2015، أي حوالي ثلاثة أضعاف المتوسط ​​العالمي (157.70 دولار) في العام نفسه (aforementioned ESCWA Study, 2016).

كلفة الدمار في البنى التحتية

على صعيد البنية التحتية، قدّر البنك الدولي عام 2016 (World Bank - IBRD - IDA)[8] الأضرار في ست مدن، هي حلب ودرعا وحماة وحمص وإدلب واللاذقية، بما بين 025 6 مليون دولار (بالحد الأدنى) و 364 7 مليون دولار (بالحد الأقصى) موزّعة وفق الجدول التالي (إشارةً أنّ 58.10% من الأضرار هي في حلب وحدها).

الأضرار في البنى التحتية السورية حتى العام 2016 (بملايين الدولارات)

الآثار المالية وارتفاع الدين العام

أدّت الحرب إلى تصاعد العجز في الموازنة العامة. على صعيد الإيرادات، بدأت هذه الأخيرة بالانخفاض منذ العام 2012. لقد انخفضت عائدات النفط بنسبة 95% (بالأسعار الثابتة لعام 2010 Constant Prices) مع انهيار إنتاج النفط والغاز في أعقاب فقدان الحكومة للسيطرة على عدد كبير من حقول النفط وتقدّم تنظيم "داعش" الإرهابي وتقطّع طرق النقل (للمزيد العودة إلى مقالي عن موازنة تنظيم "داعش"). كما انخفضت الإيرادات الضريبية وغير الضريبية (دون إيرادات النفط) بنسبة 95% أيضاً (بالأسعار الثابتة)، نتيجةً لتدني النشاط الاقتصادي وتقلّص الصحن الضريبي (أو الجبائي أي tax base) وضعف جباية الضرائب والرسوم.

على صعيد النفقات، انخفضت النفقات الجارية (أو التشغيلية) بنسبة 52% بالقيمة الفعلية (real terms)؛ وتُسيطر النفقات الجارية بشكل كبير جداً على الانفاق العام السوري اليوم. أما النفقات الاستثمارية (أو الرأسمالية) فقد انهارت بنسبة 95%. ويمكننا الملاحظة أنّ الانفاق (لا سيما على دعم الغذاء والوقود) قد ارتفع منذ العام 2010 من حيث القيمة الفعلية. ونتيجة لذلك، ارتفع الدين العام بالقيمة الإسمية (nominal terms) من 651 مليون ليرة سورية عام 2010 إلى أكثر من 6 آلاف مليار ليرة سورية عام 2016 (وفق عملية حسابية اقتصادية)[9]. لكن، مع التدقيق الاقتصادي بالأرقام وعند تحويل النفقات إلى الأسعار الثابتة (أسعار العام 2010)، فإنّ الزيادة تبدو أقلّ وضوحاً؛ وإذا استخدمنا سعر الصرف كdeflator، فلا نرى تغيّراً كبيراً في النفقات العامة منذ عام 2010.

النفقات العامة التشغيلية والإستثمارية بمليارات الليرات السورية وبالأسعار الثابتة لعام 2010

نسب الدين العام السوري على الناتج المحلي

ارتفاع الأسعار والتضخّم

أدّت الحرب أيضاً إلى ارتفاع حاد في أسعار السلع في السوق المحلية السورية. بالنسبة لمؤشّر الأسعار (CPI)، وهو مقياس للتضخّم، فقد ضُرب بخمسة بين عامي 2010 و2016 (وفق المكتب المركزي للإحصاء السوري)[10]. بلغ معدّل التضخّم 90% عام 2013، ثم استقرّ نسبياً عام 2014 ليعود ويرتفع إلى 43% عام 2015 وإلى 47.7% عام 2016.

مؤشّر الأسعار CPI في سورية 2012-2016 (سنة الأساس 2010 = 100)

يُفسَّر هذا الارتفاع في معدلات التضخّم بندرة العديد من المنتجات والخدمات بسبب تراجع الإنتاج المحلي وضعف الإمدادات ونقص الوقود والغذاء والأدوية و/أو صعوبة نقلها إلى بعض المناطق، إضافةً إلى تأثير الإحتكارات في السوق الداخلية والعقوبات الخارجية وإغلاق بعض المعابر الحدودية الرسمية. لكنّ التضخّم مرتبط أيضاً بانخفاض قيمة الليرة السورية مقابل الدولار.

الليرة السورية، بين انهيار إسمي وثبات فعلي

انخفض سعر الصرف الإسمي لليرة السورية مقابل الدولار الأميركي مع سنوات الحرب وفرض العقوبات لا سيما بعد أن بدأ التحالف الدولي ضرباته الجوية (أيلول 2014) على الرغم من جهود البنك المركزي لدعمها. في الآن عينه، كان الطلب على العملات الأجنبية يرتفع من قبل اللاجئين المحتملين قبل/عند خروجهم من سورية. لذلك توسعت عمليات بيع وشراء العملات في السوق السوداء في سورية كما في البلدان المجاورة. ونتيجةً لذلك، قام البنك المركزي السوري بإدارة المعروض من العملات الأجنبية عبر التدخلات في السوق، ولا سيما بيع العملات الأجنبية؛ كما عمدت الحكومة إلى ترشيد الواردات (للحد من الطلب على العملات الأجنبية).

منذ بداية الحرب حتى نهاية العام 2015، تراجع سعر الصرف الإسمي الرسمي بنسبة 647%، وبلغت نسبة تراجع سعر الصرف الإسمي غير الرسمي 714% (aforementioned ESCWA Study, 2016). وبعدما كان سعر صرف الدولار 46.5 ليرة سورية في آذار 2011، يتجاوز اليوم سعر صرف الدولار 500 ليرة سورية لأول مرة في تاريخ الاقتصاد السوري الحديث. ولكن، لا بدّ من الملاحظة أنّ القيمة الفعلية (real terms) لليرة السورية لم تنخفض إلى ما دون 60 ليرة للدولار الأمريكي الواحد (وذلك إذا أخذنا العام 2010 كسنة الأساس وإذا احتسبنا سعر الصرف استناداً إلى مؤشر البنك الدولي لمجموعة السلع الأساسية باستثناء الطاقة). يُشار أيضاً إلى حصول تدفّق كبير للنقد الأجنبي إلى سورية، معظمه غير رسمي، خلال الحرب.

لقد استنفد تراجع سعر صرف الليرة السورية وعجزا الموازنة وميزان المدفوعات الإحتياطات الرسمية بالعملة الأجنبية لدى البنك المركزي السوري. في بداية العام 2011، كان لدى البنك المركزي ما يُقدّر بنحو 22-24 مليار دولار من الاحتياطيات الرسمية (aforementioned ESCWA Study, 2016), وتختلف التقديرات الحالية للإحتياطات بين ما أشار إليه البنك الدولي عن أنّها أصبحت 772.9 مليون دولار نهاية العام 2015 وبين نفي المركزي السوري للأمر؛ فيما تشير التقديرات الأميريكية[11] إلى 504.6 مليون دولار من الإحتياطات نهاية عام 2016.

بالخلاصة، تُظهر المؤشرات والتقديرات الواردة في المقال كلفةً كبيرةً للحرب في سورية تجاوزت ال 700 مليار دولار وانهياراً كبيراً في الاقتصاد الداخلي السوري يطرح العديد من التساؤلات حول الاقتصاد غير الرسمي اليوم في سورية. وإذ لا بد من استكمال المشهد عبر أرقام الاقتصاد الخارجي ومؤشرات التنمية البشرية في مقالات لاحقة، تبقى العديد من الإشكاليات معلّقة حول الإعمار وإعادة النهوض بالاقتصاد وسياسات التنمية الممكنة بعد الحرب.

ختاماً، في حال استمرّت الحرب السورية إلى العام 2020، يمكن أن تصل الخسائر الاقتصادية إلى 330 1 مليار دولار (study world vision and frontier economics aforementioned). ما يعني أنّ الإقتصاد السوري سيحتاج إلى 15 عاماً، بعد عام 2020، لتجاوز فارق النمو. وهذا يعني أيضاً، أنّ تكلفة 10 سنوات من الحرب السورية (منذ عام 2011 إلى نهاية عام 2020) قد تساوي أكثر من مجمل الناتج المحلي الإجمالي الحالي لدولةٍ بحجم روسيا أو إسبانيا[12]؛ وهذه الكلفة تتجاوز الناتج المحلي لأية دولة عربية كما لتركيا وإيران و"إسرائيل"[13] أيضاً.

 


[1]  Selon Bassel Kaghadou, chargé par les Nations unies de réfléchir aux façons de reconstruire l'économie et la société syriennes, l’article de William Plummer et Isabelle de Foucaud dans "ScanEco" du "Le Figaro", 07/04/2017
[2]  إذا تمّ تحييد تناقص عدد السكان – neutralizing
[3]  يشمل الإقتصاد غير الرسمي (Informal economy) كل أنواع النشاطات الإقصادية غير القانونية في القطاعين العام والخاص وهذه النشاطات غير خاضعة للضرائب كالأسواق السوداء والتهريب مثلاً. تزداد أهمية الاقتصاد غير الرسمي في أوقات الحروب. في سورية، قُدّر الاقتصاد غير الرسمي في سورية قبل الحرب بحوالي 40% من الناتج المحلي الإجمالي (وفق دراسة الأمم المتحدة بالتعاون مع جامعة Saint-Andrews). ومن المرجّح أن يكون قد نما هذا الإقتصاد بشكلٍ كبيرٍ في المناطق الواقعة خارج سيطرة الحكومة، كما في بعض المناطق الحدودية مع لبنان؛ أصبحت الأنشطة غير الرسمية أيضا أكثر انتشاراً في مناطق تسيطر عليها الحكومة ولكنّها لا تخضع لرقابة كاملة من جانب السلطات. من الصعب تقدير الدخل الناتج عن هذه الأنشطة غير الرسمية، ومنها الأنشطة الجرمية، وبالتالي لم تُدرج في تقديرات الناتج المحلي الإجمالي المذكورة في المقال.
[4] “The Cost of Conflict for Children: Five Years of the Syria Crisis”, Frontier Economics and World Vision International, March 2016, pp.1-26
[5]  تمّ تقدير الخسارة في الناتج المحلي الإجمالي عبر قياس الفارق بين مستويات الناتج المحلي الإجمالي الفعلي المقدّرة بأسعار العام 2010 خلال الحرب والناتج المحلي الإجمالي المقدّر وفقاً للخطة الخمسية الحادية عشرة (2011-2015) إن لم تحدث الأزمة.
[6] “Syria at war: five years on”, the United Nations Economic and Social Commission for Western Asia (ESCWA) and University of Saint-Andrews, United Nations publication issued by ESCWA, United Nations House, 2016, pp.36
[7]  مقارنةً بما يُفترض أن يكون عليه.
[8] “The Importance of Planning Syria’s Eventual Reconstruction”, The World Bank, The International Bank for Reconstruction and Development (IBRD) and International Development Association (IDA), May 24, 2016
[9]  قمتُ بعملية الاحتساب قيمة الدين لعام 2016 وفق أرقام العام 2015 الواردة في تقرير ESCWA السابق ذكره ووفق النسب الواردة في CIA World Factbook 2017؛ وذلك بفعل غياب رقم واضح للدين العام السوري عام 2016.
[10]  هذا المؤشر هو من المؤشرات الإقتصادية القليلة التي لا تزال تُعلن من المكتب المركزي للإحصاء السوري.
[11] CIA World Factbook 2017
[12] GDP ranking of the World Bank in 2016 Last Updated in 01-Jul-2017: Russia (1 283 milliards US dollars) and Spain (1 232 milliards US dollars).
[13]  بلغ الناتج المحلي التركي 857 ميار دولار والناتج المحلي السعودي 646 مليار دولار (وهو الأعلى بين الدول العربية) والإيراني 393 مليار دولار و"الإسرائيلي" 318 مليار دولار وفق ترتيب البنك الدولي لعام 2016.