ينضّم قرار المجلس الدستوري رقم 5 تاريخ 22/9/2017 الذي قضى بإبطال القانون رقم 45 تاريخ 21/8/2017 (تعديل واستحداث بعض المواد القانونية الضريبية لغايات تمويل رفع الحد الأدنى للرواتب والأجور..)، إلى القرارات الجرئية التي اتخذها هذا المجلس وكانت مثار جدلٍ ومحرّكة للرأي العام بين مؤيّدٍ ومعارض([1]). إن ميّزة القرار محل التعليق هي الجرأة الإضافية لكون المجلس الدستوري قد وضع نفسه بمواجهة مع مجلس النواب وتدخّل في مسائل هي محلّ مساومة بين الكتل النيابية (الموازنة وقطع حسابها)،  كما تدخل في علاقة النواب بالناخبين (سلسلة الرتب والرواتب التي كانت محل تجاذب وأخذ وردّ لسنوات عديدة حتى أبصرت النور).

بل يمكن أن نقول أنه وضع المجلس الدستوري في أزمة أمام الشارع في حال لم تتمكن الإدارة من تأمين الاعتمادات اللازمة لتسديد الرواتب وفق الجدوال الجديدة المقررة في القانون 46/2017 أو تذرعت على الأقل بذلك.

 

هو إذا قرار غير شعبي وأعاد إلى السلطتين التشريعية والتنفيذية ملف زيادة الرواتب والأجور للعاملين بالقطاع العام، كانت تظنّ أنها انتهت منه وتخلّصت من تبعاته.

لقد تحرّك موظفو ومستخدمو الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات في إضراب لعلّه خطوة أولى في الدفاع عن مكتسبات حققتها الحركة النقابية والاحتجاجية والصبر والنضال الذي استمرّ لسنوات. وبالنسبة لهؤلاء لا يعنيهم قرار المجلس الدستوري ولا كيفية تمويل رواتبهم الجديدة، فهو أمرٌ يدخل في مسؤولية السلطة التنفيذية التي يتوجب عليها تنفيذ القانون 46/2017 النافذ بذاته والذي لم يصر إلى إبطاله بل ولم يكن محل طعن.

هي إذا مواجهة لا ندري حدودها وآثارها، ما يدفعنا إلى البحث عن المبررات التي وجدها المجلس الدستوري مبررة إلى اتخاذ هذا القرار بالرغم من علمه المسبق بما قد يشكّله هكذا حكمٍ غير شعبي على علاقته بالسلطتين التشريعية والتنفيذية، والتي قد تفكّر جدياً في تعيين أعضاء جدد لهذا المجلس بدلاً من الأعضاء الحاليين المنتهية ولايتهم.

 

أولاً: مخالفة مجلس النواب أصول التصويت المقررة في الدستور

استند المجلس إلى تفسير ضيّق للمادة 36 من الدستور التي نصت صراحة على كيفية التصويت في مجلس النواب. وجاء فيها ما يلي: "أما فيما يختص بالقوانين عموماً أو بالاقتراع على مسألة الثقة، فإن الآراء تعطى دائما بالمناداة على الأعضاء بأسمائهم وبصوت عالٍ". وق اعتبر المجلس أن الغاية من نص المادة 36 هي التصويت على القوانين بشفافية تامة ليكون الشعب مطلعاً على ما يقوم به نوابه، وبخاصة أن القوانين التي يقرّها مجلس النواب، وعلى الأخص تلك المتعلقة بالمالية العامة، لها تأثيرات مباشرة عليه، وأن هذه القاعدة هي جوهرية وليست شكلية ولا تقبل الاستثناء لورود تعبير "دائماً" في النص الدستوري الواردة فيه.

تبيّن من هذه الحيثيات أن المجلس الدستوري قد رتّب البطلان على مخالفة أصول التصويت، بالرغم من أن النص الدستوري لم يرتّب هذا البطلان. ومن يقرأ موادّ الدستور، يرَ بأن المادة 31 رتّبت البطلان على كل اجتماع يعقده المجلس في غير المواعيد القانونية، وكذلك فإن المادة 34 رتبت عدم قانونية أي اجتماع لمجلس النواب ما لم تحضره الأكثرية من الأعضاء الذين يؤلفونه.

أما بخصوص علنية الجلسات المقررة في المادة 35 وآلية التصويت المقررة في المادة 36، فلم يرتّب الدستور جزاءً صريحاً على مخالفتهما. ولهذا بالإمكان التساؤل حول مفاعيل مخالفة هذا الواجب الدستوري الملزم، وتحديدا فيما إذا كان من شأن مخالفته أن تؤدي إلى إبطال القوانين التي تم إقرارها من دون اتباع الآلية.

لكن يبدو أن للمجلس الديستوري غاية وجيهة من تقرير البطلان على مخالفة الإجراءات المقررة في الدستور. فهو يلفت انتباه مجلس النواب إلى أن كل الأصول المقررة في الدستور هي أصول ملزمة وواجبة الاحترام والتطبيق. ولهذا لم يعد من الجائز أن يتذرع النائب بأي عذرٍ للامتناع عن القيام بالواجبات الدستورية. وبعد هذا الحكم، فإن كل عمل تأتيه السلطة المشترعة مجتمعة أو نواب بالانفراد ويخالف مفردة من مفردات الدستور هو عمل غير دستوري ومستوجب الإبطال.

 

ثانياً: إن مجلس النواب خالف الأصول الدستورية في إقرار الموازنة

أقرّ المجلس الدستوري في هذا الحكم مبادئ متصلة بالمالية العامة.

فقضى أولاً أن انتظام المالية العامة وضبطها لا يتم إلا من خلال موازنة سنوية تقدر فيها الواردات والنفقات لسنة قادمة. ولهذا رفض رفضاً قاطعاً أن يتمّ إقرار شبه موازنة بموجب قانون تحت مسمى ضرائبي أو تمويلي. فلقد تنبه المجلس الدستوري أن القانون المطعون فيه ليس قانونا ضريبيا بحت لكي يصار إلى تمريره، بل هو في مضمونه قانون يرمي إلى الموازنة بين إيرادات ونفقات ناجمة عن إقرار السلسلة. ورأى بأن هذه المورابة مخالفة للدستور الذي حدد الشكل الذي يصدر فيه هذا النوع من التشريع، عندما نصّ في  المادة 83 من الدستور نصت على ما يلي: "كل سنة في بدء عقد تشرين الأول تقدم الحكومة لمجلس النواب موازنة شاملة نفقات الدولة ودخلها عن السنة القادمة ويقترع على الموازنة بنداً بنداً". واستناداً لهذا النص فإن الموازنة الشاملة بين النفقات والواردات لا تكون بقانون كالقانون المطعون فيه. 

 ولم يكتفِ المجلس الدستوري بهذا السبب لإعلان بطلان القانون المطعون فيه. بل تعمّد تذكير مجلس النواب بموجب آخر وهو موجب إنجاز قطع حساب الموازنة وربطه أيضاً بانتظام مالية الدولة العامة، معتبراً أن خضوع السلطة الاجرائية لرقابة السلطة الاشتراعية في مجال الجباية والانفاق، يقتضي معرفة حقيقية للواردات والنفقات من طريق قطع الحساب، بخاصةٍ وأن الدستور نص في المادة 87 منه على "أن حسابات الإدارة المالية النهائية لكل سنة يجب أن تعرض على المجلس ليوافق عليها قبل نشر موازنة السنة الثانية التي تلي تلك السنة..."

ورفض المجلس اعتبار ما تمّ إقراره من واردات في القانون المطعون فيه قانونا ضريبيا بحت، بل اعتبر أن ما تم إقراره من واردات وعلى النحو المذكور جاء خارج إطار الموازنة العامة للدولة، لا بل في غياب هذه الموازنة المستمر منذ سنوات عديدة، وكان ينبغي أن تصدر الموازنة في مطلع كل سنة، وأن تشتمل على جميع نفقات الدولة ووارداتها عن سنة مقبلة، عملاً بأحكام المادة 83 من الدستور المشار اليها سابقاً.

وبالفعل، فإن القانون المطعون فيه ليس قانونا ضريبيا مختصا بضريبة معنية بل هو قانون وارادت يشمل رسوماً وغرامات وضرائب عديدة لا يمكن وصفها إلا أنها موازنة في مضمونها، ولا يجوز تبعاً لذلك أن تقرّ إلا بواسطة تشريع يأخذ اسم وشكل "الموازنة" وفق المادتين 83 و87 من الدستور.

وختم المجلس للمبادئ المستحدثة بمبدأ أنه لا يجوز فرض ضرائب ظرفياً إنما في إطار موازنة سنوية تشكل برنامجاً إصلاحياً وانمائياً واقتصادياً واجتماعياً، بحيث تأتي الضرائب والرسوم وفق متطلبات الخطة الموضوعة.

إن ما أتى به المجلس الدستوري يشكّل صرخةً بوجه المجلس النيابي بأن قطع حساب الموازنة مسألة محسومة. فلا موازنة بغير قطع حساب موازنة السنة السابقة، وأي فتاوى للالتفاف على قطع حساب الموازنة مرفوضة وغير دستورية، وأن إقرار الموازنة واجب دستوري تمتنع السلطات بغير سببٍ عن الالتزام به. ولهذا كان المجلس صارماً في إطلاق مبدأ أن الضرائب إنما تقرّ وفق برنامج إصلاحي وانمائي واقتصادي واجتماعي.

 

ثالثاً: البحث عن أسباب إبطال جديدة

لقد أبطل المجلس الدستوري كامل قانون تمويل السلسلة لسببين وليس لسببٍ واحد، وكان في السبب الأول للإبطال يضع قاعدة حول أصول التصويت على القوانين مؤكداً ما سبق وأقره على أن رقابته لا تمتد فقط إلى موضوع التشريع محل الطعن وإنما يراقب أيضاً أداء مجلس النواب أو ما يعرف بأصول التشريع([2])، ثمّ في السبب الثاني للإبطال يؤكد أولوية الموازنة على كافة القوانين المالية بحيث لا يمكن إقرار تشريعي ضريبي بغياب الموازنة بخاصةٍ عندما يكون للقانون الجديد مضمون الموازنة لناحية شموليته إيرادات مختلفة لتغطية نفقات مستحدثة.

وبعدما حسم المجلس الدستوري بطلان قانون تمويل السلسلة، كان بإمكانه الاكتفاء بهذين السببين الوجيهين للإبطال، لكنه قرر استكمال تفحص مواد القانون المطعون فيه ليقرر أن مادتين فيه مستوجبتا الإبطال تخصيصاً، وهما المادة 17 التي أبطلها المجلس الدستوري لمخالفتها مبدأ المساواة أمام الأعباء الضريبية ومبدأ عدم جواز فرض الضريبة مرتين على مطرحٍ واحد. ودون التدخل في بحث هذه النقطة التي تخرج عن اختصاصي الأكاديمي، فإن ما يهمنا من الناحية الدستورية أن المجلس قد أرسى مبدأً دستورياً جديداً هو مبدأ المساواة أمام الأعباء الضريبية بحيث لا يجوز تحميل فئة اجتماعية معينة الأعباء الضريبية كاملة بل يقتضي بالسياسية الضريبية أن تنشئ قاعدة ضريبية تؤدي إلى توزيع العبء الضريبي بصورة عادلة، ولا شكّ بأن فرض الضريبة مرتين على مطرحٍ واحد والذي يطال فئة معيّنة هو حتماً أحد صور مخالفة مبدأ المساواة أمام الأعباء الضريبية.

وكذلك عمد المجلس الدستوري إلى إعلان مخالفة المادة 11 من القانون المطعون فيه للدستور. وقد علّل المجلس سبب المخالفة بأن المادة 11 مخالفة للدستور بسبب إفتقارها للوضوح وذلك لكونها مؤلفة من ست صفحات وتضمنت ثماني عشرة فقرة، وكل فقرة تضمنت عدة أقسام، ما يتعارض مع الأصول المعتمدة في نص القوانين.

حول هذه المسألة نرى أنه كان من الأجدى للمجلس أن يربط المخالفة ليس بوضوح النص إذ لم يشر المجلس إلى مكامن الغموض فيه. بل كان عليه الاستئناس باجتهاده السابق الذي قضى فيه أن القانون الشامل بمفهوم المادة 81 من الدستور اللبناني لا يعني أن يلحظ المشرع فيه جميع التفاصيل سيما المعقدة منها أو الكثيرة التشعب أو ذات المنحى التقني أو التطبيقي لمضمون القانون، لأن النهج الذي يعتمده المشرّع عموما عند سنّه القوانين قائم على تفادي إثقال عمله بأمور تفصيلية، بل فقط تأطير التفاصيل تمهيداً لتناولها بمعرض الأعمال الإجرائية والنصوص التطبيقية، وهو ما يندرج في إطار تعاون السلطات وتوازنها المتممين لمبدأ فصل السلطات([3]).

لهذا عندما احتجّ المجلس الدستوري على شكل المادة 11 المؤلفة من 6 صفحات متضمنة 18 فقرة، إلا أن المجلس لم يناقش اجتهاده السابق الذي قضى بأن :"عدم وضوح القانون المالي أو عدم فقهه لا يؤديان إلى إبطاله إلا عند تجاوزه حدا مفرطا مبددا معناه([4])"، أو لاجتهادٍ آخر أبطل بموجبه قانون تأجيل النظر بالمراجعات أمام المجلس الدستوري ريثما يتمّ استكماله لعلّة أنه غير واضح وغير قابل للفقه([5]). ولهذا فإن حجة المجلس بعدم وضوح القانون غير مقنعة بل كان عليه الاستناد إلى مبدأ الإفراط في صياغة النص وليس عدم وضوحه.

وحول المادة 11، كنا نأمل وفي خضمّ الجرأة التي مارسها المجلس في إرساء مبادئ جديدة تسهم في تعزيز دولة القانون، أن يعمل على تأمين الحماية للإملاك العامة ورفع هذه الحماية للمرتبة الدستورية سنداً للمادة 15 من الدستور التي تنص على أن الملكية في حمى القانون، ومستكملاً بذلك ما سبق وبدأه هذا المجلس في العام 2000 عندما قضى بإن حق الملكية المصان بموجب الدستور لا يقتصر فقط على الملكية الفردية، بل ينسحب أيضاً على الملكية الجماعية، أي الملكية العامة، التي يجب أن تحظى بالحماية نفسها، وضمن الحدود ذاتها، المقررة لحق الملكية الفردية"([6]).

ولكن كان الحكم من هذه النقطة أقلّ مما هو معقود عليه من آمال.

بكل الأحوال هو حكمٌ مميز مقتضب غني بالمراجع والأهم أنه خالٍ من المصادر والمراجع الفقهية، ما يدلّ على أنه خيط بأيدٍ لبنانية خالصة.

 

 

([1])  القرار رقم 5/2014 تاريخ 13/6/2014 الصادر في الطعن بقانون الإيجارات تاريخ 8/ 5/ 2014، والقرار رقم 7/2014 تاريخ 28/11/2014 بشأن الطعن بالقانون المعجل النافذ حكما الرقم 16 تاريخ 11 تشرين الثاني 2014 المتعلق بتمديد ولاية مجلس النواب.

([2])م.د. قرار رقم3/2001 تاريخ29/9/2001 الصادر في الطعن بالقانون رقم296 تاريخ 2/4/2001 المتعلق بتعديل بعض مواد قانون أ.م.ج تاريخ 18/8/2001.

([3] ) م.د. قرار رقم 1/2002 تاريخ 31/1/2002 الصادر في الطعن بالقانون رقم379 تاريخ14/12/2001 (الضريبة على القيمة المضافة.

([4] ) م.د. قرار رقم3/2002 تاريخ15/7/2002 الصادر في الطعن بالقانون رقم430 تاريخ 6/6/2002 والمتعلق بانشاء حساب لادارة وخدمة وتخفيض الدين العام وحسابات اخرى لعمليات التسنيد.

([5])م.د. قرار رقم 1/2005 تاريخ: 6/8/2005 الصادر في الطعن بالقانون رقم 679 تاريخ 19 تموز 2005 المتعلق بتأجيل  النظر في المراجعات امام المجلس الدستوري- مجلة الحياة النيابية عدد56 تشرين الأول 2005.

([6]) م.د. قرار  رقم 4/2000 تاريخ22/6/2000 الصادر في الطعن بالقانون رقم 228 تاريخ 31/5/2000