بتاريخ العاشر من سبتمبر 2017، أصدرت الدائرة الأولى (فحص الطعون) بالمحكمة الإدارية العليا حكماً في الطعن رقم 43905 لسنة 56 قضائية عليا، يؤكد أحقية أبناء الأم المصرية المتزوجة من غير مصري (سعودي الجنسية) في التمتع بالجنسية المصرية، ولو كان زواج المصرية من الأجنبي زواجاً عرفياً، أي لم يتم توثيقه لدى الموظف المختص. صدر الحكم برئاسة المستشار أحمد محمد الشاذلي، وعضوية كل من المستشارين الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجي (المقرر) وسامي رمضان درويش، نائبا رئيس مجلس الدولة. ونوجز فيما يلي وقائع الدعوى التي صدر فيها الحكم، ثم أسبابه، والدروس المستخلصة منه.

أولاً: وقائع الدعوى

تتلخص وقائع الدعوى في أن السيدة/ ..... المواطنة المصرية، المتزوجة من المواطن السعودي.....، أقامت في سنة 2007 دعواها رقم 29828 لسنة 61 ق، أمام محكمة القضاء الإداري بالقاهرة، طالبة الحكم بثبوت الجنسية المصرية لابنتها القاصرة "عهود"، استناداً إلى نص المادة الثالثة من القانون رقم 154 لسنة 2004 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 26 لسنة 1975 بشأن الجنسية المصرية.  وبتاريخ 27 يونيه 2010، قضت محكمة القضاء الإداري بأحقية المدعية في ثبوت الجنسية المصرية لابنتها المولودة لأب سعودي وأم مصرية، دون الاعتداد بما أثارته الجهة الإدارية (مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية)، تبريراً لرفضها منح الجنسية للابنة، بأنها نتاج زواج عرفي بين الأم المصرية والأب السعودي. وإذ رفضت الجهة الإدارية حكم محكمة القضاء الإداري، طعن فيه وزير الداخلية وآخرون أمام المحكمة الإدارية العليا، التي رفضت الطعن وحكمت، بإجماع الآراء، بأن ما ذهب إليه حكم محكمة القضاء الإداري المطعون فيه صادف صحيح حكم القانون، فيكون واجب التأييد.

 

ثانياً: حيثيات حكم المحكمة الإدارية العليا

النصوص المؤيدة لرفض الطعن:

استندت المحكمة الإدارية العليا، في تأييد الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري، إلى نصوص دستورية وقانونية قاطعة فى دلالتها على أحقية الأم المصرية المتزوجة من أجنبي في منح أبنائها الجنسية المصرية، أياً كان التاريخ الذي ولدوا فيه. وأكد المستشار المقرر مبدأ قانونياً جديداً، يساوي بين الأبناء الذين ولدوا من زواج تم توثيقه وأولئك الذين ولدوا من زواج عرفي لم يوثق، وهو إنجاز غير مسبوق على حد علمنا. ومن أهم هذه النصوص:

  • النص الدستوري هو أحدث النصوص في الموضوع، وقد ارتقى بحق أبناء المصرية، بصرف النظر عن جنسية أبيهم،  في التمتع بجنسية الأم إلى مصاف الحقوق الدستورية. فالمادة السادسة من دستور 2014 تنص على ما يأتي: "الجنسية حق لمن يولد لأب مصري أو لأم مصرية، والاعتراف القانوني به ومنحه أوراقاً رسمية تثبت بياناته الشخصية، حق يكفله القانون وينظمه. ويحدد القانون شروط اكتساب الجنسية".
  • النصوص القانونية:

* المادة الأولى من القانون رقم 154 لسنة 2004، بتعديل بعض أحكام قانون الجنسية رقم 26 لسنة 1975، التي عدلت نص المادة 2 من القانون الأخير، فصارت بعد التعديل تنص على أن "يكون مصريا: 1- من ولد لأب مصري أو لأم مصرية ...".

* المادة الثالثة من القانون رقم 154 لسنة 2004، ونصها "يكون لمن ولد لأم مصرية وأب غير مصري قبل تاريخ العمل بهذا القانون، أن يعلن وزير الداخلية برغبته في التمتع بالجنسية المصرية، ويعتبر مصرياً بصدور قرار بذلك من الوزير، أو بانقضاء مدة سنة من تاريخ الإعلان دون صدور قرار مسبب بالرفض ...".

*  المادة 24 من القانون رقم 26 لسنة 1975 بشأن الجنسية المصرية، معدلة بالقانون رقم 22 لسنة 2012، وتنص على أنه " يقع عبء إثبات الجنسية على من يتمسك بالجنسية المصرية أو يدفع بعدم دخوله فيها ... وتعتبر شهادة الميلاد أو المستخرج الرسمي منها حجة في إثبات الجنسية المصرية لمن يحملها من المواطنين، وكذلك أية وثائق أو مستندات أخرى تمنحها الدولة للمواطنين، مثل بطاقة الرقم القومي أو شهادة المعاملة العسكرية أو الإعفاء منها طبقاً للقانون".

 

كيف ردت المحكمة دفوع الجهة الإدارية الطاعنة؟

دفعت الجهة الإدارية الطاعنة دعوى المواطنة المصرية المطعون ضدها بدفعين، ردت عليهما المحكمة الإدارية العليا رداً حاسماً لاقول بعده.

الدفع الأول: أن المطعون ضدها لم تتقدم بطلب لوزير الداخلية معلنة رغبتها في منح ابنتها القاصرة الجنسية المصرية، حسبما تقضي به المادة 3 من قانون الجنسية. وفي هذا الخصوص، أكدت المحكمة الإدارية العليا أن المطعون ضدها أقامت دعواها منذ سنة 2007، ولم تشكك جهة الإدارة الطاعنة، طوال مراحل اجراءات التقاضي، في تمتع والدة الطفلة بالجنسية المصرية. وقد أتيح لها الوقت الكافي لبحث جنسية والدتها وانتسابها إليها، سواء أثناء نظر الدعوى أو أثناء نظر الطعن. ومن ثم تكون الغاية التي استهدفها المشرع من التقدم بطلب لإعلان رغبة ابنة المطعون ضدها في منحها الجنسية المصرية قد تحققت، ويضحى الإعلان غير مجد ولا طائل من ورائه. فضلاً عن ذلك، فإن إلزام المولود لأم مصرية، بأن يفرغ رغبته في التمتع بالجنسية المصرية، تبعاً لوالدته المصرية في شكل طلب، على نموذج يعد سلفاً من قبل وزير الداخلية، ينطوي على قيد يعوق ممارسة هذا الحق ليس له أصل في الدستور أو القانون.

الدفع الثاني: أن عقد زواج المطعون ضدها من والد ابنتها القاصرة "عهود" عقد عرفي، في حين أنه يتعين لمنح الجنسية أن يكون عقد  الزواج موثقاً. وقد كان رد المستشار المقرر على هذا الدفع بليغاً، ومفاده أن عملية التوثيق ليست ركناً من أركان عقد الزواج الشرعي، ولا شرطاً من شروط صحته أو نفاذه، بل لا يعدو توثيق الزواج أن يكون شرطا لسماع الدعاوى الناشئة عن عقد الزواج أمام القضاء عند الإنكار، ولا يمتد أثره إلى حق الأبناء في ثبوت نسبهم أو تحديد بياناتهم، ومنها البيان الخاص بالجنسية. لذلك فالزواج الشرعي يقوم بالرضا والإشهار وليس بالتوثيق، والزواج العرفي لذلك زواج شرعي متى توافرت أركانه وشروط صحته ونفاذه ، وما التوثيق الذي تطلبه المشرع المصري لسماع الدعاوى الناشئة عن عقد الزواج إلا وسيلة لحفظ حقوق الزوجة، إذا جرى إنكارها من قبل الزوج. أما إذا لم يحدث إنكار لهذه الحقوق أمام القضاء، فتسمع دعاوى الزواج، ولو كان عرفياً لم يجر توثيقه بمعرفة الموظف المختص.

كما استند حكم المحكمة الإدارية العليا إلى حقوق الطفل المكرسة، وطنيا ودولياً، وهي حقوق تشكل في المقابل التزاماً على الدولة وعلى الوالدين. وأولى هذه الحقوق حقه في الحصول على الجنسية المصرية لكل من يولد لأب مصرى أو لأم مصرية، والاعتراف القانوني به، ومنحه أوراقا رسمية ثبوتية، حماية للطفل ولبنيان المجتمع. ومن ثم يكون لزاماً على الدولة، في كل ما تتخذه من إجراءات حيال الطفل، أن تتحرى تحقيق المصلحة الفضلى له، وأن تستهدف رعاية حقوقه المقررة دستورياً، والتي غدت حقوقاً شخصية للطفل بوصفه كذلك، لا يجوز الانتقاص منها أو التعدي عليها بأي قانون تتخذه الدولة.

ولما كانت مصلحة الأحوال المدنية قد استخرجت لابنة المطعون ضدها شهادة ميلاد، تثبت فيها أن الطفلة مولودة لأب سعودي وأم مصرية، فلا يسوغ للجهة الإدارية الطاعنة أن تنال من نسبة الإبنة إلى الأم المطعون ضدها التي تحمل الجنسية المصرية، بحيث يكون من أسباب رفضها منح الجنسية المصرية للإبنة أنها نتاج زواج عرفي غير موثق رسمياً بين الأم المصرية والأب السعودي.

 

ثالثاً: الدروس المستفادة من الحكم:

على الرغم من المساواة القانونية بين الأب المصري والأم المصرية في حق منح الجنسية لأبنائهما منذ سنة 2004، والتأكيد الدستوري لهذا الحق في سنة 2014، إلا أن معاناة الأمهات المصريات المتزوجات من أجانب لا تزال قائمة، لا ينهيها فى كل واقعة على حدة إلا القضاء الإداري بأحكامه المكرسة لحقوق الإنسان، وحقوق الطفل بصفة خاصة، تحقيقاً لمصلحته الفضلى، التي هي العمود الفقري لكل الأحكام والنصوص الوطنية والدولية الخاصة بالطفل.

وترجع هذه المعاناة إلى قرار أصدره وزير الداخلية، بعد صدور القانون رقم 154 لسنة 2004 ، برقم 12025 لسنة 2004، بشأن بعض الأحكام المنفذة للقانون الجديد، والذي وضع شروطاً وإجراءات لكسب الجنسية المصرية لأولاد الأم المصرية المولودين من أب غير مصري، تسري بالنسبة للمولودين لأم مصرية وأب غير مصري، قبل أو بعد تاريخ العمل بالقانون 154 لسنة 2004، دون تفرقة بين الحالتين.

هذه الشروط والإجراءات لم ترد في القانون المذكور، بل قصد بها إفراغ القانون من مضمونه، والقضاء على العديد من المزايا التي هدف المشرع إلى تحقيقها بتعديل قانون الجنسية، لإقرار المساواة التامة بين الأب المصري والأم المصرية في حق منح الجنسية لأبنائهما المولودين من الزواج الشرعي، موثقاً كان أو غير موثق.

وفي ظل هذا التقييد لنصوص القانون، يظل القضاء الإداري هو الملاذ الأخير للأمهات المصريات المتزوجات من غير مصريين، لتأكيد حق أبنائهن في التمتع بالجنسية المصرية، بالشروط والضوابط التي وردت في القانون، دون قيد أو شرط لم يرد صراحة في القانون. وعلى الرغم من مضي ثلاث عشرة سنة على صدور القانون الذي سوّى بين الأب والأم في حق منح الجنسية لأبنائهم، وما يفترض في الجهة الإدارية من الالتزام بأحكام القضاء، إلا أن الدعاوى لا تزال ترفع أمام محاكم القضاء الإداري، ويطعن فيها من قبل وزارة الداخلية ومصلحة الهجرة والجوازات والجنسية (قسم الجنسية)، استناداً إلى دفوع غير منتجة من جهة الإدارة، التي يفترض فيها أنها خصم شريف في الدعوى بمختلف مراحلها الإجرائية، وأن جل شغلها هو إنفاذ القانون وتطبيق صحيح أحكامه، إعلاءً للمشروعية ولسيادة القانون. لكن الإنصاف يقتضى أن نسجل أن هناك عديد الحالات التى يصدر فيها وزير الداخلية قرارات بمنح الجنسية لأبناء المصرية من آباء غير مصريين، الذين ولدوا قبل صدور القانون. ومع ذلك، يوجد اتجاه بدأ يطل برأسه نحو قصر حق التمتع بالجنسية المصرية، بالنسبة لأبناء المصرية من أب غير مصرى، المولودين قبل تاريخ نفاذ القانون، على الأبناء القصر دون البالغين.

لا شك في أن حق الدولة في التأكد من هوية من يحمل جنسيتها، وأحقيته في أن يصبح من مواطنيها هو حق أصيل لكل دولة. لكن بعد صدور الدستور المصري الحالي، الذي جعل الجنسية المصرية الأصلية حقاً دستورياً، لم يفوض المشرع في تنظيمها، بل فوضه في تحديد شروط اكتساب الجنسية المصرية (التجنس)، يكون على جهة الإدارة أن تخفف من القيود التي كانت مفروضة على أبناء الأم المصرية لأب غير مصري منذ صدور القانون وحتى الآن، ومنها ما كانت تفرضه الجهة الإدارية على أبناء المصرية من أب فلسطينى الجنسية، قبل أن يتدخل القضاء الإداري وينصف الأم المصرية فى هذا الخصوص.

وتعد الواقعة التي صدر بشأنها الحكم محل التعليق، نموذجاً للقيود التي تفرضها جهة الإدارة على المواطنة المصرية التي ترغب في تمتع أطفالها بجنسيتها المصرية الأصلية. فالقانون قرر منح الجنسية المصرية لأبناء الأم المصرية المتزوجة من غير مصري، دون استثناء للمولودين لأب عربي، متى كانت الأم مصرية ثابتة جنسيتها. وقد تأكد من الحكم أن المطعون ضدها مصرية الجنسية، ومولودة بالقاهرة، وتحمل بطاقة الرقم القومي، وتقدمت بطلب للجهة الإدارية لإثبات تمتع ابنتها القاصرة بالجنسية المصرية، ولم توجد ثمة أسباب جدية، دفعت بها الجهة الإدارية تتعلق بالأمن القومى والمصلحة العليا للبلاد، تحول قانوناً دون حصول الإبنة القاصرة على الجنسية المصرية، واضطرت المواطنة للجوء إلى القضاء الإداري لتحصل على حق ثابت لها، لم تتمكن من الحصول عليه عن طريق الجهة الإدارية المختصة.

لا نشك في أن بيروقراطية جهات الإدارة المصرية، التي تدفع المواطنين إلى اللجوء للقضاء للحصول على أبسط حقوقهم الدستورية والقانونية، هي أحد أهم أسباب بطء التقاضي وتأخر الفصل في المنازعات, فالمواطنة رفعت دعواها في سنة 2007 ولم تحصل على حقها مؤكدا بصفة نهائية إلا في سنة 2017، وقد تتعنت الجهة الإدارية فى التنفيذ، فتكلف المحكوم لها سنوات إضافية حتى تتمكن من تنفيذ الحكم القضائى.

 وهكذا يتحمل القضاء المصري مسؤولية إصلاح أخطاء أجهزة الدولة البيروقراطية، وتحمل تبعات تعنتها، وهو ما يمثل عبئاً على القضاة، يستتبع بالضرورة تعطيلاً للفصل في القضايا، وتأخيرا غير مبرر لحصول المواطنين على حقوقهم الدستورية، وهو تحد من أهم التحديات الحقيقية التي تواجه القضاء المصري وتحد من فاعليته، وينبغى على سلطات الدولة أن تتصدى لمواجهته.