منذ صدور مرسوم التشكيلات، يبدو القضاء اللبناني وكأنه دخل في فترة قاتمة. فما أن أفاق الرأي العام وعدد من القضاة (غير المستفيدين) من صدمة (صفقة) "اللوائح الحزبية الثلاث"، حتى هلّ مهرجان افتتاح السنة القضائية (27/10/2017) بازدواجيته ووجهيه: وجهٌ عابس يهدّد القضاة الذين قد تسوّل لهم أنفسهم التغيب احتجاجا على هذه الصفقة وانتصارا لاستقلالهم، ووجهٌ باسم يتملق ويجامل الرؤساء والوزراء وكلّ من توّجته السياسة فلا "يعلو على جبينهم جبين" (عبارة مقتبسة من نشيد الحفل). وجهٌ مرعب يصرخ في وجه القضاة بهدف الإمعان في استتباعهم، ووجه وديع مطلو بالمراهم التجميلية، يمجّد الرؤساء والوزراء ويعطيهم صفات غير صحيحة وغير مستحقة (ورد وصف بروفسور لوزير العدل أكثر من مرة) بهدف إعلاء شأنهم والتطبيع مع ممارسات الخضوع لهم. فكيف يخجل قاضٍ من تبعيته لزعماء نمجّدهم في قلب قصر العدل، بأرقّ الكلمات وبأجمل الأغاني ونزينهم بأعلى الرتب العلمية؟ كيف يخجل قاض من أن يكون من أتباع زعيم وأن يأتمر بأوامره في زمن بتنا فيه نكرّم التبعية والوضاعة وحدهما وندين الاستقلالية والكفاءة؟

وما أن مرّ مهرجان افتتاح السنة القضائية، حتى بادر النائب العام التمييزي ومن بعده مجلس القضاء الأعلى إلى مطالبة القضاة المشرفين على مجموعة الواتساب (وهي نفسها المجموعة التي خاض القضاة بفعلها معركة صندوق تعاضد القضاة) إلى إغلاقها، بعدما راعهم ما تداول القضاة عليها من انتقادات للتشكيلات وللمهرجان، أو ربما بعدما راعهم كما في كل مرة، تداعي بعض القضاة لإنشاء نادٍ يحصّنهم في مواجهة التدخلات السياسية التي ما فتئت تتضخم وتكبر. وأمام رفض أحد المشرفين على مجموعة الواتساب إغلاقها، تم استدعاؤه اليوم أمام مجلس القضاء الأعلى الذي طالبه مجددا بوقف المجموعة أو على الأقل الانسحاب منها، وكل ذلك بلهجة آمرة متوعدة لا تترك مكانا للنقاش. كما علمت المفكرة أنه تمت دعوة إحدى القاضيات إلى جلسة أمام مجلس القضاء الأعلى لتجرئها على انتقاد الأعمال الفنية المقدمة في المهرجان على صفحة الفايسبوك. ومن هذه الأعمال، النشيد الذي يُشده من يسمعه بلغته المتملقة والركيكة والساذجة وبكلمة أخرى هابطة أو المنحوتة التي تنطق ب"اللغة الخشبية".

أمام تصرفات كهذه، يجدر تذكير المعنيين جميعا، أن تمتع القضاة بحريات التعبير والتجمع وإنشاء جمعيات هو ضمانة أساسية من ضمانات استقلاليتهم المكرسة في ميثاق الأمم المتحدة حول مبادئ استقلال القضاء، وأن أي مس بهذه الضمانة إنما يشكل تعديا جديدا على استقلال القضاة وعلى فكرة الدولة التي لا مجال لقيامها من دون هذا الاستقلال. فحذار أن نبني جاهنا على أنقاض القضاء والدولة.