دعى طلاب الدراسات العليا، أعضاء نادي Boldy G-AUB"" في الجامعة الأميركية، إلى تظاهرة طارئة يوم الثلاثاء في 22 تشرين الثاني عند الساعة الحادية عشرة أمام الباب الرئيسي للجامعة. تضمنت الدعوة المذكورة شرحاً مفصلاً عن السبب للتحرك وهو "مطالبة إدارة الجامعة بإزالة تحذيرات العميد على الفور. وإعادة فتح الحوار مع طلاب الدراسات العليا المشاركين في الحملة حول دفع رواتبهم". واعتبر الطلاب في بيانهم أن "قرار الإدارة معاقبة الطلاب على التعبير سلمياً عن مطالبهم من خلال وضع خيمة في مبنى الدراسات العليا للجامعة يشكل سابقةً خطيرة لجميع أعضاء مجتمع الجامعة. وينتهك حرية التعبير والتجمع اللتين تشكلان الركيزتين الأساسيتين لأي مؤسسة ديمقراطية". ختم الطلاب بيانهم بالتأكيد على مطلبين أساسيين هما "إعادة المنح الدراسية لطلاب الدراسات العليا فوراً، وتأمين ظروف عمل عادلة لجميع طلاب الجامعة".
حاولت المفكرة الإتصال بكل من عميد الطلاب طلال نظام الدين ورئيسة شؤون الطلاب ميرا الزين، لنقل وجهة نظر الجامعة في هذه القضية، غير أن التواصل قد تعذر رغم تكرار المحاولة وإحالتنا بين عدة أشخاص. وقد تم الإكتفاء بما تمكنا الحصول عليه من مراسلات الجامعة للطلاب.

مطالبنا: أجور عادلة، وتحسين في ظروف العمل

يشرح الطلاب بدايةً أن "نظام المنحة المذكور هو كناية عن عقود عمل بين الطلاب والإدارة". تساعد هذه المنحة الطلاب لدفع جزء من أقصاتهم الدراسية، كما أن البدل المالي الرمزي الذي يتقاضونه يساعدهم في تغطية جزء من مصاريفهم. في أيار 2017 قررت الإدارة التوقف عن دفع أية بدلات مالية للطلاب المستفيدين من المنحة المذكورة. لاقى القرار معارضة واسعة من قبل الطلاب، فنظّم طلاب الماستر في الجامعة تحركاً، تجسد بإنشاء نادي Blodly G-AUB خيمة وإقامة عريضة للمطالبة بظروف عمل عادلة. تتمحور التحركات حول أربعة مطالب أساسية هي التالية:

1. العودة عن قرار الامتناع عن دفع أجور للطلاب المستفيدين من المنحة. ورفع قيمة الرواتب الشهرية بشكل يتناسب مع تكلفة المعيشة في بيروت (400$)، كحد أدنى وهو أقل تقدير متاح،

2. السماح للطلاب سواء بدوام كامل أو بدوام جزئي بالعمل خارج مساعدية الدراسات العليا، وذلك لتغطية تكاليف المعيشة الأساسية.

3. توحيد السياسات والعقود بين مختلف الكليات والإدارات، وجعلها لمدة سنتين بحيث لا تجدد فصلياً.

4. إعفاء طلاب المنحة من رسوم الجامعة، والتي تصل إلى ما يقارب 400$ للفصل الدراسي (بما في ذلك التأمين الصحي، ورسوم النشاط الاجتماعي).

لا تراجع حتى تحقيق المطالب

في هذا الإطار يعتبر مرتضى، وهو طالب ماستر في الجامعة الأميركية "أن ظروف العمل غير عادلة، فيظهر ذلك جلياً من خلال تغير وعدم ثبات ووحدة شروط العمل في العقود، ناهيك عن الاختلاف الواضح بين ما تنص عليه العقود وكيفية تطبيقها". فوفق مرتضى "تنص العقود على أن عدد ساعات العمل تتراوح ما بين 14 و 20 ساعة، إلا أنه فعلياً دائما ما يعمل الطلاب أكثر من 20 ساعة".

كثرت التحركات واللقاءات بين الطلاب وإدارة الجامعة على أمل التوصل إلى حل يرضي الجميع. شعر الطلاب بالتفاؤل إثر تجاوب الإدارة المبدئي، فاعتبر مرتضى من الإيجابي" أن الإدارة طلبت من الطلاب إعداد برنامج لشروط العمل". وقد أعد الطلاب البرنامج، لكن الإدارة عادت ورفضته وهو ما أدى إلى إحباط الطلاب مجدداً. على الرغم من ذلك، استكملت الاجتماعات بين الطلاب والإدارة، لكنها بحسب تالا مخول، وهي طالبة ماستر أيضاً "كانت اجتماعات بلا جدوى". وقد أحس الطلاب أن الإدارة غير جدية بتعاطيها مع مطالبهم. تقول مخول " شعرنا أن الجامعة تماطل لكسب الوقت، فمنا من سيتخرج بعد هذا الفصل ومنا من لايزال أمامه فصل أو فصلين". هذا الواقع دفع الطلاب إلى نصب خيمة "تأكيداً على جدية المطالب ولنشر الوعي حول القضية".

يقول أحد الطلاب "وضعنا هذه الخيمة الإثنين الماضي، طوال هذه الفترة، ولم يصدر قرار واضح عن الإدارة حول كيفية التعامل مع الطلاب". يضيف: "في هذه الفترة كان الرئيس خارج الجامعة، أما عميد شؤون الطلاب فلم يصدر عنه أي تعليق". أما فيما يخص العلاقة مع رجال الأمن، فأكد مرتضى "أن رجال الأمن كانوا لطفاء كثيراً معنا، ولم يصدر منهم أي إنذار أو تذمر. وبقي الحال على ماهو عليه لأسبوع كامل، حيث كنا نتواجد دائماً في الخيمة".

لكن الأمور بدأت تتبدل عند مساء الأحد بتاريخ في 19 تشرين الثاني، حيث لاحظ الطلاب إختالافاً في التعامل من قبل رجال الأمن. وفي صباح اليوم التالي تفقد رئيس الجامعة الدكتور فضلو خوري الخيمة حيث تصرف "بأسلوب غير لائق" وفق وصف الطلاب. تقول مخول "تصرف الرئيس بعصبية، إذ تهجم على الطلاب الموجودين في الخيمة وأقدم على التقاط الصور لهم دون موافقتهم وأنّبهم قائلاً إنهم يشوهون أملاك الجامعة، معتبراً أن تصرفهم هذا عار، ينم عن قلة أدبهم، متسائلاً ما إذا كانوا يشوهون أملاك أهلهم وبيوتهم؟" تضيف مخول "للأسف لم نتمكن من توثيق ما بدر من الرئيس عبر صور أو فيديوهات"".    

بعد زيارة الرئيس للخيمة، ورد إلى الطلاب عند الساعة 12:30 ظهراً رسائل إلكترونية من قبل الإدارة تطلب فيها إزالة الخيمة في مهلة أقصاها الساعة الثانية من بعد الظهر تحت طائلة اتخاذ الإدارة التدابير اللازمة. عندها شعر الطلاب بغضب شديد جراء أسلوب الإدارة في التعامل معهم، وقرروا عدم الإستجابة لطلب إزالة الخيمة لأن مطالبهم لم تتحقق، فأقام الطلاب إثر ذلك مظاهرة صغيرة غير محضرة وعفوية.

ذهبت الجامعة أبعد من ذلك في إجراءاتها، فأرسل العميد عند الساعة الخامسة من بعد ظهر يوم الإثنين رسائل للطلاب الست يعلمهم بأن الإدارة قررت حرمانهم من المنحة التي يتمتعون بها بسبب عدم الامتثال إلى القرارات الإدارية. يوضح مرتضى "أن الرسائل أرسلت بشكل عشوائي فاحدى الطالبات التي تلقت التحذير لم تكن في لبنان طوال فترة وضع الخيمة". مضيفاً "كان من المنطقي أن يطال الإنذار فقط الطلاب الموجودين في الخيمة الممتنعين عن الإستجابة لأوامر الجامعة". مع العلم أن الطلاب المتواجدين في الخيمة طوال الفترة المذكورة كان عددهم 60 شخص وكانوا من فروع مختلفة. وقد وصلت هذه الرسائل، وفقاً لمخول إلى 15 طالب.

وصل التصعيد لذروته ليلة الإثنين عند الساعة 12:30 حيث أقدم 7 عناصر من رجال الأمن على إزالة الخيمة بشكل وحشي وأقدموا على تسكير كل مداخل الجامعة لمنع الطلاب من القدوم ومساندة زملائهم المعتصمين في الخيمة. وقد بقيت أبواب الجامعة مقفلة حتى اليوم التالي.

يعتبر مرتضى أن "هذا النوع من القرارات غير مألوف ويحدث للمرة الأولى في الجامعة"، أما مخول

فتؤكد أنها "ليست المرة الأولى التي تنصب فيها خيمة في الجامعة". وكمثال، يذكر مرتضى "بالخيمة التي نصبت في الجامعة لمدة أسبوعين عند إعتراض الطلاب على قرار الجامعة الذي قضى بعدم تغطية النفقات الطبية للطلاب الذين تعرضوا لأذى أثناء المشاركة في الحراك المدني". وفي هذا الإطار، يشدد الطلاب على أنهم لم يخالفوا نصوص النظام الداخلي للجامعة لأن الخيمة لم تشكل عائقاً ولم تسبب أي نوع من الإزعاج أو التشويه للجامعة.

إستعادة المنح مقابل تناسي المطلب الأساس

بهدف إقامة إحتفال العلم بمناسبة عيد الإستقلال، حاولت إدارة الجامعة الحد من حدة التصادم مع الطلاب. فحاولت نائبة رئيس شؤون الطلاب ميرا زين الدين، إقناع الطلاب بعدم التصعيد وتمنت عليهم فك الاعتصام بانتظار ما سيتقرر في الاجتماع الذي سيعقد مع عميد شؤون الطلاب الدكتور طلال نظام الدين، مساء الثلاثاء. لكن إقتراح زين الدين لم يحظى باعجابهم لاسيما أن نظام الدين لم يَعد الطلاب بالتراجع عن قرار وقف دفع الرواتب الشهرية للمعيدين، وهو الدافع الأساسي لتحركهم. بل على العكس من ذلك، إكتفى بوعدهم بالبحث في موضوع التراجع عن سحب المنح منهم، أي إعادة النظر بالإجراءات المتخذة على خلفية اعتصامهم. وهو ما يشكل محاولة لتفريغ الإعتصام من أهدافه من خلال إلهاء الطلاب والضغط عليهم بإمكانية خسارتهم للمنحة ككل، أي بمستقبلهم الأكاديمي.

إذن لم يتجاوب الطلاب مع الإدارة معتبرين أنهم اكتفوا "من الإدارة وقراراتها التي ترجمت بإستخدام القوة وقلب الخيمة فوق رؤوسهم وحان الوقت لإسماع صوتهم". فرددوا خلال الاحتفال الذي نظمته الجامعة وبحضور نظام الدين هتافات تعبر عن ضرورة سماع الإدارة لمطالبهم مثل"can you hear us now?" (هل أنتم قادرون على سماعنا؟) و "this is what democracy looks like" (هكذا تكون الديمقراطية).

لاحقاً، بتاريخ 24 تشرين الثاني، تلقى الطلاب رسائل إلكترونية بررت فيها الإدارة قرارتها على أنها "إجراءات سبقتها تحذيرات كثيرة لم يمتثل لها الطلاب. وقد استنكرت الإدارة توقيت التحركات التي لم يطلب إذن مسبق لها في حين كانت الإدارة تعمل مع الطلاب لتحسين ظروف عملهم". إلى ذلك أكدت الجامعة أن "قانونها الداخلي يمنع وضع اي شيء في الحرم دون إذن. ما يجعل الخيمة غير شرعية وممنوعة". بالمقابل أصدر الطلاب بياناً يبين المغالطات الواردة في البيان لاسيما لناحية تلقيهم إنذارات مسبقة، حيث نفوا حصول الأمر كلياً.

هذا وأكد الطلاب في البيان نفسه عزمهم تحقيق مطالبهم الأصلية. وقد خلص البيان إلى اعتبار أن "إستعادة الطلاب منحهم هي استجابة غير كافية، ذلك أن إلغاء منح من قبل الإدارة هو بالأساس عمل غير شرعي ويشكل انتهاكاً لسياسات الجامعة". علاوة على ذلك، اعتبر الطلاب أن "تحذيرات العميد التي طالت 13 طالباً تشكل بحد ذاتها أعمالاً تخويفية طالتهم في حين أنهم كانوا يتفاوضون باحترام مع الإدارة لعدة أشهر".

التعبير عن الرأي يحتاج إلى موافقة الإدارة المسبقة

عملياً، تستند الإدارة في قراراتها القمعية على النظام المسلكي الخاص بالطلاب الذي ينص على أن توزيع أي نشرة أو تنظيم أي إحتجاج يجب أن يحظى بموافقة الإدارة نفسها. يعتبر أحد الطلاب أن "هذه السياسة تقيد حرية الكلام والتجمع". إلى ذلك فإن "خرق هذه القوانين لا يبرر التدابير القصوى التي اتخذتها الإدارة". بالتناغم مع هذا الرأي يهتف الطلاب بعبارة   "shame on you"(عار عليكم) تعبيراً منهم عن خيبة أملهم بأداء الإدارة المنافي لمبادئ الديمقراطية ولحقوقهم الأساسية في عقود عملهم على الأقل.

هذا ويذكر الطلاب في هذا الإطار بالعديد من الاحتجاجات التي جرت في السنوات السابقة بشأن الزيادات في الرسوم الدراسية والتي لم تحصل على إذن من الجامعة. الأمر الذي يدفعهم الى إعتبار "إجراء الإدارة الحالي، عبارة عن عمل تخويفي". حيث أنه "لايمكن معاقبة من يطالب بتحسين ظروف العمل بصرفه من العمل". والحال أنهم، أي الطلاب، يعيشون الآن حالة من القلق العميق الذي يهدد مستقبلهم، لأن القرار المذكور يعتبر طرداً غير مباشر لهؤلاء الطلاب، العجزين عن دفع الأقساط دون المنحة.

حراك طلاب المنح في الأمريكية يعيد العمل النقابي الطلابي

في 27 تشرين الثاني، تجمع طلاب من الجامعة اللبنانية، اللبنانية الأمريكية، واليسوعية، بالإضافة إلى خريجي الجامعة الأمريكية وقطاع الطلاب في اتحاد الشباب الديمقراطي، في شارع بليس أمام مدخل الجامعة الرئيسي. ونظم التحرك "رفضاً لأن يكون القمع نموذجاً للتعاطي مع الطلاب، وتأكيداً على المطالب المحقة لتحرك  Boldly G-AUB، وإيماناً بقوة الطلاب عند الإتحاد".

وقد أصدر الطلاب من الجامعات المختلفة بياناً عبروا فيه عن "مساندة طلاباً طالبوا بأبسط حقوقهم لكي يمارسوا عملهم الأكاديمي بشكل طبيعي. إذ أنهم لا يأخذون المال منة من أحد، لكنه حق لهم، وعندما رفعوا صوتهم للمطالبة بهذا الحق. مارست الإدارة القمع والعنف غير المبرر تجاههم وسحبت منهم المنح كوسيلة ضغط وابتزاز".

وقد وصف المعتصمون في بيانهم أن تحركهم هذا يعبر عن "وعي الطلاب بأن بوحدتهم وتكاتفهم سيبنون حركة طلابية وطنية تتوحد فيها كل جهود المستقلين واليساريين من أجل: حماية الجامعة اللبنانية التي تؤمن التعليم الرسمي المجاني، وحماية حقوق الطلاب في كل الجامعات الخاصة".

وقد استمعت المفكرة  إلى ممثلين عن الجهات المشاركة في الاعتصام فأكد ناجي أبو زيد من الجامعة اليسوعية أن التحرك يهدف "لإعادة لم شمل الحركة الطلابية المستقلة، ولإعادة إحياء العمل النقابي الطلابي". ويشير زيد إلى أن "التحرك اليوم يعتبر بحد ذاته قاعدة لمزيد من التحركات، وخطوة نحو الأمام في مجال حقوق الطلاب". في سياق مشابه يصف مسؤول قطاع الطلاب في اتحاد الشباب الديمقراطي التحرك على أنه "خلق حلقة ربط بين الطلاب اليساريين والمستقلين لتوحيد الحركة الطلابية الوطنية المطالبة بحقوق الطلاب". أما تيسير زعتري من الجامعة اللبنانية فيشير إلى أن عدداً كبيراً من خريجي الجامعة اللبنانية يستفيدون من هذه المنحة لدراسة الماستر في الجامعة الأميركية، والأهم هو أن نساند كل طالب يطالب بحقوقه". وينتهي إلى القول أن "الوقت حان لإعادة تفعيل القطاع الطلابي الذي كان عنصراً فعالاً وأساسياً بين عامي 1952 و 1974".

هذا وأشار المنظمون إلى أن مشاركة الجامعة اللبنانية أساسية في هذا النوع من التحركات "لأن المشاكل في الجامعة اللبنانية على اختلاف أسبابها المادية، المعنوية، السياسية والطائفية، تحول دون انتساب الطلاب إليها. ما يدفعهم لارتياد الجامعات الخاصة التي تستغل ذلك لمصلحتها. فتنشئ مشاكل كالتي نواجهها اليوم في الجامعة الأمريكية".