تسمح الإدارة اللامركزية بإشراك المواطنين في تسيير شؤونهم بأنفسهم، خاصة أن الإدارة المركزية لم تعد تغطي كافة الشؤون العمومية ذات الطابع المحلي بالنظر لتنامي انشغالاتها. و تتميز هذه الإدارة بالطابع الديمقراطي كونها تقوم على الانتخاب لا التعيين، مما يطرح مسألة النزاهة والإشراك الفعلي للمواطنين في اختيار من يمثلهم. إن الإنتخابات المحلية الأخيرة التي تمت بتاريخ 23 نوفمبر 2017 تطرح اشكالية النزاهة والشفافية التي طالما يجري الحديث عنها في مثل هذه المناسبات السياسية، في ظل اصلاحات شرعت فيها الدولة منذ فترة لتحسين المناخ السياسي والديمقراطي عبر تعديل قوانين واعتماد أخرى، بالإضافة إلى إنشاء هيئات.

قانون الانتخابات الجديد: تراكم للإصلاحات

عرف التحول السياسي منذ دستور 1989 نقلة باعتماد التعددية السياسية ومن ثم اعتماد نمط اقتراع جديد بالنسبة للمجالس الشعبية البلدية والولائية يتمثل في الاقتراع النسبي على القائمة. وهو نمط يمنح الأفضلية للأحزاب التي حصلت قوائمها على أكبر عدد من الأصوات مع منح فرصة التمثيل للأحزاب الصغيرة. وبقي هذا الحل معتمدا في دستور 1996. ويشار إلى أن القانون العضوي للانتخابات المعتمد سنة 1997 كان محل تعديلات متتالية في 2003 و2007، تمثلت في إقصاء القوائم التي لم تحصل على 7% على الأقل من الأصوات المعبر عنها من الحصول على مقعد، وهو الأمر الذي تم تبريره باستبعاد التشكيلات السياسية التي لم يعد لها تمثيل في الواقع. وقد اعتبرته بعض الأحزاب كإجراء عقابي تجاهها. ومن أهم الإصلاحات التي يمكن الإشارة إليها هو اعتماد القانون العضوي رقم 12- 03 الذي يحدد كيفية توسيع حظوظ تمثيل المرأة في المجالس المنتخبة الذي جاء على إثر التعديل الدستوري لسنة 2008، في إطار ترقية الحقوق السياسية للمرأة وتحقيق المناصفة، و الذي جاء مع اعتماد قانون جديد للانتخابات في نفس الدورة التشريعية. مما جعل الفقه والسياسيين يعتبرون أن عدم الإستقرار التشريعي أصبح ميزة أساسية في الفترة الأخيرة. وقد استمرت الإصلاحات باعتماد قانون عضوي جديد للإنتخابات  رقم 16-10 تماشيا مع التعديل الدستوري الحاصل في ربيع 2016،  والذي أعاد النظر في سقف الإقصاء، معتبرا أنه في حالة عدم حصول أية قائمة مترشحين على نسبة 7%، تقبل جميع قوائم المترشحين لتوزيع المقاعد.

أكد قانون الانتخابات الجديد على ضمانات جاء بها القانون السابق، سواء قبل الانتخابات أو أثناءها أو بعدها، منها ضرورة تنقية القوائم الانتخابية قبل فترة من إجراء الانتخابات قصد ضمان مقروئيتها وسهولة استعمالها، وإلزام أعضاء مكاتب التصويت والأعضاء الإضافيين بأداء اليمين، كما يثبت تصويت الناخبين بوضع بصمة السبابة اليسرى على قائمة التوقيعات بحبر لا يمحى، إضافة إلى حق الطعن الإداري والقضائي في حالة المنازعات الانتخابية، واحتوى جملة من الضمانات الجديدة من شأنها تحقيق نزاهة أكبر للعملية الإنتخابية منها التزام أعوان الإدارة بالحياد.

تعزيز الإشراف القضائي على الانتخابات

كان قانون الانتخابات في الجزائر حتى بعد اعتماد دستور التعددية الحزبية سنة 1989 يمنح مهمة الإشراف على الانتخابات للإدارة، الأمر الذي لم يكن يحقّق مبدأ الحياد وبالتالي نزاهة وشفافية الانتخابات بسبب حدوث عدة تجاوزات، مما أدى إلى إدخال إصلاحات على النظام الانتخابي. بدأ الإشراف القضائي على الانتخابات منذ اعتماد قانون الانتخابات لسنة 1997، إلا أنه كان مقتصرا على المرحلة اللاحقة للإنتخابات بالنظر في الطعون التي يقدمها المعنيون بالأمر. ويعد القانون العضوي للانتخابات لسنة 2012 أول نص كرس الإشراف القضائي الشامل على العملية الإنتخابية، سواء قبلها أو أثناءها أو في مرحلة لاحقة، بالنص على عدة لجان منها اللجنة الإدارية الإنتخابية التي تختص بالمراجعة العادية والاستثنائية للقوائم الانتخابية، يترأسها قاضي، مهمتها ضبط القائمة الانتخابية لمنع التلاعب بأصوات الناخبين. وقد تضمن القانون كذلك أحكاما تتعلق بالإشراف القضائي خلال عملية الإقتراع، بالنص على اللجنة الإنتخابية البلدية واللجنة الإنتخابية الولائية اللتين تشرعان في عملية الرقابة بعد انتهاء مكاتب ومراكز التصويت من عملها والمتمثل في فرز الأصوات والتوصل إلى النتائج التي تدون في محاضر الفرز وتسلم لهذه اللجان. ونص كذلك على اللجنة الوطنية للانتخابات التي تتشكل حصريا من قضاة، وتشرف على الانتخابات من تاريخ إيداع الترشيح إلى غاية نهاية العملية الانتخابية، ولقد تم إلغاؤها في قانون الإنتخابات الجديد.

الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات: هيئة دستورية دائمة

إلى ذلك، أنشأت الجزائر لجانا وطنية لمراقبة الانتخابات، تميزت بتشكيلتها السياسية كونها تضم ممثلي الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات وممثلي المترشحين الأحرار بالإضافة إلى الكفاءات الوطنية، يتم إحداثها بمناسبة كل اقتراع، و يكون لها فروع محلية على مستوى الولايات والبلديات.

أمام هذا الطابع المؤقت الذي لا يضمن الإستقرار لهيئة مراقبة الانتخابات، شككت أحزاب المعارضة في الجزائر في مصداقيتها ونادت بضرورة انشاء هيئة مستقلة لضمان نزاهة وشفافية الانتخابات. فقد استحدث التعديل الدستوري الأخير جهازا يتمثل في الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الإنتخابات، تترأسها شخصية وطنية يعينها رئيس الجمهورية بعد استشارة الأحزاب السياسية، وتتشكل بشكل متساو من قضاة وكفاءات مستقلة يتم اختيارهم من المجتمع المدني. وصدر القانون العضوي المتعلق بها بتاريخ 25-08-2016، حيث حدد عدد أعضائها ب 410، وأكد على استقلاليتها من خلال اشتراط ألا يكون الأعضاء المعينون بعنوان الكفاءات المستقلة منتمين لحزب سياسي أو يشغلون وظيفة عليا في الدولة. كما حدد ولاية الأعضاء بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، ومنح لها صلاحيات رقابية قبل الاقتراع  وأثناءه وكذلك بعده، بالخصوص فحص العرائض والاحتجاجات التي تتلقاها من مختلف الجهات.

الانتخابات المحلية ل 23/ 11/ 2017: الحصيلة و الدروس

بعد تحديد تاريخ الانتخابات المحلية، استدعى رئيس الجمهورية أعضاء الهيئة الإنتخابية، وتم الشروع في مراجعة القوائم الإنتخابية التي تمت في فترة قصيرة لم يتمكن العديد من المواطنين من التسجيل فيها، ثم تم فتح الترشيحات أمام الأحزاب والمترشحين الأحرار (المستقلين)، حيث شارك في انتخاب المجالس الشعبية البلدية 28 حزبا و10 قوائم للمترشحين الأحرار، في مقابل 29 حزبا وقائمتين للأحرار بالنسبة للمجالس الشعبية الولائية. تميزت الحملة الانتخابية التي دامت من 29 أكتوبر إلى 19 نوفمبر بفتور حسب تصريح رئيس الهيئة المستقلة، التي تعد الإنتخابات المحلية الأخيرة ثاني تجربة في ممارستها بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في 04- 05- 2017، كما تم تعليق ملصقات المترشحين دون احترام الأماكن المخصصة لها قانونا، مما يشير إلى نقص الوعي لدى التشكيلات السياسية وغيرها. أما عن نسبة المشاركة في الانتخابات، فقد بلغت حسب إحصاء وزارة الداخلية 46,83%، و هي نسبة ضعيفة حتى وإن أثنت عليها الحكومة مقارنة بنسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية الحاصلة بماي 2017 التي لم تتعدّ 35 %، بالنظر للأغلبية الصامتة التي لم تشارك في التصويت. وبينت النتائج المعلنة بعد عملية الفرز التي أدت إلى إلغاء مليوني صوت عن تصدر الحزبين الحاكمين لقائمة الحاصلين على الأغلبية المطلقة للمقاعد في المجالس المنتخبة، وتراجع كبير لأحزاب التيار الإسلامي.

كما صرح السيد عبد الوهاب دربال رئيس الهيئة العليا المستقلة بأنه راض عن الطريقة التي تمت فيها هذه الانتخابات المحلية، خصوصا أن الأحزاب السياسية كانت حاضرة بقوة في مراقبة مكاتب التصويت مما أسهم في إجراء الاقتراع في أحسن الظروف. إلا أن العديد من أحزاب المعارضة كان لها رأي مغاير، حيث شككت في حياد الإدارة ونددت بأعمال العنف التي جرت في بعض مكاتب التصويت، وبالتجاوزات الحاصلة مثل تغيير محاضر الفرز. اعتبر رئيس هذه الهيئة الدستورية أنه تم استقاء العديد من الدروس من الانتخابات السابقة، والتي سمحت بوجود مصداقية أكبر وتراجع لحالات التزوير، كما أكد أن الشكاوى المتقدم بها تعد ضئيلة ولا تؤثر على صحة الانتخابات.

من المؤكد أن المجالس المحلية المنتخبة مؤخرا ستواجه تحديا كبيرا،  كونها ستباشر تسيير الشؤون المحلية في ظل أزمة مالية خانقة، ويقع عليها استعمال مبادئ الديمقراطية التشاركية بجعل المواطن يساهم في جميع مراحل اتخاذ القرار، في توجه نحو تكريس أكبر للديمقراطية مثلما نص عليه الميثاق الإفريقي حول الديمقراطية والانتخابات والحكم الذي صادقت عليه الجزائر في سبتمبر 2016، والذي قد يدفع قدما بالإصلاحات القانونية والهيكلية.

 

قائمة المراجع

1. الكتب: ناصر لباد، القانون الإداري، الجزء الأول:  التنظيم الإداري، الطبعة الثانية، 2011. // ياسين مزوزي ، الإشراف القضائي على الإنتخابات في الجزائر، الألمعية، الطبعة الأولى، 2015. // أحسن رابحي، الوسيط في القانون الدستوري، دار هومة، 2012.

2.المقالات: مصطفى بلعور، نحو نزاهة العملية الإنتخابية من خلال ضمانات قانون الإنتخابات رقم 12 / 01، دفاتر السياسة و القانون، العدد الثالث عشر، جوان 2015. // أحمد بنيني، الإشراف القضائي على الإنتخابات النيابية في ضل الإصلاحات السياسية في الجزائر، دفاتر السياسة و القانون، العدد الثامن، جانفي 2013.

3. النصوص القانونية: الدستور الجزائري المؤرخ في 28 نوفمبر 1996 المعدل في: 10- 04 -2002 ثم في 15- 11- 2008 ثم في 6 -3 -2016. // مرسوم رئاسي رقم 16- 255 مؤرخ في 27- 09- 2016 يتضمن التصديق على الميثاق الإفريقي حول الديمقراطية و الانتخابات و الحكم. // أمر رقم 97 -07  مؤرخ في 06- 03-1997 المتضمن القانون العضوي المتعلق بنظام الإنتخابات. // قانون عضوي رقم 12- 01 مؤرخ في 12- 01- 2012 يتعلق بنظام الإنتخابات. // قانون عضوي رقم 12- 03 مؤرخ في 12- 01- 2012 يحدد كيفيات توسيع حظوظ تمثيل المرأة في المجالس المنتخبة. // قانون عضوي رقم -16 10 مؤرخ في 25- 08 -2016 يتعلق بنظام الإنتخابات. // قانون عضوي رقم 16- 11 مؤرخ في 25- 08 -2016  يتعلق بالهيئة العليا المستقلة لمراقبة الإنتخابات. // النظام الداخلي للهيئة العليا المستقلة لمراقبة الإنتخابات، المعتمد في 22 -01- 2017.