أقرّ الدّستور الفرنسيّ الأوّل عقب ثورة 1789، أن للأمّة حق غير قابل للتقادم في تغيير الدّستور، حيث تهدف المراجعة الدّستوريّة في أي دولة إلى تطوير وتحيين الكتلة الدّستوريّة مع مختلف التطورات السوسيو اجتماعية، والمؤسّساتية، تكريسًا أكثر لمنظومة حكم توازن بين الحرية والسلطة. وفي هذا الاطار، جاء مشروع التعديل الدّستوريّ لعام 2016، استجابة لمطالب شعبية ونخوية بضرورة الاصلاح الدستوري في الجزائر.

يسعى التعديل الدستوري، كما جاء في عرض الأسباب إلى تعميق مسار بناء دولة القانون والمؤسسات، وتدعيم المنظومة الحقوقية. ومن بين أهم المواد التي عرفت جدلاً واسعًا على المستوى الفاعلين السياسيين، أو أفراد المجتمع وخاصة الجالية الجزائرية المقيمة بالخارج، المادة 51 المعدلة (المادة 63 ، حاليًا) ، حيث تم تعديل هذه المادة بإضافة حكم جديد ينص على منع مزدوجي الجنسية من تقلد المناصب أو الوظائف السامية داخل الدولة. واستجابة لمطالب من تيارات سياسية ، قام رئيس الجمهورية ، صاحب المبادرة ، بإضافة حكم جديد لهذه المادة ، من أجل رفع أي إلتباس قد يترتب عند المصادقة على هذا المشروع من قبل ممثلي الشعب، أي عند تطبيقه على أرض الواقع.

فالاشكالية التي طرحت بسبب هذه الإضافة تتمحور حول : مدى شرعية إضافة شرط دستوري لتقلد المناصب السامية في الدولة؟، حيث تفيد الفقرة الجديدة بأنه يمنع على مزدوجي الجنسية تقلد المناصب السيادية في الدولة، وهذا ما قد يشكل عائقًا أمام استرجاع الكفاءات الجزائرية المتميزة نوعًا وكمًا من الخارج، إذا لم يرفع الالتباس حول هذا الموضوع.

 وبمعزل عن مدى العدالة أو الأحقية أو الإنصاف، في عدم السماح لمزدوجي الجنسية في تقلد المناصب السامية من عدمه، يجب الإشارة إلى أن المؤسس الدستوري، والذي يقصد به في مفهومه البسيط "الشعب صاحب السيادة "، عن طريق الاستفتاء أو عن طريق ممثليه، ضمن جمعية تأسيسية أصلية أو فرعية، هو من يقر هذا الشرط أو " لا " يسمح بوجوده، ولكن المسألة الخلافية هذه أوسع من ذلك ، إلا أنه يجب التنويه إلى نقاط وأحكام مهمة ، ينبنى عليها حكم هذه المادة، وتتمثل في ما يلي:

أولاً: تكريس حق دستوري لمزدوجي الجنسية في تقلد الوظائف والمناصب غير السيادية

هذه المادة جاءت ضمن باب الحقوق والحريات العامة أي أنه يجب قراءة هذه المادة، قراءة إيجابية، ضمن رؤية حقوقية، ولا يستقيم الأمر، إلا إذا قرأنا المادة بمفهوم المخالفة، مما يتضح بأن المادة أقرت حكما دستوريا في حق مزدوجي الجنسية في تقلد المناصب والوظائف التابعة للدولة الجزائرية، بإستثناء  الوظائف السيادية، وهذا مكرس في أغلب دساتير دول العالم. ولكن التساؤل الذي يطرح هنا ما المقصود بالوظائف السيادية؟

ثانيًا: المقصود بالوظائف والمناصب السيادية

بدايةً لم يحصر المؤسس الدستوري، ولا المشرع الجزائري، على غرار بعض التشريعات المقارنة، قائمة الوظائف أو المناصب السيادية داخل الدولة بشكل واضح  وجلي، بغض النظر عن وجود بعض المراسيم التنظيمية التي تضع بعض الشروط في التعيين أو تقر ببعض الحقوق والوجبات لمن يتولى منصبا ساميا، ثم تم إقرار إضافة نوعية للمادة تتمثل في تحديد هذه الوظائف والمناصب السامية أو العليا المعنية .

 إن القراءة الأولية لطبيعة النظام الدستوري الجزائري، توحي بأن المناصب أو الوظائف السامية هي المقصود بها المناصب السيادية، والتي يعود لرئيس الجمهورية السلطة التقديرية في التعيين فيها بموجب مرسوم رئاسي، بالإضافة إلى بعض المناصب الأخرى التي يعود لرؤساء المؤسسات الدستورية اقتراح التعيين فيها، وللخروج من الإشكال الذي ينجر ، عن سوء فهم أو غموض الذي التبس على البعض، تم إقرار إضافة نوعية للفقرة المضافة من المادة 63 من الدستور، تفيد بأنه يتم تحديد هذه الوظائف أو المناصب بموجب القانون. ولكن هل يحل القانون هذا الإشكال؟ وما المقصود بلفظ "القانون"؟ هل يقصد به جميع القوانين أي المنظومة القانونية المعنية بهده الأسلاك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، على أساس أن المطلق يبقى على إطلاقه ما لم يقيد، أو سيتم إصدار نص تشريعي موحد يتم فيه تحديد وجرد قائمة بهذه الوظائف؟ يلاحظ بأن الفرض الثاني هو  الذي أخذت به الحكومة عن طريق تقديم مشروع قانون للبرلمان يحدد هذه الوظائف والمناصب العليا المعنية بعدم ازدواجية الجنسية، والتي شملت مسؤوليات عسكرية وأخرى مدنية، ويتعلق الأمر بكل : رئيس مجلس الأمة، رئيس المجلس الشعبي الوطني، الوزير الأول، رئيس المجلس الدستوري، أعضاء الحكومة، الأمين العام للحكومة، الرئيس الأول للمحكمة العليا، رئيس مجلس الدولة، محافظ بنك الجزائر، مسؤولي أجهزة الأمن، رئيس الهيئة المستقلة لمراقبة الانتخابات، قائد أركان الجيش الشعبي الوطني، قادة القوات المسلحة، قادة النواحي العسكرية، وكل مسؤولية عسكرية محددة عن طريق التنظيم. وقد تم المصادقة على هذا القانون بدون تعديلات تذكر.

ثالثًا: كيف يتم حل الإشكال الموجود في حكم المادة 63 من الدستور؟

إن المادة 63 من الدستور ، هي مادة حقوقية ، تكرس مبدأ أساسيا وهو تساوي الجميع في تقلد المناصب والوظائف السامية في الدولة، إن البحث عن حل لاستيفاء شرط عدم ازدواجية الجنسية لتقلد المناصب السامية، هو بالأساس البحث عن إجابة لاشكالية أعمق من ذلك ، وهي اشكالية تقلد المناصب والوظائف العمومية السامية داخل الدولة.  إن الإجابة عن هذا التساؤل هو إجابة عن تساؤل كيف يمكن تكريس الحق في تساوي الفرص ، والمساواة في الالتحاق بمناصب العمل ، البسيطة منها أو العليا ، مع إحاطة من يلتحق بالوظيفة السامية داخل الدولة بحماية دستورية لكي لا يتم مساومته في قراراته أو عمله.  لذلك، كان الأجدر ، في هذا الصدد، إقرار قانون عضوي ، وليس قانونا عاديا، يناط به ، تحديد الإطار أو النظام القانوني أو بالأحرى المركز القانوني لمن يتولى هذه المناصب والوظائف السيادية ، داخل الدولة، أي حصرها من جهة ، ومن جهة أخرى تحديد شروط ، وطريقة التعيين فيها، بدقة، وحقوق وواجبات من يعين فيها ، ويحبذ في هذا الإطار ، الأخذ بالتجارب المقارنة على غرار التجربة الأمريكية، فالنظام الأمريكي ، بالرغم من أنه دستوريًا ؛ نظام رئاسي، إلا أن الوظائف السيادية في الدولة، يتم التعيين بها، وفق إجراءات قانونية تراعي مشاركة كل من السلطتين التنفيذية والتشريعية في إقرارها، أي رئيس السلطة التنفيذية يقترح أسماء لتقلد مناصب سامية، ولجنة برلمانية، متخصصة، تقوم بدراسة السيرة والمسار المهني للمترشح الذي يزكيه رئيس الجمهورية، و لهذه اللجنة اختصاص الموافقة أو رفض الإقتراح، وهذا خروج من الإشكالية التي يطرحها البعض في الجزائر ، تحت مسمى ديمقراطية المناصب والمكاسب ، ولا يتم ذلك إلا بمراجعة جذرية للدستور الجزائري.