مثل أمس بتاريخ 4 كانون الثاني 2018، الإعلامي مارسيل غانم أمام قاضي التحقيق في جبل لبنان نقولا منصور، في الإدعاء المقدم بوجهه من قبل وزير العدل سليم جريصاتي إثر حلقة كلام الناس بتاريخ 10 تشرين الثاني 2017. وكان صحافيان سعوديان من ضيوف الحلقة اعتبروا رئيس الجمهورية ميشال عون ومجلس النواب نبيه بري ووزير الخارجية جبران باسيل "شركاء في الارهاب" بسبب موقفهم من حزب الله. تبعا لذلك، طلب وزير العدل سليم جريصاتي من النائب العام التمييزي سمير حمود إجراء التعقبات اللازمة بحق كل من مدير الأخبار في المؤسسة الإعلامية للإرسال جان فغالي والصحافيين السعوديين إلى جانب غانم.

أمس، مثل غانم للمرة الأولى أمام القضاء في هذه القضية، بعد شهرين حافلين بالبيانات الصحفية والأخذ والرد عبر وسائل الإعلام. وقد انتهت جلسته أمام قاضي التحقيق الأول بقبول مذكرة الدفوع الشكلية المقدمة من قبل الجهة المدعى عليها، وإرجاء الجلسة إلى 2 شباط 2018. في موازاة ذلك، تجمع عدد كبير من الإعلاميين من مختلف المحطات اللبنانية، أمام قصر العدل في بعبدا. كما شارك في الاعتصام عدد من السياسيين والمحامين. وبين المشاركين كان وزير الإعلام ملحم الرياشي. وجاء هذا التحرك إستجابةً لبيان صدر عن رئيس مجلس إدارة المؤسسة اللبنانية للارسال بيار الضاهر، والذي جاء فيه:

"بعد مرور نحو شهرين على بث حلقة الزميل مارسيل غانم من برنامج كلام الناس  في 9-11-2017، وبعد تطور الملف القضائي لهذه القضية، وتكشف معطيات تشير إلى أن هذا الملف لا يرتبط بالحلقة بحد ذاتها، ولا يهدف للتعرض إلى الزميل مارسيل غانم بشخصه، وإنما يهدف للمس المؤسسة اللبنانية للارسال إنترناسيونال، وعبرها بحرية الاعلام في لبنان، نتوجه إلى أمام قصر العدل في بعبدا (...) لرفع الصوت ورفض محاولة المس بالحرية" .

 

حرية الإعلام واستقلالية القضاء: توأمان

فور خروج غانم من الجلسة، صرّح وكيله المحامي بطرس حرب أن "الجلسة جرت كما تقتضي الأصول وقدمنا مذكرة الدفوع الشكلية التي رفضت سابقاً، وقبلها اليوم قاضي التحقيق".من جهته أوضح غانم أنهم بانتظار "بت القاضي بالدفوع الشكلية المقدمة من قبلهم ". كما أضاف أنه يستنتج من "تحديد تاريخ لجلسة ثانية، أن القرار سيكون برد الدفوع الشكلية وسيتم استجوابه في الجلسة القادمة".

وفيما اعتبر غانم أن التضامن معه هو تعبير عن رفض "كم الأفواه ودفاع عن الحريات"، وصف في  حديث لـ"المفكرة القانونية" قضيته على أنها "أكبر محاولة للتدخل بالقضاء". يضيف أن "هناك تدخل مباشر من قبل وزير العدل عندما يقول عبر شاشة التلفزيون ما هي الأسئلة التي سيتم طرحها على مارسيل غانم، هذا تدخل سافر".

والحال أن الحديث في قضية غانم منذ الأسبوع الأول انضوى تحت عنوانين أساسيين: حرية الإعلام والتدخل السياسي في القضاء. وهو ما أعاد إلى الواجهة قضية استقلالية القضاء كضمانة أساسية لحماية الحريات. وفي حين أنه بات معروفاً، أن القضاء اللبناني لا يتمتع بضمانات استقلالية، وأنه خاض خلال الصيف الفائت معركة في هذا المجال، لم تحظَ بالتغطية الإعلامية المناسبة رغم أهميتها، كان لا بد من سؤال غانم عن رؤيته للدور الذي يلعبه في هذا المجال منذ بدء مسيرته الاعلامية. في هذا السياق ذكّر الأخير انه أعدّ "حلقة استضاف فيها النائب (زياد الأسود) وقاضيا مستقيلا (جورج عقيص) خلال إعتكاف القضاة. فمن المعلوم أن القضاة العاملين لا يستطيعون الكلام". يضيف غانم في هذا المجال: "نحن حاضرون بشكل دائم لمواكبة هذه الانتفاضة القضائية إذا حصلت في لبنان بوجه كل محاولات السلطة السياسية للتفرد بالقضاء".

من جهته، أجاب الضاهر عن السؤال نفسه بالقول: "نحن اليوم نخوض هذه المعركة نيابة عن القضاء ضد التدخل السياسي في شؤونه". وفقاً لتعبيره:  "كنا ننتظر هذا العهد لنرى كيف سيتعامل مع هذه المسألة، فوجدناه - شي كسر وماشي-  (ما يعبر عن تراجع الامور بدل تقدمها)". وأردف أنه "في هذا العهد هناك –شي مش ظابط بالنسبة للقضاء".

هذا ويفسر الضاهر قوله بوجود تدخل سياسي في هذه القضية بتلمسه عدم اقتناع النائبة العامة في بعبدا غادة عون بالموضوع الذي تتكلم عنه "خلال اتصالي بها بعد خمسة أيام من إتصالها مع مارسيل إثر حلقته".وهو في هذا السياق يضيف مستغرباً: "القاضية عون تريد أن تسأل مارسيل كيف يدير حلقته؟".

أخيراً، يشدد الضاهر أنه "في مطلق الأحوال، إذا كان من موضوع لهذه القضايا يحتم عرضها على القضاء، فيجب أن تكون أمام محكمة المطبوعات وليس قاضي التحقيق".

 

استقلالية القضاء والحريات: هل هي المعركة الفعلية؟

البلبلة التي أثارتها قضية غانم كانت لافتة، في الوقت الذي تتزايد فيه الملاحقات على خلفية التعبير عن الرأي بشكل مطّرد، فضحا للفساد أو لمختلف أشكال الظلم والتعسف. وهو ما أوحى أن موقع غانم الإعلامي، وسلطته الناتجة عن هذا الموقع، كان له دور جوهري في دفع في القضية إلى موقع الصدارة، ربما أكثر مما هي قضية دفاع عن حرية الإعلام واستقلالية القضاء. لا سيما أن قضايا شبيهة كثيرة لا تلقى نفس الدعم، حتى من قبل الإعلاميين أنفسهم الذين احتشدوا اليوم أمام قصر العدل. فلم يسبق أن شهدت وقفات تضامنية مع صحافيين هذا الحضور لسياسيين ووزراء وإعلاميين، ولم تشهد أيضاً نفس التغطية الإعلامية. ومن هذه القضايا، تذكر قضايا شربل نحاس في معركته لفضح اعتداء شركة "سبينس" على النقابة التي أنشأها عمالها، وقضية "سكر الدكانة" بوجه مجلس الجنوب لفضح قضية فساد بملايين الدولارات وقضية الوزير نهاد المشنوق ضد الصحافي محمد زبيب لفضح عمليات مالية غير مبررة.

وقد تضمن الشهران السابقان محطات لا بد من التوقف عندها، وهي محطات تدلّ على عمق الأزمة بين الإعلام والقضاء، وهي أزمة عمل وزير العدل جريصاتي على إذكائها بدل التخفيف من حدتها:

-         أن غانم استهجن بداية المثول أمام القضاء، بشكل يلامس رفض المثول أمام القضاء. فقد أعلن الأخير عن موقفه هذا في خطابه الذي استهل فيه حلقة "كلام الناس" بتاريخ 16 تشرين الأول 2017. وتوجه فيه إلى القاضية عون بالقول : "تريدين إفادتي؟ ليس دور الاعلام الدفاع بل الحوار والضيوف يناقشون. إذا وجدتِ عنصراً جرمياً الرجاء الادعاء علي والتوجه الآن إلى مبنى الـ LBCI حتى من دون الاستماع إلى إفادتي. إنتهت الإفادة".  

-         لم يتردد وزير العدل من الظهور مراراً وتكراراً عبر وسائل الإعلام لإصدار مواقف حول قضية غانم. من بين هذه الردود، كان لافتاً رده على خطاب غانم في بيان جاء فيه أن "زمن العهر الإعلامي قد ولى". وقد عكس تهجم جريصاتي على هذا الوجه مسعى منه لفرض توجهات معينة على القضاء. وقد أدّت هذه المواقف إلى مزيد من التأزيم في العلاقة بين القضاء والإعلام.  

-         طلب حرب تنحية قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان نقولا منصور، وتقديم شكوى ضده أمام التفتيش القضائي. وذلك على خلفية رفض منصور إستلام مذكرة الدفوع الشكلية المقدمة من قبل حرب متذرعاً بانقضاء مهلة الأسبوع التي منحها للطرفين للتقدم بهذه الدفوع، بالإضافة إلى إنكاره صحة تمثيل غانم بوكيله (أي حرب) والإصرار على حضوره شخصياً. (وفقاً لما جاء في بيان صحفي عقده حرب في وقت سابق). ويلحظ أن قاضي التحقيق ذهب إلى حدّ إصدار مذكرة إحضار بحق غانم، وهو يعدّ إجراء غير اعتيادي في قضايا المطبوعات. إلا أن حرب ما لبث أن سحب طلبه رد القاضي بعد يومين من تسجيله، ليعود ويمثل أمامه غانم اليوم.

 إلى ذلك، يواجه غانم اليوم، الإدعاء عليه بالجرائم التالية: تدخل بجرم ذم رئيس البلاد عن طريق استضافة الفاعل الأصلي (الصحافي السعودي ابراهيم آل مرعي) وإفساح المجال أمامه لارتكاب جرم الذم من دون أي تدخل من قبله لمنع ذلك وفقاً لما هو منصوص عليه في المادة / 23 و26/ من قانون المطبوعات معطوفة على المادة /219/ الفقرة الرابعة والمادة /35/ من قانون البث التلفزيوني. كما أقدم على ارتكاب التحقير بموظف في حق وزير العدل سليم جريصاتي خلال برنامجه التلفزيوني في تاريخ 16/11/2017، الجرم المنصوص عنه في المادة /383/ عقوبات. وأقدم على مقاومة السلطة برفض الحضور أمام القضاء برفضه بيان كامل هويته، الجريمة المنصوص عنها في المادة /380/ عقوبات.