بتاريخ 4 /1/ 2018، أعلنت محكمة صلح رام الله هيئة القاضي رامز جمهور براءة المتهم الصحفي جهاد بركات من التهمة المسندة له. وتأتي هذه البراءة بعد اشهر من الملاحقة والاحتجاز على أساس شبهة ارتكاب أفعال تعاقبها مادة مشكوك في دستوريتها. وفيما يأتي هذا القرار ليضع حدا لمظلمة طال أمدها، فإنه يوسع في الآن نفسه من حرية نقد القيمين على الوظائف العامة.

 

كيف بدأت قضية بركات؟

في السادس من تموز من العام 2017، اعتقلت الأجهزة الأمنية الفلسطينية الصحفي جهاد بركات، مراسل قناة فلسطين اليوم، قرب حاجز عسكري احتلالي واقع على مدخل مدينة طولكرم في شمال الضفة الغربية المحتلة، وقد جاء هذا الاعتقال  كما صرح الناطق باسم الحكومة الفلسطينية  طارق رشماوي على خلفية قيام الصحفي جهاد بركات  بتصوير موكب رئيس الوزراء الفلسطيني بالقرب من مدينة طولكرم بشكل غير قانوني، مشيرا في تصريحه على وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا) إلى أنّ الأجهزة الأمنية كانت ترصد تحركات الصحفي بركات وزميل له منذ مدة طويلة، وأنّ الأجهزة الأمنية سوف تباشر التحقيق معهما وإحالتهما الى جهات الاختصاص، مؤكداً احترام الحكومة لحرية الرأي والتعبير.

وقد شكلّ اعتقال الصحفي بركات على هذه الخلفية صدمة للرأي العام ولجمهور الصحفيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لاسيما أنّ الاعتقال جاء على خلفية ممارسة الصحفي المذكور لعمله أو بمناسبته. وعلى الرغم من أنّ تصريح الناطق باسم الحكومة قد ألمح إلى أنّ الاعتقال قد جاء بناء على تتبع الأجهزة الأمنية للصحفي المذكور في محاولة منه على ما يبدو لفتح الباب لتساؤلات مشروعة حول ما قام به الصحفي كتبرير لاعتقاله بدواع أمنية، إلا أن نقابة الصحفيين الفلسطينيين أصدرت بيانا عبرت فيه عن رفضها وغضبها لاعتقال الصحفي بركات، معتبرة أن عملية الاعتقال والطريقة التي تمت بها وما تبعها تؤكد أن الحكومة والأجهزة الأمنية ماضية في انتهاكاتها الجسيمة، وتغولها على الصحفيين. وأعلنت النقابة رفضها بشكل واضح لما جاء في بيان الحكومة  من تبريرات واهية لعملية الاعتقال على حدّ وصفها، ورأت أنّ بيان الحكومة على لسان الناطق باسمها يشكلّ نهجا خطيراً يُشيطن الصحفيين ويبيح استمرار الانتهاكات بحقهم بغطاء سياسي.

 

التواجد في ظروف تجلب الشبهة.. المعضلة الدستورية

ما أُسند للصحفي جهاد بركات هو تهمة التواجد في ظروف تجلب الشبهة خلافا للمادة 389 فقرة 5 من قانون العقوبات لسنة 1960 والتي نصت على تجربم كل من " وُجد متجولاً في أي ملك أو على مقربة منه أو في أية طريق أو شارع عام أو في مكان محاذٍ لهما أو في أي محل عام آخر في وقت وظروف يستنتج منه بأنه موجود لغاية غير مشروعة أو غير لائقة"، هذه المادة كانت ولا زالت مثار جدل لدى أوساط الحقوقيين الفلسطينيين، ففي العام 2013، قامت محكمة صلح رام الله بإحالة هذه المادة للمحكمة العليا بصفتها الدستورية للنظر بوجود عدة شبهات بدستوريتها، منها شبهة مخالفة الحق في حرية التنقل والحق في الحرية الشخصية وكذلك الحق في افتراض البراءة كمبادئ دستورية، ولكون هذه المادة  تؤسس للإدانة على الشبهة والاستنتاج والتخمين، لا على الجزم واليقين. إلا أنّ المحكمة العليا آنذاك قررت دستورية هذه المادة، بحيث استمر نفاذ مفاعليها، لتجري العادة على أن يتم توقيف من لا تهمة له توقيفا احتياطيا على أساسها كما حدث في قضية الصحفي بركات. وهذا ما يؤشر إلى أنّ محاولات قضاة الموضوع بما يملكون من أدوات قضائية لإلغاء هذه المادة قد  باءت بالفشل على الرغم من أنّ التجربة تثبت عدم دستوريتها الواضحة للعيان في كل الأحكام القضائية، الأمر الذي يوجب ربما النظر بإلغائها أو تعديلها بتدخل تشريعي. فهذا النص وضع للتطبيق منذ قبل 58 عاما، وهو ينتهك أبسط ضمانات المحاكمة العادلة، في حين انضمت دولة فلسطين مؤخرا لعشرات الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان.

 

وقائع لائحة الاتهام.. الشبهة جريمة..

بعد توقيف الصحفي جهاد بركات من قبل النيابة العامة لعدة أيام، ورغم الجدل القائم حول شبهات بعدم دستورية المادة المسندة له، أحالت النيابة العامة الصحفي المذكور بعد هذا التوقيف كمتهم إلى محكمة صلح رام الله. وقد تضمنت وقائع لائحة الاتهام أسبابا تقوم على مجرد الاشتباه طالبة من المحكمة إدانته على أساسها. ونسبت النيابة للصحفي بركات "قيامه بتتبع موكب رئيس الوزراء في منطقة طولكرم ،حيث كان يركب سيارة عمومية ويقوم بتصوير مركب رئيس الوزراء من الخلف وهو يحمل أجهزة إلكترونية وهواتف وكاميرات وجهاز لابتوب، وقد كان يلبس لبسا عاديا لا يدل على انه صحفي أو إعلامي"، وقد سجلت الدعوى الجزائية ضد الصحفي المذكور أمام محكمة صلح رام الله تحت الرقم 2778/2017 جنح صلح رام الله، وفي جلسة 10/7/2017، أنكر المتهم التهمة المسندة له وأبرزت النيابة العامة الملف التحقيقي في مواجهته، في حين ترافع وكيل المتهم ملتمسا إعلان براءته.

اللافت في وقائع لائحة الاتهام أنها استندت إلى استنتاج محض بأنّ ما قام به المتهم يشكل جريمة تتبع تنطوي على نية جرمية غير معروفة، لكون لائحة الاتهام لم تشتمل على أي أركان جرمية محددة يمكن الاستناد لها في توصيف أي فعل جرمي صالح لمعاقبة المتهم. فقيام الصحفي المتهم بتصوير موكب رئيس الوزراء وهو يركب سيارة عمومية ويحمل أجهزة إلكترونية وكاميرات لا تشكل بحد ذاتها أركانا معتبرة لأية جريمة موصوفة في قانون العقوبات النافذ في فلسطين. وعلى ما يبدو من استقراء الوقائع الواردة في لائحة الاتهام، فإنّ النيابة العامة حاولت حمل هذه الوقائع على ما تضمنه نص المادة 389 فقرة 5 المشار لها، والتي رأت فيها النيابة العامة بأنها قد تصلح لإدانة أي مواطن أو صحفي على مجرد الشبهة، لتصبح هذه المادة سبباُ في تقييد حرية هذا الصحفي وتوقيفه وإحالته متهما عن فعل غير موصوف في الحقيقة كجريمة محددة الأركان صالحة للتوقيف الاحتياطي ابتداءً.

 

من تولّى الشأن العام ضاقت حياته الخاصة..

بتاريخ 4 /1/ 2018، وبعد عدة أشهر من المحاكمة، أعلنت محكمة صلح رام الله هيئة القاضي رامز جمهور براءة المتهم الصحفي جهاد بركات من التهمة المسندة له. وفي معرض تعليل الحكم، طرحت المحكمة في مطلع التسبيب السؤال التالي: هل يعد تتتبع الشخصيات العامة في وظائفهم وفي الأماكن العامة مساسا بحريتهم الشخصية وفعلا مشبوها؟ أم  أنّ ذلك يعد من باب المحاسبة الشعبية والشفافية بين الحاكم والمحكوم وحقا للمحكوم معرفة كافة تفاصيل عمل من يحكمه؟

أجابت المحكمة عن هذا التساؤل في إشارة عميقة استهدفت تضييق حدود الخصوصية للشخصيات العامة، وتوسيع حدود حق المواطن والصحفي في تناول أخبار وتصرفات الشخصيات العامة. ويستدل على ذلك من أنّ المحكمة  قد أكدّت على أنّ رجل السياسة يجب أن يعلم أنّ ممارسته للعمل السياسي لا يبعده قيد أنملة عن العامة، لأنّ ذلك يتصل بالشفافية والرقابة المجتمعية وثقة المواطن. وأشارت المحكمة إلى أنّ تولّي الشأن العام يجعل حق المسؤول في الخصوصية أضيق من الخصوصية المقررة للمواطن العادي، وأكدّت المحكمة أنّ على المسؤول أن يقبل ومنذ توليه الشأن العام أنه سيكون محل تتبع وملاحظة أثناء عمله أو أثناء وجوده في الأماكن العامة، وأنّ هذا التتبع هو حق للصحافة وحرية النشر والتعبير وهو ضمانة لقيام الصحافة بدورها في رفع الوعي والكشف عن أية تجاوزات كونها تشكل سلطة رقابة شعبية.

وأكدت المحكمة وعلى نحو لافت على أنّ حرية العمل الصحفي هي مصلحة عامة حين أشارت في منطوق الحكم إلى أنّ قيام الصحفي بتتبع المسؤول العام لا يشكل تعرضا لحياته الخاصة، وإنما يعد ذلك من قبيل تحقيق المنفعة العامة للجمهور، ويستهدف تحقيق الصالح العام، مشيرةً إلى أنّ من تولى الشأن العام ضاقت حياته الخاصة، وأصبح محل تقييم واعتبار من قبل المحكومين باعتبار ذلك حقا دستوريا.

وعلى ما يبدو، فإن ما ذهب له هذا الحكم، ينسجم في الحقيقة مع ما تؤكده دائما اللجنة المعنية بحقوق الإنسان المنبثقة عن الدول الأطراف العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي انضمت له دولة فلسطين في نيسان 2014، وفي هذا يمكن ملاحظة انسجام مضمون حكم محكمة صلح رام الله مع ما قررته اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في التعليق العام رقم 34 بشأن المادة 19 من العهد،  والذي أكد على  "أنه ينبغي إيلاء الاعتبار على الأقل فيما يتعلق بالتعليق على الشخصيات العامة، لتجنب المعاقبة على بيانات غير صحيحة نُشرت خطأ بدون نية سيئة أو جعل هذه المعاقبة غير قانونية مع التأكيد على ضرورة الاعتراف بالاهتمام العام بموضوع الانتقاد باعتباره وسيلة للدفاع، وكذلك مجرد اعتبار أن أشكال التعبير مهينة للشخصية العامة لا يكفي لتبرير فرض عقوبات حتى وإن كانت الشخصيات العامة مستفيدة هي أيضاً من أحكام العهد، وإضافة إلى هذا، فإن جميع الشخصيات العامة، بمن فيها التي تمارس أعلى السلطات السياسية مثل رؤساء الدول والحكومات، تخضع بشكل مشروع للنقد والمعارضة السياسية."