الحراك "النقابي" في القطاع العام والذي قادته بنجاح ملحوظ هيئة التنسيق النقابية، بمناسبة المطالبة باقرار سلسلة الرتب والرواتب، بدا وكأنه يمهد لتغيير بنيوي في اتجاه اسقاط المادة 15[1]من قانون الموظفين التي تحظر على هؤلاء تأسيس نقابات. ومن هذه الزاوية، كان لا بد من اعادة التذكير بحراك الموظفين الفرنسيين الحاصل في زمن آخر حين كان القانون الفرنسي يحظر هو الآخر تأسيس نقابات في القطاع العام (المحرر).
الإطار القانوني للنقابات
نظم القانون الصادر في 21 آذار 1884 النقابات المهنية في فرنسا، وأقر للأجراء حق التجمع بنقابات مهنية للدفاع عن مصالحهم الجماعية. لكن سرعان ما منعت الحكومات المتعاقبة موظفي القطاع العام من هذا الحق، بحجة معتبرة أنهم يخضعون لنظام خاص مرتبط بمصلحة البلاد العليا ومبدأ استمرارية المرافق العامة. وانضمت اليها محكمة التمييز بقرار صدر في 27 حزيران 1885. وعقب ذلك، أبطل انشاء نقابة عمال البريد في مدينة ليون سنة 1884 ونقابة المعلمين في سنة 1887 بطلب من الحكومة.
وضع موظفي القطاع العام في تلك الفترة
بين منتصف القرن 19 وبداية القرن 20، ازداد عدد موظفي الدولة في فرنسا من 150000 الى مليون موظفا. لكن عدد موظفي الادارات العليا والوزارات لم يكن يتعدّ آنذاك 3000، وكانت قد جرت عادة انتقائهم من طبقات اجتماعية ميسورة على أسس الزبائنية السياسية. وكان  اخضاعهم لحلف يمين الاخلاص يضمن ولاءهم انتخابيا للذين ألحقوهم بهذه الوظائف. أما بالنسبة للوظائف الصغيرة والمتوسطة، فالرواتب كانت متدنية وكانت سلسلة رواتب كل ادارة تقر بمرسوم خاص بها، مما يؤدي الى تمييز بين العاملين في نفس الفئة. وقد استمرت هذه الحالة حتى أواخر القرن 19 حيث باءت كل الوعود بتكريس حقوق وضمانات للموظفين بالفشل بسبب مفهوم سلطة الدولة القوية حينها. ولتلك الأسباب، شعر الموظفون بضرورة تجمعهم في نقابات وجمعيات منذ ذلك الوقت، متحدين الدولة ومطالبين بحقوق اضافية وبنظام عادل.
ازدهار الجمعيات
 منذ أيار 1894، سعى موظفو الدولة الى الالتفاف حول قرار محكمة التمييز وتفسير السلطة التنفيذية لقانون 1884 فعمدوا الى انشاء جمعيات. ومن اللافت أن بعض الوزارات شجعت هذه الجمعيات الوظيفية إذا صح التعبير لغاية حصر موجة المطالبة بالنقابات التي لم تكن قوية بعد في أوساط الوظيفة العامة، متأملة بأن يكتفي الموظفون بهذا الإطار التنظيمي. وقد تعزز هذا التوجه مع اصدار قانون ولدوك-روسو الشهير في 1901، فاعترف صراحة بحرية اقامة الجمعيات وسمح بالتالي لموظفي القطاع العام بإقامة جمعيات مهنية، وكان عددها قد وصل الى 500 في 1907.
نشأة الحراك النقابي
ازدهار الجمعيات لم يمنع نشوء تيارات مؤيدة لتأليف نقابات للوظائف العامة. فتجمعت نقابات عمال الدولة في 1902 وألفت اتحاد عمال الدولة. وفي 1903، انضم اتحاد عمال البلديات والمناطق الى الاتحاد العمالي العام. وفي 1905، نشأت نقابة موظفي البريد واتحاد المعلمين في المدارس الرسمية. وفي هذه الفترة، هيمنت مسألة حق موظفي القطاع العام بتأليف نقابات والانضمام اليها وبدرجة أقل حقهم بالاضراب في مطالب الموظفين. ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم، كانت العناصر الأكثر حراكا وحماسا لانشاء نقابات تعمل في قطاعي التعليم والبريد. بالمقابل، بقيت الجمعيات الوسيلة الأولى المعتمدة من قبل موظفي الدولة للمطالبة بحقوق وضمانات اضافية.
ألفت في تشرين الثاني عام 1905 على عقب قمع موظفي البريد لجنة مركزية لحماية الحق النقابي لموظفي الدولة. وقد ترأس اللجنة Marius Nègreالذي كان حينها رئيس اتحاد نقابات المعلمين. ونظمت اللجنة اجتماعات ومحاضرات في أكثر من 60 مدينة فرنسية وفي التجمع الشهير المعروف ب"تجمع مناج سان بول"، أيد رئيس الاتحاد العمالي العام فيكتور غريفولس هذه اللجنة. وفي الوقت نفسه، عقد اتحاد نقابات المعلمين اجتماعات أخرى حضرها مثقفون وسياسيون كبار أمثال أناتول فرانس وفرديناند بويسون و جان جورس و صدر عنها بيان رسمي باسم اتحاد نقابات المعلمين.
قمع نقابات موظفي القطاع العام
مع ازدهار الحركة النقابية، بدأت الحكومة الفرنسية بقمعها بشدة، فاتخذت تدابير تأديبية بحق عدد كبير من الموظفين الذين لعبوا دورا مهما في هذا الحراك، ووصل القمع الى حد اقامة دعاوى جزائية ضد بعضهم. وفي أواخر عام 1905، قمعت الحكومة مسؤولي نقابة معلمي منطقة السان، وفي 1907 كان دور معلمين في منطقة الرون. وأقيل بعض مسؤولي لجنة الدفاع المركزية، وعلى رأسهم Marius Nègre، من وظائفهم. في الوقت عينه، وفي محاولة لتهدئة الأوضاع وابعاد الموظفين عن الحراك النقابي، أعطى مجلس شورى الدولة في قراره الصادر في 11 كانون الأول 1908 للجمعيات حق التقاضي لغاية الدفاع عن مصالح المهنة العامة. الا أن عدم جدوى اتحاد الموظفين وانكفاء لجنة الدفاع بعد القمع أديا الى فراغ مؤسساتي في الحراك النقابي. وقد تمت مواجهة هذا الفراغ عام 1908 مع تأليف لجنة لدراسة الجمعيات المهنية التي ضمت 30 جمعية ونشرت "مشروع قانون نظام وحقوق جمعيات موظفي الدولة".
وقد تحولت لجنة دراسة الجمعيات بعد ذلك، وفي ظل تزايد قمع النقابات، الى اتحاد وطني للجمعيات المهنية لموظفي الدولة. وهذا الاتحاد لم يضم أي نقابة لكونه محصورا كما يتبدى من تسميته بالجمعيات. وبالتالي لم ينضم اليه اتحاد نقابات المعلمين، بل انضم اليه اتحاد جمعيات المعلمين. بالاضافة الى ذلك، قرر اتحاد الجمعيات الدفاع عن مصالح سائر موظفي الدولة حصريا بالسبل القانونية والسلمية، فبات يطالب بالاعتراف بحرية انشاء نقابات من دون أن يصل الى حد تأسيسها عنوة. وقد اعتمد هذا الأسلوب تجنبا لمصير مشابه لما لقيه يه الموظفون الذين لعبوا دورا مهما في حراك أوائل القرن.  وأيضا اعتقادا أن السبل القانونية هي الوسيلة الأكثر أمانا وضمانة لإقناع السلطات بالتغيير والحفاظ على مصالح الموظفين في آن واحد. فكمنت نشاطات الإتحاد الوطني للجمعيات بالمداخلات أمام البرلمان، والاجتماعات والمؤتمرات الصحافية. خيار الإتحاد باستعمال السبل القانونية للضغط على الحكومة والمشترع لم تتشاطره جميع الجهات الناشطة في ذلك الوقت (نذكر على سبيل المثال اتحاد نقابة المعلمين)، فبقيت بعض النقابات غير الشرعية تعمل وتتمرد على النظام لكن كانت للإتحاد الجديد حصة الأسد في تقديم الجدل النقابي وتحضير جميع الأفرقاء للتطور الكبير الذي حصل عام 1919.  
بقي أن نشير الى أن الآراء كانت أكثر تضاربا فيما يخص حق الاضراب. فلم يلجأ الى الاضراب كوسيلة ضغط الا موظفو البريد. وقد قمعوا بشدة.
فترة ما بعد الحرب
بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وبعد أن شعر مسؤولو الإتحاد الوطني للجمعيات المهنية لموظفي الدولة أن الظروفقد أضحتمناسبة لتطوير حراك الموظفين وتحقيق مكاسب جديدة، دعا الاتحاد الوطني للجمعيات المهنية لموظفي الدولة في المؤتمر الذي عقدهسنة 1919"جميع الجمعيات العامة إلى التحول إلى نقابات منتسبة إلى الاتحاد العمالي العام"، وهكذا يكون قد خطا خطوة حاسمة معتمدا عملية تحويل الجمعيات العامة إلى نقابات، بالرغم من المعارضة المستمرة من قبل مجلس شورى الدولة والحكومات.
وهكذا يكون قد ترك الاتحاد حركة الجمعيات ليدخل في حركة النقابات، التي سارعت الحكومة الجديدة المنبثقة عن فوز تحالف اليسار[2]في الانتخابات، الى الاعتراف بها واقعيا de facto، عام 1924، بعدما ساهم في فوزهم بالانتخابات.
الإعتراف بحق تأليف النقابات والإنضمام إليها 
خلال الحرب العالمية الثانية، أصدرت حكومة فيشي نظام موظفين جديد منعت فيه الموظفين من تأسيس نقابات والانضمام اليها للإعتبارات التقليدية نفسها في مجال الوظيفة العامة. لكن رفض موظفو بعض الإدارات هذا المرسوم وتابعت بعض النقابات عملها سرا وتشكلت نقابات جديدة. بعد التحرير، طلب الجنرال دو غول من ميشل دوبري إعداد مشروع لإصلاح الوظيفة العامة. فأتم هذا الأخير عمله وأنجزه في العام نفسه دون التداول به مع الهيئات النقابية. وفيما لم تكن سياسة دوبري تشمل إلا الوظائف العليا في الدولة، نجح موريس توريز، أمين عام الحزب الشيوعي ووزير الوظيفة العامة في فترة ما بعد الحرب، في تعميمها على جميع الوظائف العامة. في 1945، كان للحزب الإشتراكي وللحزب الشيوعي الفرنسي أكثرية في البرلمان وكانموريس توريز أمين عام الحزب الشيوعي ووزير الوظيفة العامة. وبمبادرة من هذا الأخير وبالتداول مع نقابات الوظائف العامة عموما والاتحاد الوطني للموظفين خصوصا، تم إقرار نظام عام جديد للموظفين بالإجماع في 5 تشرين الأول 1946، والذي كان الأول من نوعه من حيث اشتماله لمجمل موظفي الدولة، وأيضا لمجمل المبادئالإيجابية التي كانت مكرسة في بعض المراسيم وأحكام مجلس شورى الدولة. وفي هذا الإطار، تضمن النظام العام الجديد إبتكارات أساسية نذكر منها الإعتراف الصريح بحق الموظفين بتأسيس النقابات والانضمام إليها وإنشاء هيئات مشتركة تسمح للموظفين المشاركة في إدارة مساراتهم المهنية من خلال مندوبين منتخبين. صدق الدستور الجديد الذي نشر في 27 تشرين الأول على هذه التحولات حيث كرست الفقرة 6 من مقدمته مبدأ الحرية النقابية[3].ورغم إنتقادات الحزب الإشتراكي الذي لم يشارك بتاتا في إعداد النظام معتبرا اياه شموليا  وقانونيين كبار مثل جان ريفرو وغودمي، يبقى هذا النظام بكلمات توريز "قانونا ديمقراطيا يشرف فرنسا".
 .« le fonctionnaire était enfin considéré comme un homme et non comme un
rouage impersonnel de la machineadministrative ».


[2]Le gouvernement des cartels de gauche
[3]« Tout homme peut défendre ses droits et intérêts par l’action syndicale et adhérer au syndicat de son choix. »