منذ تعطّل المجلس التشريعي الفلسطيني (البرلمان) في 14 حزيران 2007، انفتح الباب واسعاً لاستخدم مفرط للمادة 43 من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003 والتي تعطي رئيس الدولة حق إصدار قرارات لها قوة القانون في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير، وفي غير أدوار انعقاد المجلس التشريعي، مع وجوب عرض هذه القرارات بقانون على المجلس التشريعي في أول جلسة يعقدها بعد صدور هذه القرارات وإلا زال ما كان لها من قوة القانون. وعلى الرغم من أنّ صلاحية الرئيس بإصدار مثل هذه القرارات مقيّدة كاستثناء في الحالات التي تتوفر فيها الضرورة التي لا تحتمل التأخير، إلا أنّ الممارسة العملية وكثرة القرارات بقوانين التي صدرت منذ ذلك التاريخ، طرحت تساؤلات كبيرة حول مدى توفر حالة الضرورة التي لا تحتمل التأخير. آخر القرارات بقوانين التي أثارت جدلا واسعا في فلسطين هو القرار بقانون رقم 24 لسنة 2017 المنشور في الجريدة الرسمية في العدد 139 المتعلق بإنشاء محكمة الجنايات الكبرى.

ويعتبر إصدار قرار بقانون بشأن إنشاء محكمة الجنايات الكبرى سابقة أولى في استخدام المادة 43 من القانون الأساسي لإنشاء محاكم لم تكن قائمة من قبل، وهو ما كان مثار جدل عبرت عنه العديد من المواقف الرافضة له. ومن أهم الهيئات الرافضة له، نقابة المحامين ونادي القضاة، وقد رأيا أنّ المادة 97 من القانون الأساسي قد حصرت صلاحية إنشاء المحاكم وتحديد اختصاصها بالسلطة التشريعية الأصلية وهي المجلس التشريعي، ولا يستقيم على ضوء ذلك إنشاء محاكم بقرارات مماثلة. ومن أسباب الرفض أنّ المادة 97 من القانون الأساسي الفلسطيني قد اشترطت أن حدد القانون شروط تشكيل المحاكم واختصاصاتها، وهي شروط ليس بوسع قرارات مماثلة أن توفرها. وإلى جانب ذلك، فإنّ الطبيعة المؤقتة للقرارات بقانون، والتي تمتد إلزاميتها فقط إلى حين عقد أول جلسة للمجلس التشريعي، يجعل الأحكام التي تصدر عن هذه المحاكم مشكوكا بمدى حجيتها إذا ما رفض المجلس التشريعي قبول القرار بقانون المنشئ لها، وهو ما سيجعل مبدأ حجية الأحكام القضائية في مهب الريح.

 

مواقف رافضة: القرار ينتهك مبادئ المحاكمة العادلة

بعد إصدار القرار بقانون لإنشاء محكمة الجنايات الكبرى، بادر نادي القضاة إلى مطالبة الرئيس الفلسطيني بوقف إنفاذ مفاعيل هذا القرار، وذلك من خلال مذكرة عاجلة أرسلها النادي للرئيس الفلسطيني محمود عباس بتاريخ 8 يناير 2018، أشار فيها إلى أنّ هذا القرار قد تضمن العديد من النصوص التي تمسّ ضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في القانون الأساسي الفلسطيني والمادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادقت عليها دولة فلسطين، وأبدى النادي تخوّفه من أنّ ّ تشكيل هذه المحكمة سيجعل سير  القضايا وتأمين إحضار المتهمين وحضور المحامين للدفاع عنهم وحضور الشهود أمرا في غاية الصعوبة بما قد يخلّ بحسن سير العدالة، لاسيما أنّ الهيئات القضائية التي تنظر هذه الجنايات في كل المحاكم الفلسطينية تقوم بواجبها على أكمل وجه كما ورد في المذكرة.

من جهتها، وفي أوسع تحرك أهلي حقوقي لمؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية، تداعت أكثر من مائتي مؤسسة مجتمع مدني تضم الائتلاف الأهلي للرقابة على العملية التشريعية ومجلس منظمات حقوق الإنسان وشبكة المنظمات الأهلية وائتلاف الحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى عقد اجتماع في 17 يناير 2018 لتدارس الموقف من إنشاء محكمة الجنايات الكبرى، وقد خلصت المؤسسات إلى  مطالبة الرئيس محمود عباس بإلغاء القرار بقانون لانتفاء الضرورة التي لا تحتمل التأخير لإصداره، ومساسه باستقلال القضاء وصلاحياته، وانتهاكه ضمانات المحاكمة العادلة، وإخلاله بحسن سير العدالة، ومخالفته القانون الأساسي والمعايير الدولية لحقوق الإنسان والتشريعات ذات الصلة. كما طالبت بالتعامل مع محكمة الجنايات الكبرى على أنها محكمة غير شرعية، والقيام بحملة ضغط ومناصرة متواصلة بمختلف الآليات والأدوات المشروعة لنزع الشرعية عن تلك المحكمة وصولاً إلى صدور قرار بقانون بإلغائها. كما ذهبت إلى  مطالبة الرئيس محمود عباس بوقف إصدار القرارات بقوانين، واتخاذ خطوات جادة لوقف التدهور في أوضاع حقوق الإنسان، والبدء الفوري بترميم النظام السياسي المتصدع، وإعادة الاعتبار لمبدأ سيادة القانون والفصل بين السلطات واستقلال السلطة القضائية، والتحضير لإجراء الانتخابات العامة الرئاسية والتشريعية.

بعد نشر القرار بقانون في الجريدة الرسمية، أصدرت نقابة المحامين بياناً بتاريخ 18 يناير 2018 أكدت فيه على موقف مجلس النقابة المعلن من السابق بخصوص القرارات بقانون وأن نطاقها حالة الضرورة التي لا تحتمل التأخير وفي الظروف الاستثنائية وهذه الحالة لا تنطبق على معظم القرارات بقانون التي صدرت في ظل الانقسام. وأشارت النقابة في هذا البيان إلى أنّ هناك تشريعات تبقى حقا حصريا للمجلس التشريعي كما هي مسألة تشكيل المحاكم. وذكرت النقابة أنه كان سبق عرض قرار بقانون مماثل رقم 7 لسنة 2006 وتم رفضه من المجلس التشريعي باعتباره لا ينطوي على حالة الضرورة التي لا تحتمل التأخير ولكونه ينتهك ضمانات المحاكمة العادلة. وعليه ألغي القرار بقانون رقم 7 لسنة 2006 بشأن اختصاص محكمة الجنايات الكبرى بالمرسوم الرئاسي رقم 20 لسنة 2007، ولم تتغير الظروف التي أحاطت بإلغائه من المجلس التشريعي. وطالب مجلس النقابة بفتح قناة حوار مع جهات الاختصاص لإلغاء القرار بقانون محكمة الجنايات الكبرى أو إدخال تعديلات جوهرية تضمن معايير المحاكمة العادلة للمتهمين وتضمن مساواتهم أمام القضاء وتكفل حق الدفاع. وقرر وضع سقف زمني لمدة أسبوع للحوار للوصول إلى النتائج السابقة وفي حال فشل الحوار مع جهات الاختصاص وفقا لما سبق قرر المجلس إعلان مقاطعة وتعليق عمل مفتوح أمام محكمة الجنايات الكبرى. إلا أن النقابة عادت وأصدرت بتاريخ 24 يناير 2018، بياناً جديدا طالبت فيه الرئيس صراحة بوقف إنفاذ القرار بقانون رقم 24 لسنة 2017، وتكليف مجلس الوزراء بفتح حوار قانوني ومجتمعي حول جدوى ومبررات إصدار مثل هذا القرار بقانون في ظل الأوضاع والتهديدات المحدقة بالقضية الفلسطينية.

وفي تطور لافت في موقف النقابة المتدرج على نحو غير مسبوق نحو التصعيد ضد نفاذ القرار بقانون، صدر عنها بيان جديد بتاريخ 29 يناير 2018 أعلنت فيه مقاطعة محكمة الجنايات الكبرى وتعليق العمل أمامها ابتداء من صباح يوم الثلاثاء الموافق 30/1/2018 وحتى مساء يوم الأربعاء الموافق 28/2/2018 على ألا يشمل تعليق العمل محاكم الصلح والبداية أثناء نظرها طلبات تمديد التوقيف والإفراج بالكفالة التي تدخل ضمن اختصاصها حتى الإحالة إلى محكمة الجنايات الكبرى والتي يمتنع على المحامين المثول أمامها تحت أية ظروف ومهما كان سبب انعقادها بما يشمل تقديم أي نوع من الطلبات أو حضور أي جلسة أمامها في كافة المحافظات التي تنعقد فيها. كما قررت النقابة أيضاً حظر قبول أي انتداب من النيابة العامة في مرحلة التحقيق الابتدائي يتعلق بالجنح والجنايات التي تندرج ضمن اختصاص محكمة الجنايات الكبرى.

 

أيُّ ضماناتٍ للمحاكمة العادلة؟

اللافت أنّ الجهات الرسمية لم تقم بالرد على ما جاء في المطالبات الصادرة من المؤسسات الحقوقية والأهلية، والتي تقاطعت في غالبها بالتأكيد على أنّ القرار بقانون بإنشاء محكمة الجنايات الكبرى قد تضمن مساسا خطيرا بضمانات المحاكمة العادلة، وتراجعا ملحوظا في ضمانات الدفاع، لاسيما أنّ القرار بالقانون المذكور قد أضاف الجنح والجنايات التي تمسّ أمن الدولة الخارجي والداخلي إلى اختصاص محكمة الجنايات الكبرى، الأمر الذي رأى فيه الكثيرون إعادة إنتاج لحكمة أمن الدولة التي تمّ إلغاؤها من قبل الرئيس ياسر عرفات، وقد تركزت انتقادات المؤسسات الحقوقية والأهلية للقانون على الجوانب التالية:

  1. ينتهك القرار بقانون ضمانات المتهم في مرحلة التحقيق بالسماح لوكيل النيابة العامة باستجواب المتهم قبل دعوة محاميه في حالات الضرورة والاستعجال والخوف من ضياع الأدلة (مادة 9) بما يشكل انتهاكاً للمعايير الدولية لحقوق الإنسان وبخاصة قرار مجلس حقوق الإنسان رقم (13/19) الذي أكد على حق المتهم منذ لحظة حرمانه من حريته بالاستعانة بمحام. كما وأكدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان على أن ضرراً لا يمكن تداركه يمكن أن يلحق بحقوق الدفاع في مثل تلك الأحوال (سالدوز ضد تركيا 36391/20) فيما أكدت المبادئ الدولية الأساسية بشأن دور المحامين 1990 على حق الاستعانة بمحام في جميع مراحل الإجراءات الجنائية.
  2. ينتهك القرار بقانون قرينة البراءة، ويتعامل مع التوقيف باعتباره عقوبة وليس تدبيراً احترازياً استثنائياً، وذلك بالسماح للنائب العام أو أحد مساعديه بإعادة توقيف المتهم الذي جرى الإفراج عنه إذا ظهرت أدلة جديدة ضده على ذات الفعل الجرمي، الأمر الذي من شأنه أن يجعل مدة التوقيف مفتوحة مع إمكانية تجديدها المتكرر بعد الإفراج عن المتهم تحت عنوان ظهور أدلة جديدة. كما ومنح النص النيابة العامة صلاحية إصدار أوامر الإفراج في مرحلة التحقيق بأكملها، وبالتالي فإن النص يشكل انتقاصا من الإجراءات والضمانات الواردة بقانون الإجراءات الجزائية، ويمنح النيابة العامة صلاحيات كبيرة على حساب القضاء.
  3. أنه تم توسيع اختصاصات المحكمةلتشمل الجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي والخارجي، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول حقيقة دور تلك المحكمة في المرحلة القادمة. فالجرائم التي باتت تنضوي تحت اختصاصها هي جرائم واسعة وفضفاضة. وهي تنطوي على مساس بالحقوق والحريات وبخاصة حرية التعبير عن الرأي كجريمة إضعاف الشعور القومي، وإذاعة أنباء تنال من هيبة الدولة، وإذاعة أنباء توهن نفسية الأمة، وجريمة إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية وغيرها، وتشمل الجرائم الإلكترونية، وهي مخالفة للمعايير الدولية لحقوق الإنسان وبخاصة المتعلقة بحرية التعبير عن الرأي بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادقت عليه دولة فلسطيني في إبريل 2014.
  4. انتفاء الضرورة التي لا تحتمل التأخير كشرط دستوري لصحة قرار بقانون محكمة الجنايات الكبرى، خاصة وأنه طُرح على جدول أعمال مجلس الوزراء منذ ما يزيد على عام قبل إقراره ونشره، بما ينفي حالة الضرورة التي لا تحتمل التأخير ويؤكد عدم دستوريته،
  5. المساس باستقلال السلطة القضائية، حيث منح القرار بقانون النائب العام صلاحية طلب انعقاد المحكمة في أي من محافظات الوطن وعلى نحو ملزم (مادة 2)، بما يشكل انتهاكاً لأحكام قانون السلطة القضائية وقانون تشكيل المحاكم النظامية اللذان ينيطا قواعد الاختصاص المكاني والحالة تلك برئيس المحكمة العليا. والحال كذلك؛ بشأن صلاحية النائب العام بطلب نقل الدعوى من الهيئة المختصة بنظرها إلى هيئة أخرى من ذات الدرجة بما يشمل مرحلة التحقيق (مادة 15) بما يشكل اعتداءً على صلاحيات القضاء واستقلاله، وتجاوزاً لدور النيابة العامة باعتبارها خصم في الدعوى الجزائية، والخصم لا يختار قاضيه، كما أن شمول طلب نقل الدعوى "مرحلة التحقيق" ينسف قواعد الاختصاص المكاني الواردة في قانون الإجراءات الجزائية.
  6. تضمن النص منح النيابة العامة صلاحيات واسعة ومفتوحة تخولها اتخاذ كافة الإجراءات التحفظية اللازمة والمتعلقة بالواقعة خلال مباشرتها التحقيق الابتدائي دون توضيح لطبيعة تلك الإجراءات، وحدودها الزمنية، ودون أية ضمانات، ودون إشراف قضائي، وهي تشمل وفقاً للنص الفضفاض الأشخاص والأموال، وهذا النص يخول النيابة العامة صلاحيات إصدار أوامر المنع من السفر والإدراج على قوائم ترقب الوصول على نحو مفتوح ودون إشراف قضائي، بما ينتهك المعايير الدولية والتشريعات الفلسطينية ذات الصلة.
  7. يمنح النص النيابة العامة صلاحية توقيف المتهم بعد استجوابه لمدة أربعة أيام بما يشكل تراجعاً عن ضمانات المتهم بموجب قانون الإجراءات الجزائية الذي حددها بثمان وأربعين ساعة قبل العرض على القضاء. كما ويشكل هذا النص انتهاكاً لأحكام المادة (9) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المتعلقة بالاحتجاز التعسفي والذي وقعت عليه دولة فلسطين، حيث أكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في التعليق العام رقم (35) بالنص الصريح على أن مدة الثماني وأربعين ساعة تكفي لنقل الفرد والتحضير لجلسة استماع في المحكمة.
  8. ينتهك النص مبدأ التقاضي على درجتين، ويحرم المتهم من درجة من درجات التقاضي، بالنص على أن تُنظر الطعون الاستئنافية "تدقيقاً" فيما عدا الأحكام الصادرة بالإعدام والأشغال الشاقة المؤبدة (المادة 18) الأمر الذي يمس بشكل خطير بضمانات المحاكمة العادلة، ويحيل محكمة الاستئناف من محكمة موضوع إلى محكمة قانون، خلافاً لقانون الإجراءات الجزائية والمعايير الدولية وبخاصة التعليق العام رقم (32) على المادة (14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ضمانات المحاكمة العادلة) حيث أكدت اللجنة بأن إجراء الاستئناف مرافعة يشكل ضمانة أساسية بالغة الأهمية للعدالة في صالح المتهم، وللحفاظ على ثقة الجمهور بنظام العدالة.
  9. ينتهك النص قرينة البراءة باعتبار أن الأحكام الصادرة عن محكمة الجنايات الكبرى مشمولة بالنفاذ المعجل (المادة 16/3) أي الشروع في تنفيذ العقوبة السالبة للحرية قبل صيرورة الحكم الجزائي حكما مبرما بالرغم من قابليته للطعن، أي بمعنى معاقبة المتهم قبل انتهاء محاكمته خلافا لأبسط ضمانات المحاكمة العادلة.

وأمام هذه التطورات المتسارعة، يبدو أنّ الحراك الحقوقي الفلسطيني وفي ظل مقاطعة النقابة للمحكمة سيجعل مسألة إنزال مقتضيات القرار بقانون بشأن إنشاء محكمة الجنايات الكبرى أمراً في غاية الصعوبة والتعقيد، الأمر الذي سيطرح تساؤلات حول ما ستؤول إليه إجراءات المحاكمة في آلاف القضايا التي أحيلت لهذه المحكمة مؤخراً. الأيام القادمة ستجيب على هذه التساؤلات.