في تطور لافت على مسار الحراك الحقوقي الفلسطيني الرافض لإنشاء محكمة الجنايات الكبرى، أصدرت محكمة العدل العليا الفلسطينية بتاريخ 31/1/2018 في دعوى عدل عليا 22/2018 قراراً غير مسبوق قضى بوقف سريان تعليق العمل المقرر من قبل نقابة المحامين الفلسطينيين لحين البت في الدعوى الأصلية التي أقيمت من قبل أحد المحامين أمام محكمة العدل العليا، والتي تضمنت الطلب من المحكمة إلغاء قرار نقابة المحامين الفلسطينيين بتعليق العمل لمدة شهر أمام محكمة الجنايات الكبرى.  وكانت نقابة المحامين قد أصدرت بياناً بتاريخ 29 أيار 2018 أعلنت فيه عن مقاطعة محكمة الجنايات الكبرى وتعليق العمل أمامها ابتداء من صباح يوم الثلاثاء الموافق 30/1/2018 وحتى مساء يوم الأربعاء الموافق 28/2/2018 ومنع المحامين من المثول أمامها تحت أية ظروف ومهما كان سبب انعقادها.

وعلى الرغم من صدور قرار المحكمة المذكور، وكردّ فعل سريع يؤشر إلى حالة الاحتقان الشديد وردود الأفعال الغاضبة من قبل جمهور المحامين على خلفية صدوره، عقد مجلس النقابة اجتماعاً طارئا واتخذت جملة من القرارات التصعيدية. ففي الوقت الذي كان فيه قرار المحكمة ينصبّ على وقف قرار النقابة بالتعليق مدة شهر، ذهبت النقابة إلى تعليق عمل مفتوح أمام الجنايات الكبرى. كما ذهبت إلى إعلان تعليق العمل أمام كافة المحاكم النظامية والعسكرية والنيابات العامة يوم 1/2/2018. كما أنّ بيان النقابة قد تضمنّ إشارة صريحة إلى استمرار تجاهل الحكومة لمطالب النقابة بخصوص اقتحام وانتهاك حرمة محكمة بداية وصلح نابلس وعدم محاسبة المتورطين في الجريمة أو نشر نتائج التحقيق بهذه الجريمة، وهو الأمر الذي كان مثار احتجاجات واسعة من السابق.

ويلاحظ أنّ النقابة قد عمدت وعلى نحو ضمني إلى الالتزام بقرار المحكمة حين ذهبت إلى إلغاء القرار المطعون فيه بتعليق العمل لمدة شهر واحد والمنشور بتاريخ 29/1/2018، الأمر الذي يعني أنّ دعوى العدل العليا أصبحت من دون موضوع. إلا أنّ النقابة ورغم سحبها القرار المطعون فيه، ذهبت إلى تصعيد الفعل نحو مواجهة مفتوحة مرشحة للتطور إذا لم يتم احتواء الأزمة، لاسيما أنّ قرار العدل العليا يعتبر الأول من نوعه: فلم يسبق لأي محكمة فلسطينية أن أصدرت قرارا يعقل ويقيّد حق نقابة المحامين في العمل النقابي الاحتجاجي الذي كانت المحاكم الفلسطينية تلتزم دائما باحترامه وإنفاذه حتى من قبل محكمة العدل ذاتها. مما دعا العديد من القيادات النقابية وجمهور المحامين إلى التعبير عن آرائهم في قرار محكمة العدل العليا على مواقع التواصل الاجتماعي ونتائجه المستقبلية التي يمكن أن تؤدي إلى تجريد النقابة من أهم أدواتها في الدفاع عن الحقوق والحريات ومصالح مهنة المحاماة.

وفي ذات السياق، أصدرت مؤسسة الحق وهي منظمة حقوقية فلسطينية ناشطة بياناً داعما لموقف نقابة المحامين، أشارت فيه إلى أنّ محكمة العدل العليا تقوّض حرية العمل النقابي وأنّ القضاء الفلسطيني  ينزف على حدّ وصف البيان، وأكدّت مؤسسة الحق  أن الموقف الصادر عن مجلس نقابة المحامين منسجمٌ مع الموقف الذي عبرت عنه أكثر من (200) مؤسسة حقوقية بتاريخ 17/12/2018  وكذلك موقف نادي القضاة الذي طالب الرئيس محمود عباس بإلغاء قرار بقانون محكمة الجنايات الكبرى لأسباب جوهرية عديدة. وقد رأت مؤسسة الحق أنّ  تلك التطورات المتسارعة والخطيرة تعتبر امتدادا  لحالة التدهور المستمر والخلل البنيوي البشري الذي يعاني منه القضاء ومنظومة العدالة عموماً، من جراء تدخلات السلطة التنفيذية بأشكال مختلفة وتغولها على السلطة القضائية، وفشل كافة الجهود التي بذلت على مدار السنوات الماضية في إحداث اختراق جدي في مسار عملية الإصلاح، بفعل غياب الإرادة السياسية للإصلاح القضائي، وغياب التداول السلمي على السلطة عبر انتخابات عامة حرة ونزيهة تعبر عن إرادة المواطن الفلسطيني، واستمرار لحالة التصدع في النظام السياسي.

اللافت في ما تضمنه بيان مؤسسة الحق أنه تطرّق لأول مرة إلى تقييم عمل محكمة العدل الفلسطينية لاسيما في القرارات الخاصة بحرية العمل النقابي وذلك بمناسبة القرار الأخير ضد نقابة المحامين، حيث أشارت "الحق" في بيانها إلى قرار محكمة العدل العليا الصادر بتاريخ 3/12/2017 القاضي بوقف الإضراب الذي دعا إليه اتحاد نقابات أساتذة وموظفي الجامعات الفلسطينية بذريعة أنه يشكل ضرراً بالمصلحة العامة. علماً أن الاتحاد لم يدع إلى أية فعاليات للإضراب بعد قيد الدعوى لدى المحكمة بتاريخ 28/11/2017 بما يوحي بأن محكمة العدل العليا قد بنت قرارها على النوايا، وكأنها تحاكم حرية العمل النقابي والحق في الإضراب في ذاته، فهي لم تقضِ والحالة تلك بأن الدعوى أصبحت غير ذات موضوع لعدم وجود قرار بالإضراب منظور أمامها على حدّ وصف البيان. كما أشارت "الحق" إلى تعّرض نادي القضاة لطلب سابق مقدم إلى محكمة العدل العليا لوقف الإضراب الذي أعلنت عنه جمعية نادي القضاة بتاريخ 26/11/2017 على خلفية قيام عناصر أمنية بالاعتداء على محام داخل محكمة صلح وبداية نابلس. وقد جرى سحب الدعوى من أمام العدل العليا مقابل قيام جمعية نادي القضاة بوقف الإضراب، بناءً على مذكرة تفاهم جرت بين مجلس القضاء الأعلى ونادي القضاة برعاية نقابة المحامين، تجنباً لصدور قرار بوقف الإضراب ومنعاً من تطور الأمور باتجاه حل جمعية نادي القضاة وبخاصة بعد توجيه إنذار خطي لها من السلطة التنفيذية على خلفية نشاطها. وفي تصعيد غير مسبوق في مواجهة محكمة العدل العليا،  أشارت مؤسسة الحق إلى أنّ الدراسات المنشورة تؤكد بأن ما يقارب 90% من القرارات الصادرة عن محكمة العدل العليا تأتي في صالح السلطة التنفيذية، حيث تستمر المحكمة بالانعقاد بهيئة وحيدة رغم مطالبات مؤسسات المجتمع المدني بإصلاحات جوهرية في القضاء من بينها تعدد هيئات محكمة العدل العليا. إلا أنّ مراجعة القرارات الصادرة عن العدل العليا تشير إلى أنها تقوّض حرية التنظيم النقابي والحق في الإضراب في فلسطين، والمكفولين في القانون الأساسي المعدل والاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها دولة فلسطين بدون تحفظات، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والاتفاقيات والتوصيات الصادرة عن منظمة العمل الدولية بهذا الخصوص.