من المؤكد أن الخبز هو العنصر الغائب أو المغيّب عن أجندة عمل المنظمات المدنية الأردنية، وإن كان هناك حراك خجول فما هو إلا رمزي لا يعبر عن حجم الأزمة الاقتصادية التي يعانيها الأردن.

قرار الحكومة الأردني الصادر في 26/1/2018 برفع أسعار جملة من السلع تتصدرها مادة الخبز، كانت الحدث الأبرز الذي واجهه المواطن مع بداية العام الجاري. في وقت، برزت أصوات تسأل عن دور المنظمات المدنية في التصدي للسياسات الحكومية، فيما كان دورها ضعيفا أو "مستضعفا" كما يفضل بعض النشطاء توصيف الحال.

عموماً، ثمة حقيقة ثابتة ألا وهي أن الملف الاقتصادي على الرغم من أولويته القصوى في بلد مثل الأردن، لا يشكل أولوية لدى المنظمات المدنية ولا حتى الدولة حاليا. ففيما تنشغل المنظمات بمضايقات وقيود تمارس عليها من قبل السلطة الأمنية، تبدو الدولة منشغلة في كيفية التعامل مع وضع سياسي لا تحسد عليه، بجفاء العلاقة مع حلفائها الاستراتيجيين مثل أميركا والسعودية خصوصاً.  

انخفاض الدعم الدولي والعربي للأردن وضع الدولة الأردنية أمام موقف صعب في كيفية المحافظة على الإستقرار من جانب والتعامل مع العجز الاقتصادي من جانب آخر. لطالما كان يصنف الأردن بأنه واحد من أكثر البلدان إعتمادا على الإعانات الدولية حتى ما قبل ما يسمى "الربيع العربي". وقد بدت زيادة الضرائب على السلع الكمالية، هي الحل بالنسبة إلى السلطات العامة، فباشرت فيه منذ أكثر من ثلاثة أعوام، لكن يبدو أنه لم يجد نفعا، فلجأت إلى رفع أسعار السلع الأساسية مثلا ويتزعمها الخبز المدعوم والبنزين وقرطاسية المدارس، وهو ما يعني رفعا يطال كل مناحي الحياة بالنسبة للمواطنين.

 

دعاية حكومية غير صحيحة

قامت الحكومة مؤخرا بإجراء وصف ب"الاستخفافي" لترويج خطوة رفع سعر الخبز، بترويج بوستر عبر منصتها على الفيس بوك تظهر أسعار الخبز في لبنان وفلسطين ومصر والعراق والسعودية والامارات، على اعتبار أسعار الخبز في تلك البلدان هو الأغلى ثمنا مقارنة بالأردن، إلا أن وقعها لم يسر الدولة، حيث أصبحت مادة دسمة للسخرية والتندر على طرق الدولة الدائمة في الإستخفاف بمواطنيها عبر تزوير الحقائق. فثمة تلاعب بسعر الرغيف المدعوم وغير المدعوم في  تلك البلدان، وهو ما حاولت الدولة أن تظهر السعر غير المدعوم على أنه المدعوم دون الأخذ بمستوى دخل الفرد في تلك البلدان. ثمة جيب مهترئة هي الملاذ الأخير للدولة، يقول الناشط النقابي أحمد مرعي. وإذ شهدت الساحة الأردنية وقفات احتجاجية خجولة لم تستقطب بضعة مئات، يرى مرعي أن قصور الحراك سببه الخوف من الصدام مع أجهزة الدولة والتقييد الذي يجابههُ الحراك الناشط. وهو يضيف أن "هناك تخبطا وعدم انسجام بين منظمات المجتمع المدني". 

لكن الناشط الحزبي، فاخر دعاس يدافع عن ائتلاف الاحزاب اليسارية والقومية بوصفها مستمرة في عملها النضالي اليومي تجاه مصادر قوت المواطنين. غير أن التقييد الذي تواجهه دائما لا يتوقف عند حدود نشاطات في الميدان. يقول دعاس: "هناك 3 اعتصامات متتالية للحراك أحدها تم فضه، لكننا قدمنا ورقة موقف اقتصادية لمجلس النواب تضمنت حلولا في معالجة الأزمة الاقتصادية". ويقر دعاس أن الدولة أضعفت منظمات المجتمع المدني من أحزاب ومنظمات وحراكات، وعملت على تهميشها وشيطنة دورها في المجتمع، حيث أصبح كثير من المواطنين يرددون ذلك.

تنفرد جمعية حماية المستهلك بهدفها في رصد حال المستهلك في السوق. وترفض الإجراء الحكومي باعتباره مغامرة على حساب حقوق المستهلكين الذين يعانون من ضائقة مالية سببها قلة الأجور والغلاء الذي يشهده الأردن في السنوات الأخيرة. "إجراء يطال الطبقة الفقيرة والمتوسطة، ولا يمكن الدولة تقنين حياة المواطنين أكثر من الذي نرصده، فهذا إجراء غير مسؤول"، يقول سهم العبادي الناطق باسم جمعية حماية المستهلك. يلفت العبادي إلى أن الإجراء الحكومي يعطي مساحة للتجار للعمل في السوق السوداء، والتلاعب بالأسعار وفوضى في السوق وبالمحصلة ضحاياه مواطنون وفقراء.

 

غلاء يحيي ذكريات موجعة

يحذر نشطاء من أثر موجة الأسعار المرتفعة على طبقة العمال من أردنيين وغير أردنيين، باعتباره ضربة أخرى لهذه الطبقة التي تعاني من أجور ما دون الحد الأدنى في الأردن الذي هو 220 دينار أردني (310 دولار). يصفها مسؤول جمعية حماية المستهلك بسلوك يضرب من جديد الفئات المهمشة، بما فيها من فقراء، عمال ولاجئين. تتفق معه مديرة مركز تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، ليندا كلش معه وتضيف بأن الحكومة تؤكد دائما بأن خطواتها ليست فقط غير مدروسة وإنما معادية لحقوق مواطنيها.

من جهته، يرى النائب ذو التوجه اليساري، خالد رمضان، أن زيادة الثقة بالمؤسسات المدنية والشعبية بوصفها ما تزال تتمتع بصفة تمثيلية لمنتسبيها كذلك يجعلها مؤهلة لتكون طرفا في التوافق المنشود لعقد اجتماعي جديد. العقد الاجتماعي الجديد، كما يقرأه النائب رمضان، يكمن في العودة لترتيب زوايا المثلث في المقدمة الملك، الجيش والشعب، وتقع المسؤولية المجتمعية لإعادة انتاج ثقافة العقل والإنتاج للتحول من رعايا إلى مواطنين. المواجهة، هو ما يدعو له خالد رمضان،  وهذه المواجهة مع تداعي دولة الريع ودولة التوازنات بين البيرقراطية المحافظة منها والليبرالي مع تيارات تسيس الدين من خلال ثورة بيضاء سلمية. وبخلاف ذلك تؤول الأمور إلى منحنيات محفوفة بالمخاطر.

تعود الذاكرة إلى الوراء، إبان رفع أسعار الخبز والذي أعقبه ما تسمى بهبة نيسان في جنوب الأردن وتحديدا في مدينة معان التي تحرك سكانها احتجاجا على إجراء الحكومة في العام 1989 والتي طالت مطالبات بإسقاط الحكومة ومن ثم تطورت إلى مرحلة إشتباك مع أجهزة الدولة. تبعها العام 1996 حراك في مدينة الكراك احتجاجا على سوء الأوضاع وتعاملت الدولة معها بشد ووقتها دعا الملك حسين بضرب يد من حديد في خطاب له عبر التلفزة الرسمية.