انشغل لبنان في الأسابيع الماضية بقضية اتهام زياد عيتاني بالتواصل مع الموساد الاسرائيلي، ومن ثم اعلان البراءة، واعتقال المقدم سوزان الحاج بتهمة فبركة ملف التواصل. الاتهام والبراءة لزياد عيتاني حصلا ولم يصل ملفه بعد إلى القضاء المختص. كان الملف وبقي بأيدي الأجهزة الأمنية المختصة.

اتخذ التحقيق مع زياد الطابع العلني مع اعتماد الجهاز الأمني الذي تولاه مبدأ التسريب وسيلة، وهو ما كثُرَت التكهنات حول غايته. التسريب تلقفه عدد من الصحفيين الذين خصهم الجهاز الامني المعني بما اصطلح على تسميته محاضر التحقيق. الصحفيون والإعلاميون المعنيون بالمعلومات المسربة، اعتبروا أن نشرهم لهذه المعلومات التي تهمّ الرأي العام هو من صلب عملهم الصحفي أو الإعلامي.

حاول الصحفيون إبعاد تهمة التلقي والنشر بالحديث عن مصادر موثوقة استندوا إليها في الحصول على المحاضر، وهو ما طرح ويطرح أسئلة عن علاقة الصحفي بالمصدر أكان أمنيا أم سياسيا أم قضائيا. وهل على الصحفي أن يأخذ ما نقله له المصدر من دون مساءلة أو تدقيق أو اتباع مبدأ التشكيك بغاية المصدر من تخصيص الصحفي  بالمعلومة؟، وهي أمور من ألف باء أصول علاقة الصحفي  مع المصدر. تبادل المصالح بين المصدر والصحفي قد يحصل ولكن لا يجب أن يكون على حساب تعرض نزاهة الصحفي وعمله للتشكيك. تمرير المعلومات من مصادرها من دون تدقيق ومواءمة مع مصادر أخرى يُعرّض الصحفي للوقوع في فخ بث الأكاذيب، كما ويعرض نزاهته ومصداقيته ومصداقية مؤسسته للمساءلة.

هذا بشكل عام،  فكيف إذا كان المصدر أمنيا؟ عندما يدخل الأمن والقضاء في دائرة الأخبار المسربة، على الصحفي أن يتوخى درجات أعلى من الحذر لأن التسريب لا يضع دوره ونزاهته ومصداقيته ومصداقية مؤسسته على المحك فقط، بل يؤثر على حياة الأشخاص الذين تطالهم التسريبات، وقد يؤدي في بعض الأحيان إلى تدمير عائلات، وإلى حالات انتحار سببها تهور صحفي وثق بمصدره إلى حدّ غابت معه خاصيّة التدقيق والتأكد وغلب طابع تحقيق الأسبقية في النشر أو البثّ على خاصية الدقة في نقل المعلومة.  

في تغطية أي موضوع يتعلق بجريمة عادية أو أمنية بحجم دولة، على الصحفي أن لا ينشر أي معلومات من شأنها التأثير على سير التحقيق، أو ما يسعه تكوين رأي عام يؤثر على قرار سير التحقيق أو المحاكمة . هذا ألف باء مهنة الصحافة فيما يتعلق بتغطية تحقيقات الجرائم على أنواعها ويدرًّس في أغلب مدارس الصحافة في العالم، أي أنه لا ينطبق على بلد بعينه، بل متعارف عليه عالميا. الاختلاف يبقى في القوانين الموضعية التي تضعها الدول حول ما يمكن للصحافة تغطيته في المحاكم وما لا يمكن لها تغطيته. لا نقول هنا أنه لا يمكن للصحفي تسمية المتهم، إذا ما كانت تسميته تأتي تحت بند المصلحة العامة، أي في جرائم الفساد مثلا، ولكن حتى في ذلك، على الصحفي توخي الدقة وعدم التجييش وعدم تنصيب نفسه قاضيا ويصدر حكمه المسبق على المتهم.

لا يجوز إطلاق صفة عميل مثلا على شخص لا يزال التحقيق جاريا معه. يجب استخدام تعبير المتهم بالعمالة، أو المتهم بالتواصل، أو من يقول جهاز أمن الدولة أنه متهم بالعمالة. الأمثلة العالمية عديدة، في بريطانيا مثلا عندما شعر الصحفيون أن عملهم يتم إعاقته لأسباب أمنية عند تغطيتهم لقضايا المشتبه بهم بقضايا الإرهاب، أصدر اتحاد الصحفيين البريطانيين إرشادات مفصلة للصحفيين البريطانيين تساعدهم على ممارسة مهامهم من دون التأثير على الخبر الذي سيقدمونه للقارئة أو المشاهدة. أحد أهم هذه البنود أن لا يطلق على المقبوض عليه صفة الإرهابي، وأن يبقى متهما بالتحضير لعمل إرهابي. والتركيز هنا على تعبير المتهم. تقول الإرشادات أيضا أن بيانات الشرطة يجب أن تنسب لها دائما، وأن لا يجري تبني البيان على أنه واقع وحقيقة.

الحديث عن مدراس عديدة في مجال تغطية القضايا الأمنية مبني على شوفينية لا علاقة لها بعالم الصحافة العالمية. الصحافة اللبنانية وقعت في فخ الإبتذال والتشويق، والمسؤولية الأخلاقية والمعنوية يتقاسمها هنا من سرّب ومن نقل التسريب. نعم أخطأت الصحافة خطأ فادحا عندما انجرفت في لعبة السبق والإثارة، ومن يملك معلومات تدلّ على مدى أهمية مصدره وعلو شأنه. تغاضى الصحفي أن للمصدر غاية وأنه قد يعمل على استغلال الصحفي لتحقيق غايته.

جُلًّ ما تفعله بعض المعلومات التي تناقلها الصحفيون أنها تضيف إثارة إلى الحدث. ماذا جنى الصحفيون من إغراقنا بتفاصيل كان لها، لا شك، الوقع المُفجع على عائلة المتهم؟ كان الأجدى أمام تضارب التقارير أن يراجع الصحفي اندفاعه، ويعيد النظر ويبدأ في التدقيق في صحة المعلومات المعطاة له ويحول أنفه الإستقصائي نحو الجهاز الذي سرب له التقارير ونحو المصدر بالذات. ما غاب ويغيب عن العديد من الصحفيين اللبنانيين هو هاجس المساءلة والإستجواب، فيكتفون بما يسرب إليهم أو يُعطون من معلومات بناءً على خدمات متبادلة، عندها تصبح الصحافة أداة مدمرة في المجتمعات وتفقد دورها المساهم في تقدمها.

تضعنا قضية زياد عيتاني جميعا أمام تحدي تحديد دورنا كصحفيين. أن نكون ناقلي تسريبات دون التدقيق بها ومواءمتها مع مصادر أخرى، لا يجب حتماً أن يكون أحد أدوارنا. مراعاة المسؤولية الاجتماعية للصحفي تصبح  ضرورة قصوى في المجتمعات غير المستقرة كلبنان، وحماية المواطن من فساد المسؤول تصبح أولوية.

لا تستبقوا حكم القضاء ولا تنصبوا أنفسكم قضاة. وتذكروا دائما أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته. ليس هناك صحفي مهني في العالم يختلف على هذا المبدأ، وكل المواثيق الدولية وإرشادات المهنة التي ندرسها وندرّسها شرقا وغربا تقول بذلك.  

 

عن الموضوع نفسه، اقرأ/ي:

أبعد من براءة زياد عيتاني، أي مهنية في الإعلام والقضاء والسياسة والأمن؟

قضية زياد عيتاني: المهنية الضائعة بين الإعلام والأمن