نظرًا لطبيعة الدعاوى الجنائية، فإن مراحلها تؤثر على عدد كبير من الأشخاص بالسلب، مثل "الشهود الذين يتعرضون للترهيب والتنكيل بل والانتقام نظير ما قد يُقدمون عليه من إدلاء بشهادات أو تقديمهم لبلاغات تجاه الوقائع المختلفة، والتي غالباً ما تلعب دوراً حاسماً في تكوين عقيدة القاضي الجنائي عند نظره لوقائع الدعوى. هذا إلى جانب تعامل الدعوى الجنائية مع فئات ضعيفة وتحتاج إلى رعاية مثل المجني عليهم الذين يتعرضون لأثر نفسي وأدبي وجسدي طوال فترة الدعوى، و""المرضى المصابين بأمراض نفسية وعصبية" سواء كانوا متهمين أو مجنيا عليهم أو شهود. وبالتالي، يقتضي على المشرع أن يشملهم برعاية خاصة لحمايتهم؛ وهو ما لا يتحقق في قانون الاجراءات الجنائية الحالي. ولكن، وفي إطار متابعتنا لتعديلات أحكام هذا القانون التي يتم مناقشتها الآن من قبل البرلمان، نلاحظ أن المقترح ينص بشكل صريح على حماية خاصة لعدد من الفئات الأضعف والأولى بالرعاية دون غيرها، فنجد أنه تم إضافة فصل جديد بعنوان "في حماية الشهود والمبلغين والمجني عليهم" يتضمن عددا من الاجراءت والضمانات التي تهدف إلى توفير أكبر قدر ممكن من الحماية لتلك الفئات. كما أضاف فصلين أخرين يتعلقان بالاجراءات الواجب إتباعها حيال المتهمين والمجني عليهم المصابين بأمراض نفسية وعصبية. وهو الأمر الذي يستحق تسليط الضوء عليه، من خلال هذا المقال.

 

حماية الشهود ما بين مشروع القانون والتشريعات المقارنة

سبق وأشرنا إلى أن هذه التعديلات هي المحاولة الأولى للمُشرع الجنائي المصري من أجل إرساء عدد من القواعد التي تنظم كيفية توفير أكبر قدر من الحماية الممكنة للشهود، حيث لم ينص قانون الاجراءات الجنائية من قبل على أية نصوص تتعلق بهذا الشأن. ويظهر هذا التوجه بوضوح في عدد من المواد التي تمت إضافتها بناءً على المُقترح الجاري مناقشته. فقد "أجاز للشاهد أن يتخذ من قسم الشرطة التابع له محل إقامته أو مقر عمله عنوانًا له"[1] وذلك في الحالات التي يُخشى من معرفة أحد المتهمين أو أقاربهم لمحل سكن الشاهد ومن ثم قد يقوم بترهيبه أو إيذائه جراء شهادته. كما أجاز، في الأحوال التي قد يمثل فيها سماع شهادة أحد الأشخاص خطراً على حياته أو قد تعرضه لخطر محقق، أن يتم سماع أقواله "دون ذكر لبياناته تماماً"، على أن يتم إنشاء ملف فرعي للقضية يتضمن تحديداً لشخصية الشاهد الحقيقية وبيانته كاملة، وأن يكون هذا الملف تحت سلطة المحكمة أو سلطة التحقيق المختصة فقط.[2] بالإضافة إلى ذلك، أتاح استخدام كافة الوسائل الفنية التي تسمح بسماع أقوال الشهود عن بُعد[3]، وذلك في الحالات التي يطلب فيها المتهم مواجهة أو مناقشة الشخص الصادر أمر بإخفاء بيانته، ضماناً لعدم الكشف عن هويته[4]. ويعتبر تبني مثل تلك المفاهيم تطورًا كبيراً في الفكر الجنائي في مصر ورغبته في مواكبة أحدث النظم التشريعية في العالم التي تتبع مثل تلك الاجراءات، حيث يُلاحظ تأثره بالمُشرع الفرنسي إلى حد كبير. فكل تلك النصوص السابق الإشارة إليها سبق وأن نص عليها قانون الاجرءات الجنائية الفرنسي بنفس التفاصيل تقريباً[5]. وهو ما اتبعته أيضاً عدد من التشريعات الجنائية العربية مثل القانون الجنائي المغربي واللبناني[6]. بالإضافة إلى توافق تلك الضمانات التي أقرها مشروع القانون من أجل حماية الشهود مع العديد من الإتفاقيات الدولية والإقليمية التي تناولت هذا الموضوع على وجه التفصيل، ولعل أبرزها اتفاقيتا الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة والفساد[7].     

 

كيف يتعامل مشروع القانون مع المصابين بأمراض نفسية وعصبية؟

وفقاً لأحكام القانون رقم 71 لسنة 2009[8] يعتبر المريض النفسي الشخص الذي یعاني من اضطراب نفسي (عُصابي) أو عقلي (ذُھاني)[9]. وبموجب هذا القانون أيضاً، فإنه قد تم إعفاء الشخص الذي یعاني وقت ارتكاب الجریمة من اضطراب نفسي أو عقلي أفقده الإدراك أو الاختیار من المسؤولية الجنائية[10]. ولكن على الرغم من وجود مثل هذا التشريع الذي ينظم كل ما يخص رعاية المريض النفسي وطرق علاجه وحالات إيداعه بإحدى منشآت الصحة النفسية، إلا أنه ليس كافياً في حالة الاتهام بارتكاب جنحة أو جناية. وبالتالي كان لزامًا أن يضع قانون الاجراءات الجنائية ضوابط واجراءات أكثر تحديداً فيما يتعلق بفحص الحالة الصحية واجراءات سير الدعاوى والتحقيقات وتنفيذ العقوبات فيما يخص المتهمين المصابين بأمراض عقلية ونفسية. وهو ما تداركه مشروع القانون الجديد الجاري مناقشته[11]، حيث أخذ في الاعتبار مناحي وتفاصيل مختلفة لم ينظمها من قبل. فأجاز للمحكمة المختصة إذا استلزمت حالة المتهم النفسية الفحص الطبي أن تقوم "بإيداعه تحت الملاحظة في إحدى منشآت الصحة النفسية الحكومية، لمدة خمسة وأربعين يوماً، مع إعداد تقرير طبي يتضمن تقييماً لحالته النفسية والمرضية وقتاأرتكاب الجريمة"[12]، على أن يتم معاملة فترة الإيداع مثلها مثل أي إجراء إحترازي أخر قد يتخذ ضد المتهم كالحبس الإحتياطي على سبيل المثال، وتخصم مدته من مدة العقوبة المقضي بها على المتهم إذا ثبتت سلامته من أي اضطراب نفسي أو عقلي.

بينما في الوقت نفسه وفيما يتعلق بالجرائم البسيطة[13]، اقتصر الأمر على ندب أحد الأطباء النفسيين لفحص المتهم وتقرير حالته الطبية خلال ثمانية وأربعين ساعة.

ولأول مرة يتعاطى القانون الجنائي المصري مع الإضرابات النفسية التي قد تطرأ بعد وقوع الجريمة وليس أثناء ارتكابها. فقد نص المشروع على انه إذا ثبت حصولها من خلال تقرير طبي، توقف المحكمة أو سلطة التحقيق اجراءات رفع الدعوى على المتهم حتى يعود إليه رشده[14]. وهو الأمر الذي نعتبره ًإصلاحاً تشريعياً حقيقياً يعزز أبسط قواعد المحاكمة العادلة، وهي أن يكون المتهم واعيا لما يُتخذ ضده من اجراءات وتحقيقات. ولكن يؤخذ على المشروع أنه أقر الإستمرار في اجراءات التحقيق التي يرى أنها "مستعجلة أو لازمة" على الرغم من إيقاف الدعوى الجنائية[15]، وذلك من دون تحديد طبيعة التحقيقات التي قد تكون لازمة أو مستعجلة، وترك الأمر للسلطة التقديرية لسلطة التحقيق، وهو الأمر الذي قد ينسف الضمانة التي وفرها للمتهم غير القادر على الدفاع عن نفسه بإيقاف الدعوى الجنائية في حقه. كما يناقض ما ارتكن إليه عند توفيره لتلك الضمانة من عدم قدرة المتهم في استكمال تلك الإجراءات الضرورية على الرغم من التأكد من إصابته.

كما تجدر الإشارة إلى أن التعديلات تطرقت أيضاً إلى حالة "نقص الإدراك[16]" التي قد تصيب المتهم أثناء ارتكابه للجريمة، وليس غياب الإدراك الكامل، بأن أجاز أن يتم قضاء العقوبة المقضي بها في إحدى منشآت الصحة النفسية بدلأ من أماكن الإحتجاز الأخرى كالسجون. والجدير بالذكر، أن المشروع لم يقتصر فقط على المتهمين بل تطرق إلى الحماية التي يجب توفيرها إلى "المجني عليهم" المصابين بأمراض عقلية ونفسية؛ حيث عمل على إيداعهم ولو بشكل مؤقت بإحدى منشآت الصحة النفسية لتلقي العلاج والرعاية الطبية اللازمة أو تسليمهم إلى أحد الأشخاص المؤتمنين من الأقارب أو ذوي الصلة. وذلك نظراً للظروف النفسية العصيبة التي قد يمر بها بعد تعرضه لإعتداء أو مكروه.  

 

خاتمة:

تبرهن التعديلات التي ذكرناها، على وعي القائمين على اقتراح المشروع بأهمية حماية هذه الفئات، وخاصة في ظل، دخول نوع جديد من الجرائم في مصر حالياً مثل الجرائم ذات الطابع الإرهابي، التي يستدعى حماية الشهود فيها إلى أقصى حد. وبالتالي، حماية الفئات الضعيفة في هذا المقترح ستكون خطوة إلى الأمام في التشريع الجنائي المصري، إذا تم اقرارها من البرلمان.

 

للاطلاع على المقالات الأخرى حول تعديل قانون الاجراءات الجنائية:

مشروع تعديل قانون الإجراءات الجنائية: لمن ينحاز المشرع المصري؟

مقترح تعديل قانون الإجراءات الجنائية: عندما تصبح علانية المحاكمة الاستثناء

حق الطعن في مقترح تعديل الاجراءات الجنائية المصري: بين تعزيزه في الجنايات وانتهاكه في الجنح

توسيع سلطات القبض والاحتجاز في تعديل الاجراءات الجنائية: العصف بالحرية الشخصية للمصريين

تنظيم المنع من السفر في مقترح تعديل قانون الاجراءات الجنائية: هل يضع حدا للتعسف في استخدامه؟

مقترح تعديل قانون الاجراءات الجنائية: أي حرمة للحياة الخاصة للمصريين؟

مقترح تعديل الاجراءات الجنائية: نحو تجريد الدفاع من أدواته؟

الحبس الاحتياطي كعقوبة في مقترح تعديل قانون الاجراءات الجنائية

 

[1] المادة (564): "يجوز للشاهد بناءاً على إذن النيابة العامة، أو قاضي التحقيق المختص أن يتخذ من قسم الشرطة التابع له محل إقامته أو من مقر عمله عنوانًا له"

[2] المادة (565):"في الأحوال التي يكون فيها من شأن سماع أقوال أي أنسان تعريض حياته، أو سلامته، أو أحد أفراد أسرته للخطر، جاز لمحكمة الموضوع أو للمحامي العام، أو قاضي التحقيق بناءاً على طلب هذا الشخص أو أحد مأموري الضبط القضائي الأمر بسماع أقواله دون ذكر بيانته، على أن ينشأ ملف فرعي للقضية يتضمن تحديداً لشخصيته وبياناته"

[4] المادة (567): للمتهم أثناء المحاكمة أن يطلب مواجهة، أو مناقشة الشخص الصادر أمر بإخفاء بيانته، من خلال أي وسيلة فنية تسمح بسماع أقواله عن بعد، بما لا يكشف عن شخصيته"

[6] يراجع/ د-رامي متولي عبد الوهاب – حماية الشهود في القانون الجنائي ص67 وص71.

[7] نصت المادة (24) من إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة والمادة (32) من أتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد على انه ينبغي على الدول أتخاذ التدابير الملاءمة – في حدود أمكانياتها – لتوفير حماية فعالة للشهود والخبراء الذين يدلون في الإجراءات الجنائية بشهادة بخصوص الجرائم المشمولة بهذه الإتفاقية، وكذلك أقربائهم وسائر الأشخاص وثيقي الصلة بهم، حسب الإقتضاء، من أي إنتقام أو ترهيب محتمل.

[8] قانون رقم 71 لسنة2009 بشأن إصدار قانون رعاية المريض النفسي وتعديل بعض أحكام قانون العقوبات الصادر بالقانون رقم 58 لسنة 1937 وقانون الإجراءات الجنائية الصادر بالقانون رقم 150 لسنة 1950.

[9] المادة الأولى من القانون سابق الإشارة إليه في المرجع السابق.

[10] المادة الأولى من مواد الإصدار من القانون سالف الإشارة إليه في المرجع رقم 8: "لا یسأل جنائیاً الشخص الذي یعاني وقت ارتكاب الجریمة من اضطراب نفسي أو عقلي أفقده الإدراك أو الاختیار, أو الذي یعاني من غیبوبة ناشئة عن عقاقیر مخدرة أیاً كان نوعھا إذا أخذھا قھراً عنھ أو على غیر علم منھ بھا. ویظل مسئولاً جنائیاً الشخص الذي یعاني وقت ارتكاب الجریمة من اضطراب نفسي أو عقلي أدى إلى إنقاص إدراكھ أو اختیاره, وتأخذ المحكمة في اعتبارھا ھذا الظرف عند تحدید مدة العقوبة."

[12] المادة (338): يراجع المرجع رقم (11).

[13] الجرائم البسيطة : الجنح المعاقب عليها بالغرامة أو الحبس الذي تقل مدته عن سنة واحدة.

[14] المادة (339): يراجع المرجع رقم (11).

[15] المادة (340): يراجع المرجع رقم (11).

[16] المادة (341): يراجع المرجع رقم (11).