نشر الوزير السابق رمزي جريج في جريدة النهار بتاريخ 5/4/2018 مقالا عرّج فيه على مسودة مشروع القانون الذي أعدته المفكرة حول استقلال القضاء وشفافيته (وقد بات مشروع الائتلاف المدني لدعم استقلال القضاء وشفافيته). وقد دعا جريج إلى إقرار أجزاء من المقترح، وهي الأجزاء المتصلة بتكوين مجلس القضاء الأعلى، بعدما عبر عن خشيته لجهة أنه "يحدث تغييراً جذرياً في القضاء اللبناني وكون الرأي العام غير مهيأ حالياً لمثل هذا التغيير". والمهم أن الوزير جريج دعا رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لإيلاء الأمر اهتماما خاصا ونقابة المحامين للضغط لإصلاح قانون استقلال القضاء. إذ تعيد "المفكرة" نشر وجهة نظر الوزير جريج، فهي تدعوه للتعاون كي نهيئ معا الرأي العام لضرورة تحقيق استقلال القضاء: فقد آن الأوان أن نعدّ استقلال القضاء أولوية اجتماعية ضنا بحقوق الدولة والناس (المحرر).

 

خلال السنة المنصرمة كتبتُ العديد من المقالات في "النهار" دفاعاً عن استقلال القضاء، مشدداً فيها على وجوب ان تتوفر إرادة سياسية بإقامة سلطة قضائية مستقلة وتكريس ذلك بنصوص قانونية، يكون من شأنها صون هذا الاستقلال للحؤول دون تدخل السياسة في القضاء.

 

وما كنت لأرى حاجة للعودة الى هذا الموضوع لو لم يحملني على التطرق اليه مجدداً أمران: البيانات المتبادلة بين وزير العدل ومجلس القضاء الأعلى، والمشروع الذي وضعته "المفكرة القانونية" حول السلطة القضائية المستقلة.

 

فبالنسبة الى البيانات المتبادلة، يقتضي القول إن هذا السجال غير مسبوق، ويندرج ضمن نهج اعتمدته السلطة السياسية بالتدخل في شؤون القضاء. وقد جاء ردّ مجلس القضاء الأعلى بتاريخ 20/3/2018 على كتاب وزير العدل ليضع الأمور في نصابها الصحيح، اذ ورد فيه "أنه لا يعود لمعالي وزير العدل توجيه تعاميم للقضاة، كما أن المجلس لا يعد أداة تنفيذية لهذه الغاية، عملاً بمبدأ استقلالية السلطة القضائية. وإذا كانت الفقرة هــ من مقدمة الدستور قد نصت على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها، فلا يجوز لأي سلطة دستورية أن تطغى بعملها على شؤون عمل سلطة أخرى".

 

وإزاء هذه البيانات المتبادلة، لا بدّ من التنويه بدور الاعلام، الذي غالباً ما يعكس شعور الرأي العام، في الوقوف إلى جانب القضاء، إذ تساءل الأستاذ غسان حجار، في مقاله في جريدة النهار، عمّا اذا كانت السياسة ستطيح القضاء أيضاً.

 

وفي هذا السياق، لا بدّ لنا من سؤال نطرحه: أين مضمون كتاب وزير العدل ورغبته في تعميمه على قضاة لبنان من كلام رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في افتتاح السنة القضائية في 8 حزيران الفائت، والذي أشار فيه إلى ضرورة إعادة النظر بنظام مؤسساتنا القضائية من خلال مقاربة جديدة تأخذ بعين الاعتبار الشوائب والنواقص والثغرات الكامنة فيه، فنحصن استقلاليته ونعدل في القوانين الاجرائية لنزيد فعاليته".

 

إن هذا الكلام يعبر، كما أمل القضاة والمحامون، عن إرادة حقيقية على أعلى مستوى في الدولة في الاصلاح القضائي وفي تحصين استقلالية القضاء وجعله بمنأى عن تدخل السلطة السياسية في شؤونه. غير أن ما ننتظره من رئيس الجمهورية، الذي أقسم اليمين على احترام الدستور، أن يقرن القول بالفعل وأن يترجم كلامه على أرض الواقع، فلا يسمح من جهة لأي مرجع سياسي بتجاوز صلاحياته والتدخل في شؤون القضاء، ويأخذ المبادرة من جهة أخرى بوضع النصوص القانونية التي من شأنها تحصين استقلال القضاء وزيادة فاعليته.

 

وفي اعتقادنا إن رئيس الجمهورية، إذا تمكن من تحقيق هذا الهدف، فإن عهده، الذي قد يتعثر في إجراء الإصلاح والتغيير على الصعيد السياسي بسبب الاصطفافات الطائفية، يكون قد نجح في تحقيق استقلال القضاء، الذي هو حجر الزاوية في بناء دولة القانون.

 

أما بالنسبة الى المشروع الذي وضعته "المفكرة القانونية" حول السلطة القضائية المستقلة، فانه يأتي بعد عدة مشاريع قوانين في السياق نفسه، كان آخرها مشروع القانون الذي وضعه وزير العدل الأسبق النقيب شكيب قرطباوي، بناءً لتقرير لجنة استشارية كلفها بهذه المهمة.

 

وقد تناول مشروع الوزير قرطباوي إعادة تشكيل مجلس القضاء الأعلى، بحيث يصبح مؤلفاً من أربعة عشر عضواً منهم خمسة حكميون وأربعة منتخبون وعضوان معينان من ملاك القضاء وآخران معينان من خارج ملاك القضاة. كما نصّ هذا المشروع على أن التشكيلات القضائية تصبح نافذة دون حاجة إلى أي إجراء، إذا لم يصدر مرسوم بها خلال مهلة خمسة عشر يوماً من تاريخ إبلاغ قرار التشكيلات إلى وزير العدل. غير ان هذا المشروع، كغيره من مشاريع الإصلاح القضائي، بقي في أدراج مجلس الوزراء ولم يتم تحويله إلى المجلس النيابي. وتجدر الملاحظة أن رئيس لجنة الادارة والعدل النائب روبير غانم قد استوحى بعض ما جاء في مشروع الوزير قرطباوي وتقدم باقتراح قانون تضمن أن قرارات مجلس القضاء الأعلى المتعلقة بالتشكيلات القضائية في حال اختلاف وجهات النظر بين المجلس ووزير العدل تصبح نافذة دون حاجة الى مرسوم. إلا أن الحكومة الحالية طلبت سحب هذا الاقتراح من المجلس النيابي بغية إعادة النظر به.

 

واليوم تطل علينا "المفكرة القانونية" بمسودة مشروع قانون حول استقلال القضاء العدلي وشفافيته. وقد وضعت بعد توثيق الوضع الحالي والممارسات القضائية السائدة وبعد التشاور مع عدد من الخبراء القانونيين. هذا المشروع ثمرة عمل طويل ومضن، وهو يصلح كركيزة أساسية لمناقشة أبوابه بصورة تفصيلية توصلاً لصيغة تؤمن استقلال القضاء وصون حقوق المتقاضين بقضاء عادل وفاعل.

واذا كان المجال يضيق في هذا المقال لإبداء ملاحظاتنا حول هذا المشروع المتكامل، فمن المناسب أن نشير فقط إلى ما جاء فيه لجهة تشكيل مجلس القضاء الأعلى وصلاحياته؛ إذ ورد في المشروع أن هذا المجلس يتألف من عشرين عضواً، بينهم تسعة قضاة منتخبون وأربعة قضاة حكميون وثلاثة قضاة يختارهم مجموع القضاة المنتخبين والحكميين ومحاميان وأستاذان جامعيان. أن الصيغة التي اعتمدها المشروع لتأليف مجلس القضاء الأعلى تلتقي مع الصيغة الواردة في مشروع الوزير قرطباوي، الذي اقترح فيها أن يكون المجلس مؤلفاً من أربعة عشر عضواً بينهم أربعة أعضاء منتخبون، مع الفارق أن مشروع "المفكرة القانونية" يرفع عدد الأعضاء المنتخبين إلى تسعة بدلاً من اربعة. وقد يكون في ذلك فائدة، إذ من المناسب أن يكون للقضاة أنفسهم، عبر أعضاء المجلس المنتخبين، كلمة مؤثرة في شؤون القضاء التي يتولاها المجلس.

غير أن أخشى ما نخشاه، فيما يتعلق بمشروع "المفكرة القانونية"، هو كونه يحدث تغييراً جذرياً في القضاء اللبناني وكون الرأي العام غير مهيأ حالياً لمثل هذا التغيير؛ بحيث نرى من الأفضل الاكتفاء بإعادة النظر بتشكيل مجلس القضاء الأعلى وتبني اقتراح مشروع "المفكرة القانونية" بهذا الصدد، وبتوسيع صلاحيات مجلس القضاء الأعلى، وفق ما جاء في مشروع الوزير قرطباوي، فتصبح التشكيلات القضائية نافذة دون حاجة إلى أي إجراء إذا لم يصدر مرسوم بها خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ إبلاغ قرار التشكيلات إلى وزير العدل.

إن الوضع الحالي للقضاء، مع ما رافقه من اعتكاف للقضاة وتبادل بيانات بين وزير العدل ومجلس القضاء الأعلى، ومن مشاريع مقترحة لترسيخ استقلال القضاء، إن كل ذلك يوجب علينا، كنقابة محامين معنية بمرفق القضاء، المطالبة، في آنٍ معاً، بسنّ القوانين التي تضمن قيام سلطة قضائية مستقلة، ومناشدة القضاة أنفسهم بأن يتحلوا بالشجاعة والجرأة فيرفضوا أي تدخل سياسي في عملهم وأن لا يقتصر تحركهم على الإعتراض على أي مساس بحقوقهم المادية المشروعة، بل أن يتجاوزها إلى المطالبة بالضمانات المعنوية، التي تكفل استقلالهم والحصانة التي لا يمكنهم بدونها من أداء رسالتهم على الوجه الصحيح.