على أثر بلاغ تقدم به أحد المحامين إلى النائب العام لوقف العرض المسرحي « سليمان خاطر» ، الذي تم تقديمه على مسرح نادي الصيد -أحد النوادي الاجتماعية بمصر- في منتصف شهر فبراير الماضي، بدعوى أنه يتضمن إساءة للجيش المصري، أصدرت النيابة العسكرية قراراها بحبس كاتب العرض وليد عاطف ومخرجه أحمد الجارحي 15 يوما على ذمة التحقيق. وتتناول المسرحية، حياة جندي مصري كان قد فتح نيران بندقيته على سبعة جنود إسرائيليين عام 1985 فأرداهم قتلى، قبل أن تعلن السلطات المصرية انتحاره في محبسه.

وعلى الرغم من أن المحامي تقدم ببلاغ لكل من النيابة العامة والنيابة العسكرية، إلا أن القضاء العسكري رأى أحقيته بنظر هذا النزاع، دون انتظار ما ستسفر عنه تحقيقات النيابة العامة. فتصدى مباشرة للبلاغ على عكس ما كان معمولا به طوال السنوات الأربع الماضية منذ صدور الدستور الحالي، حيث كان القضاء العسكري ينتظر النيابة العامة حتى تحيل له البلاغات. ويعد ذلك سابقة ربما تكون الأولى من نوعها، تتصدى فيها النيابة العسكرية مباشرة لقضية غير جنائية، وما ترتب عليها من محاكمة فنانين أمام القضاء العسكري بسبب عرض مسرحي.

وقبل ذلك بأسابيع قليلة، أحالت نيابة أمن الدولة العليا القضية رقم 569 لسنة 2015 والمتهم فيها الصحفي والباحث إسماعيل الإسكندراني[1] بإشاعة أخبار كاذبة والانضمام لجماعة أسست على خلاف القانون إلى المدعي العام العسكري. وقد اعتبر فريق الدفاع هذه الإحالة نوعا من الالتفاف على وجوب إخلاء سبيله بعد انقضاء فترة الحبس الاحتياطي بنهاية نوفمبر 2017؛ وهو ما كان يستوجِب سقوط قرار الحبس الاحتياطي والإفراج عنه وفقًا للمادة 143 من قانون الاجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950 وتعديلاتها. فقد أُلقي القبض على الاسكندراني في 29 نوفمبر 2015، وأكمل في 29 نوفمبر 2017 عامين (730 يومًا) قيد الحبس الاحتياطي دون الإحالة لمحكمة الموضوع. وبدلًا من إخلاء سبيله تمت إحالته إلى النيابة العسكرية في مطلع يناير 2018، وكأن النيابة العامة اكتشفت فجأة وبعد أكثر من عامين من الحبس الاحتياطي أن التهم الموجهة للإسكندراني هي اختصاص القضاء العسكري.

 

التوسع في دور وصلاحيات القضاء العسكري

خلال السنوات الأربع الماضية ومع إقرار الدستور الحالي والمعمول به منذ يناير 2014[2]، وما تبعه من تدشين لعهد جديد سمح بمحاكمة المدنيين عسكريًا، على نطاق أوسع من ذي قبل. فقد أصرّ ممثل القوات المسلحة في لجنة كتابة الدستور ليس فقط على إبقاء النص الوارد في دستور 2012 والذي كان يسمح بمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية في حالات معينة، إنما أيضًا على تفصيل هذه الحالات وتوسيعها، وصولا إلى بسط سلطة المحكمة العسكرية على نطاق أوسع من كافة النصوص الدستورية السابقة[3].

وطبقا لنص المادة 204 من الدستور، تم بسط ولاية القضاء العسكري على الجرائم المتعلقة بالقوات المسلحة وبمن هم في حكم ضباطها وأفرادها، من دون أن يوضح المقصود بمن هم في حكم أفرادها وضباطها. كما أجاز محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري في الجرائم التي تمثل اعتداءً مباشرًا على المنشآت العسكرية أو معسكرات القوات المسلحة أو ما في حكمها، أو المناطق العسكرية أو الحدودية المقررة كذلك، أو معداتها أو مركباتها أو أسلحتها أو ذخائرها أو وثائقها أو أسرارها العسكرية أو أموالها العامة أو المصانع الحربية، أو الجرائم المتعلقة بالتجنيد، أو الجرائم التي تمثل اعتداءً مباشرًا على ضباطها أو أفرادها بسبب تأدية أعمال وظائفهم. ولم يوضح أيضا المقصود بمن هم في حكم المنشآت العسكرية. وفتح الدستور بذلك الباب على مصراعيه لمحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري. واستكمالًا لهذا النص الدستوري أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي، قرارًا بقانون نص على أن تتولى القوات المسلحة معاونة أجهزة الشرطة والتنسيق الكامل معها في تأمين وحماية المنشآت العامة والحيوية[4]، وبالتالي أصبحت هذه المنشآت في حكم المنشآت العسكرية طوال فترة التأمين والحماية؛ وأصبحت فعليًا كل المؤسسات العامة وما في حكمها من مؤسسات خاصة أيضًا في حكم المؤسسات العسكرية وتخضع الجرائم المتعلقة بها لولاية القضاء العسكري.

 

القضاء العسكري من محاصرة الحراك الاجتماعي لمصادرة حرية التعبير

لا تعتبر إحالة الإسكندراني وفريق عمل مسرحية سليمان خاطر للقضاء العسكري سوى حلقة في مسلسل استخدام القضاء العسكري ليس لتضييق المجال العام وحسب ولكن لإغلاقه بشكل كامل، ونشر الرعب بين المشتغلين بالعمل العام سواء كانوا طلابا أو عمالا أو حركات اجتماعية واحتجاجية مطالبة بحقوقها. فسبق الحالتين الأخيرتين مئات القرارات بإحالة المدنيين للقضاء العسكري؛ فبعد إصدار قانون حماية المنشآت أصبحت المحاكمات العسكرية عاملا أساسيا في مواجهة التحركات السياسية والاجتماعية والتي جرمتها بعض القوانين العقابية المصرية كقانون تنظيم التظاهر. فاستخدم القضاء العسكري في التصدي للمطالب الاجتماعية، فتمت محاكمة عمال بشركة الترسانة البحرية بالإسكندرية بتهم الاضراب والتجمع. كما تصدى كذلك للقضايا السياسية حيث تم تطبيق قانون حماية المنشآت بأثر رجعي على الجرائم المتعلقة بالتظاهر والتجمهر التي تمت قبل إصداره، ثم أحيل للقضاء العسكري 235 من مشجعي كرة القدم. كما استخدم القضاء العسكري لمواجهة العمل الطلابي: فطبقا لتقرير أعدته مجموعة "لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين"، تمت إحالة 3000 حالة للقضاء العسكري، منها 322 طالبا وطالبة في الفترة بين 27-10-2014 وحتى صدور التقرير في مارس 2015[5].

 

تفعيل الرقابة الذاتية

إحالة الفنانين والباحثين للقضاء العسكري يضعنا أمام تطور جديد لاستخدامات القضاء العسكري والذي فرض سطوته في البداية من خلال ترسيخ أركان الحكم بعد 30 يونيه، وإحالة مئات المدنيين له، إلا أن ما يحدث الآن هو عملية مصادرة لما تبقى من حرية رأي وتعبير سواء كان بالكتابة أو بأي من أدوات التعبير. ويهدف هذا التطور إلى تعزيز الرقابة الذاتية لدى الجميع، فلا توجد مساحة للتحرك السلمي من خلال التظاهر أو الإضراب أو الهتاف في المدرجات، والأكثر من ذلك أنه لن يجرؤ أحد على كتابة مقال أو تقديم عمل فني إلا بعد التفكير مليًا في العواقب التي قد تؤدي به إلى المحاكمة أمام القضاء العسكري.

 


[1]  إسماعيل الإسكندراني هو صحفي استقصائي تخصَّص في الدفاع عن قضايا المجتمعات المهمشة في مصر، وأهمها ملف شبه جزيرة سيناء. ألقت السلطات المصرية القبض عليه أثناء عودته لقضاء أجازته السنوية في مصر قادمًا من ألمانيا، ووجهت له نيابة أمن الدولة العليا اتهامات جنائية، حتى تتمكن من الالتفاف على الدستور الذي يمنع حبس الصحفيين احتياطيًا في قضايا النشر. وظل الإسكندراني رهن الحبس الاحتياطي لفترة طويلة تجاوزت العامين.

[2]  نصت المادة 204 على أن "القضاء العسكري جهة قضائية مستقلة، يختص دون غيره بالفصل في كافة الجرائم المتعلقة بالقوات المسلحة وضباطها وأفرادها ومن في حكمهم، والجرائم المرتكبة من أفراد المخابرات العامة أثناء وبسبب الخدمة. ولا يجوز محاكمة مدني أمام القضاء العسكري، إلا في الجرائم التي تمثل اعتداءً مباشرًا على المنشآت العسكرية أو معسكرات القوات المسلحة أو ما في حكمها، أو المناطق العسكرية أو الحدودية المقررة كذلك، أو معداتها أو مركباتها أو أسلحتها أو ذخائرها أو وثائقها أو أسرارها العسكرية أو أموالها العامة أو المصانع الحربية، أو الجرائم المتعلقة بالتجنيد، أو الجرائم التي تمثل اعتداءً مباشرًا على ضباطها أو أفرادها بسبب تأدية أعمال وظائفهم. ويحدد القانون تلك الجرائم، ويبين اختصاصات القضاء العسكري الأخرى".

[3] راجع منة عمر، "الجدل الدستوري حول المحاكم العسكرية"، المفكرة القانونية، 18-1-2018.

[4]  بما في ذلك محطات وشبكات أبراج الكهرباء وخطوط الغاز وحقول البترول وخطوط السكك الحديدية وشبكات الطرق والكباري وغيرها من المنشآت والمرافق والممتلكات العامة وما يدخل في حكمها.

[5]  المؤتمر الرابع لـ"لا للمحاكمات العسكرية": ٣٠٠٠ حالة في 5 شهور، مدى مصر.