وافق مجلس النواب، في جلسته المنعقدة في 17-4-2018 نهائيًا على مشروع قانون تنظيم اجراءات التحفظ والإدارة والتصرف في أموال الجماعات أو الكيانات المنتمية لجماعة الإخوان الإرهابية، ليغلق باب الطعن أمام محكمة القضاء الإداري نهائيًا، لكافة المدرجين على قوائم التحفظ على الأموال بقرار إداري من اللجنة الحالية.

جدير بالذكر أن تتبع عمل أجهزة الدولة التنفيذية والأمنية خلال الفترة من سبتمبر 2013 وحتى أبريل 2017 يوضح الطريق الذي سارت عليه لكي تتمكن من التحفظ على أموال الأخوان. ففي البداية، استخدمت حكماً صادرًا من محكمة الأمور المستعجلة لكي تنشئ لجنة للقيام بذلك. وعندما أبطل القضاء الإداري قرارات هذه اللجنة، لجأت السلطة التنفيذية للبرلمان لإصدار تشريعات تتمكن بها من التحفظ قانونًا على هذه الأموال، حتى صدر القانون الأخير المُشار اليه. ونتتبع في هذا المقال الخطوات التي اتخذتها السلطة التنفيذية والتشريعية بهدف التحفظ على أموال الاخوان. ويمثل هذا الأمر مثالا واضحا على كيفية استخدام السلطة التنفيذية للتشريعية للالتفاف على أحكام القضاء، بل والأخطر تقييده قانونًا من حماية الحقوق والحريات المنصوص عليها دستوريًا.

 

الخطوة الأولى: تشكيل لجان تحفّظ على أموال الأخوان

يعود الأمر إلى سبتمبر 2013 حيث أصدرت محكمة الأمور المستعجلة حكمها بحظر أنشطة جماعة الإخوان المسلمين، والتحفظ على ممتلكاتها. وبداعي تنفيذ الحكم، أصدرت الحكومة المصرية القرار رقم 1141 لسنة 2013 بتشكيل لجنة لإدارة أموال جماعة الإخوان[1]. وفي يونيو 2014، أصدر رئيس الوزراء حينذاك، ابراهيم محلب، القرار رقم 950 لسنة 2014 لتوسيع صلاحيات اللجنة وحوّلها إلى لجنة عمل دائمة. وعليه، أصدرت اللجنة عددا من القرارات التي تحفظت بها على أموال العديد من الكيانات الاقتصادية والأشخاص الاعتبارية والطبيعية، بدعوى انتمائهم للإخوان المسلمين، بناءً على تحريات الجهات الأمنية. وبذلك استطاعت الحكومة المصرية أن تحول حكمًا صادرًا بحظر جماعه الإخوان إلى لجنة تستحوذ بها على أموال الجماعة وكافة المنتمين لها، دون وجه حق وبالمخالفة للدستور الذي أكد على أن الملكية الخاصة مصونة[2]. فطبقًا لتقرير صحفي لجريدة الشروق، أصدرت اللجنة خلال عامين ونصف تقريبًا قرارات بالتحفظ على 1375 عضوا بالجماعة بلغت قيمة أرصدتهم في البنوك 154 مليونا و758 ألف جنيه ورفع التحفظ عن خمسة منهم، والتحفظ على 1166 جمعية بلغ رصيدها في البنوك 20 مليونا و87 ألف جنيه ورفع الحظر عن 41 منها، والتحفظ على 460 سيارة و318 فدانا زراعيا.

كما شملت القرارات خلال نفس الفترة 112 مدرسة بلغ رصيدها 283 مليون جنيه ورفع التحفظ عن 7 منها، و43 مستشفى إضافة إلى الجمعية الطبية وفروعها 27 وجمعية رابعة العدوية ولها فرعان ورصيد تلك المستشفيات 111 مليونا و182 ألف جنيه إضافة إلى التحفظ على 5 ملايين و56 ألف جنيه في خزائنها، وتم التحفظ على 65 شركة بلغ رصيدها في البنوك 17 مليونا و402 ألف ورفع التحفظ عن 3 منها والتحفظ على 21 شركة صرافة بلغ رصيدها في البنوك 81 مليونا و902 ألف[3].

 

الخطوة الثانية: التفاف اللجنة على أحكام القضاء الإداري

تصدّت محكمة القضاء الإداري لقرارات اللجنة وصدر بشأن ذلك العديد من الأحكام التي استندت فيها محكمة القضاء الإداري إلى كون هذه القرارات صادرة من لجنة إدارية مشكلة بقرار وزير العدل، وبذلك تخضع لرقابتها. وذهبت محكمة القضاء الإداري إلى أن قرارات اللجنة انطوت على اعتداء على الملكية، والانتقاص من الحقوق الدستورية والقانونية المقررة لملكيتهم، وأن اللجنة أصدرتها من دون سند صحيح يخولها ذلك. كما أنها اغتصبت اختصاص القضاء في هذا الشأن[4]. في المقابل امتنعت لجنة إدارة أموال الإخوان عن تنفيذ أحكام محكمة القضاء الإداري مدّعية وجود منازعة تنفيذ بين حكمي الأمور المستعجلة والقضاء الإداري، ذلك رغم أن حكم محكمة الأمور المستعجلة، الذي أشرنا اليه أعلاه، لم يصدر في مواجهة أي من المتحفظ على أموالهم وأن محكمة القضاء الإداري أكدت على بطلان قرارات اللجنة بالتحفظ على الأموال في هذه الأحكام. ولجأت اللجنة إلى تحريك منازعة تنفيذ أمام المحكمة الدستورية العليا، والمنظورة حاليًا، والتي صدر فيها تقرير هيئة المفوضين الذي أوصى بالاعتداد بأحكام القضاء الإداري، التي تبطل قرارات التحفظ، وعدم الاعتداد بأحكام محكمة الأمور المستعجلة. وهو ما دفع الحكومة إلى البحث عن مخرج آخر في حال صدر حكم المحكمة الدستورية على نفس الخطى، حيث سيتم إبطال قرارات اللجنة وعودة الأموال إلى أصحابها، وهو ما تسعى الحكومة إلى تفاديه.

 

الخطوة الثالثة: محاولات إصدار قانون لجنة أموال الجماعات الإرهابية

لتفادي عودة الأموال إلى أصحابها كما أشرنا، ولإبقاء الأموال المُتحفظ عليها تحت إدارتها، سعت الحكومة إلى إعداد مشروع قانون يحول هذه اللجنة إلى لجنة قضائية لكي تتجنب رقابة القضاء الإداري، وهو ما أطلق عليه  مشروع قانون  «تنظيم اللجنة القضائية للتحفظ والإدارة والتصرف في أموال الجماعات والكيانات الإرهابية والمنتمين إليها». وفي 8 سبتمبر 2016، وافق مجلس الوزراء على مشروع قانون من شأنه تحويل اللجنة الحالية إلى لجنة قضائية دائمة تُشكل بقرار من وزير العدل. وبالتالي، إبعاد المنازعات القضائية الخاصة بملف التحفظ على الأموال عن محاكم مجلس الدولة ونقلها إلى محاكم الأمور المستعجلة.

لكن قوبل هذا المشروع بالرفض من قطاع واسع من القضاء، وفي النهاية رفضته اللجنة التشريعية بمجلس النواب، كما رفضه مجلس الدولة، لمخالفته الصريحة للمادة 190 من الدستور.[5] وبذلك فإن كل الطرق كانت تؤدي إلى بطلان قرارات التحفظ على الأموال التي أصدرتها هذه اللجنة لا محالة. وأمام ذلك لم يجد القائمون عليها بداً من استخدام قانون الإرهاب فقاموا بتقديم بلاغات للنيابة العامة التي قامت بدورها باعتماد هذه القوائم الواردة من اللجنة وأحالتها لمحكمة الجنايات.

 

الخطوة الرابعة: استخدام قانون الكيانات الإرهابية  

في مطلع عام 2017، تقدمت لجنة حصر أموال الإخوان بطلب للنيابة العامة. وبناءً عليه، صدر قرار من الدائرة السادسة جنايات بمحكمة شمال القاهرة بإدراج جماعة الإخوان و1534 شخصًا على قائمة الارهاب، من ضمنهم اللاعب الدولي لاعب منتخب مصر والنادي الأهلي السابق محمد أبو تريكة، مما أثار جدلًا واسعًا.

وبالرغم من أن هذا القرار لم يكن التطبيق الأول لقانون الارهاب، حيث سبقه أربعة قرارات لذات الدائرة بإدراج آخرين على قوائم الإرهاب، لم يحظَ أي منها بنفس الاهتمام الإعلامي مثل قرار المحكمة الأخير لوجود أبو تريكة على رأس القائمة. وطبقًا لتقرير أعدته جريدة الشروق، ضمت القائمة ثلاثة اشخاص متوفين هم أحمد سيف الإسلام حسن البنا ولاشين أبو شنب وناصر الحافي[6]. وهو ما يشير إلى أن النيابة العامة لم تقم بتدقيق القائمة قبل إرسالها لمحكمة الجنايات كما أن المحكمة كذلك لم تتحقق من الأدلة والتحقيقات المُرسلة اليها. وهو ما يدلل على أن المحكمة أصدرت قرارات الإدارج على قوائم الارهاب بناءً على التحريات التي تجريها الجهات الأمنية دون وجود أدلة ومستندات على هذه التحريات؛ رغم ما يترتب على هذه القرار من تبعات كالتحفظ على الأموال والمنع من السفر. 

 

الخطوة الخامسة: العودة لتحصين قرارات لجنة التحفظ على أموال الإخوان

مع اقتراب صدور قرار محكمة النقض في الطعون المقامة على قرارات الإدراج الأخيرة والتي استندت فيها لجنة التحفظ على أموال الإخوان على قانون الكيانات الإرهابية[7]، ومع زيادة التوقعات بقضاء محكمة النقض بإلغاء القرار الصادر من محكمة الجنايات بهذا الخصوص، سارع البرلمان بالموافقة على قانون تنظيم اجراءات التحفظ والإدارة والتصرف في أموال الجماعات أو الكيانات المنتمية لجماعة الإخوان الإرهابية. ويقر التشريع إنشاء لجنة مستقلة ذات طبيعة قضائية تختص دون غيرها باتخاذ جميع الاجراءات المتعلقة بتنفيذ الأحكام الصادرة باعتبار جماعة أو كيان أو شخص ينتمي إلى جماعة إرهابية. وتتشكل اللجنة المُشار إليها من سبعة أعضاء من قضاة محكمة الاستئناف ويصدر بندبهم قرار من رئيس الجمهورية بعد موافقة المجلس الأعلى للقضاء. ونص القانون على اختصاص محكمة الأمور المستعجلة بنظر الطعون على قرارات اللجنة على درجتين فقط وتحصين أحكامها من الطعن أمام محكمة النقض.

هكذا أنجزت المهمة.

 

[1]  أشار القرار إلى صدوره بناءً على حكم محكمة الأمور المستعجلة في الدعوى رقم 2315 لسنة 2013 بتاريخ 23/9/2013، والصادر بحظر أنشطة جماعه الإخوان والتحفظ على ممتلكات وأموال الجماعة

[2]  نص المادة 35 من الدستور المصري "الملكية الخاصة مصونة، وحق الإرث فيها مكفول، ولا يجوز فرض الحراسة عليها إلا في الأحوال المبينة في القانون، وبحكم قضائي، ولا تنزع الملكية إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل يدفع مقدماً وفقاً للقانون."

[5]  راجع محمد بصل، "مفاجأة..الجنايات تدرج أبو تريكة وصفوان ثابت على قائمة الارهابيين"، موقع جريدة الشروق، 17-1-2017.

[6]  المرجع السابق.

[7] الجلسة المنتظر أن يصدر فيها الحكم هي يوم 2-7-2018.