بمناسبة انتهاء الهيئة التأسيسية الليبية[1] من إعداد مشروع الدستور، بدأت بعض الأصوات المعارضة تطعن في شرعية ومناسبة هذا المشروع، خاصة من حيث توقيت إعداده. فهذه الاصوات ترى أن حالة الخلاف والانقسام التي يعيشها المجتمع الليبي توجب تأخير النظر في مشروع الدستور. فهل فعلا توجد أزمنة أو فترات لا تصلح لكتابة الدساتير؟

نحن هنا سنحاول مناقشة الفكرة من ناحية نظرية فلسفية بحتة وإسقاطها على الحالة الليبية. أما من الناحية القانونية فالأمر محسوم دستوريا. فنص المادة 30 من الإعلان الدستوري الصادر عام 2011 صريح في حكمه من حيث وجوب إعداد مشروع الدستور خلال آجال تنظيمية[2] محددة ذكرها على نحو مفصل وهو ما يقطع بأن المشرّع الدستوري يرى أن هذا الزمن أو الفترة هو الزمن أو الفترة الشرعية لصناعة أو كتابة الدستور.

أما من الناحية النظرية الفلسفية البحتة، فمن وجهة نظري المتواضعة أنه لا يوجد زمن محدد لشرعية كتابة الدساتير. فكل الأزمنة صالحة لكتابة الدساتير وإن كانت أكثر الأزمنة شرعية لكتابتها هي أوقات الصراع والخلاف. إذ يمكن لصناعة الدستور في هذا الزمان أن يجنب المجتمع ويلات الصراع و تصاعده من خلال التوافق على مبادئ أساسية تنهي هذا الصراع أو على الأقل تخفف من وطأته حتى لا يتحول إلى نزاع مسلح. فمن يتتبع تاريخ الحياة الدستورية في أبرز محطاتها، يجد أن أبرز الوثائق الدستورية قد ولدت من رحم صراعات وخلافات عميقة ونجحت في أن تكون الوثائق المنهية لهذه الخلافات وتهذيبها ومنع تحولها إلى صدام مسلح. فقد نجحت وثيقة الميثاق العظيم (Magna  Carta)    التي كتبت عام 1215 في منع تحول خلاف الملك جون لاكلاند مع النبلاء والكنسية إلى صراع مسلح.[3]

وثيقة الميثاق العظيم أو (Magna Carta) تعد المعيار الحقيقي لزمن كتابة الدساتير والدور المناط بها. فهذه الوثيقة إنما تدل على أن أكثر هذه الأوقات شرعية لكتابتها هو زمن الخلاف بحيث تكون هي الأرضية لمحاولة وضع الأسس التوافقية أو الأكثر قربا للتوافق بين المتنازعين أو المختلفين للحيلولة دون تحول خلافهم إلى نزاع مسلح ينتهي إلى تغلب أحد الأطراف ومن ثم فرض رؤيته على الآخر بموجب أي وثيقة أو ميثاق لا تعكس في الواقع إلا وجهة نظره ومصالحه.

مسألة الدعوة إلى الاحتكام إلى مبادئ حاكمة تحفظ حقوق كل طرف وتنظم علاقاته الأساسية دون الحاجة إلى اللجوء إلى نزاع مسلح لم تبدأ مع وثيقة الميثاق الأعظم، وإنما هي دعوة طبيعية تقتضيها الفطرة وقت الخلاف وقد دعت إليها كافة الشرائع السماوية. وبالإمكان الاستشهاد على وجودها من الآية القرآنية (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)[4]. فالكلمة السواء هنا ما هي إلا دعوة لإيجاد وثيقة تعايش دستورية تحكم التنوع وتحصر الخلاف وتحول دون تحوله إلى صراع.

الدعوة إلى كلمة سواء أو إقامة ميثاق على غرار وثيقة العهد الأعظم تجددت باستمرار في أي تحول شهدته الشعوب على تنوعها. فمن نجح منها في الاحتكام إلى كلمة سواء أو إقامة وثيقة عهد أعظم (دستور) استطاع أن يجنب نفسه ويلات الصراع وتطوره إلى نزاع عنيف. وربما أقرب هذه التجارب حداثة هي التجربة التونسية: فقد استطاعت القوى الوطنية فيه الوصول إلى وثيقة توافق (دستور) بعد ثورة الياسمين[5] جنبت المجتمع التونسي الانزلاق إلى هوة الصراع العنيف. ولا يخفى على أحد مدى الاختلافات الأساسية والجوهرية التي كانت موجودة بين القوى السياسية الفاعلة في تونس آنذاك. فالشاهد على التجربة التونسية يعلم أن الإسراع في إقرار الدستور التونسي هدف إلى ضبط الخلاف ومنع تطوره وجاء بمثابة كلمة سواء بين التونسيين. ولم يقل أحد آنذاك أن حالة النزاع أو الخلاف توجب تأجيل مسألة الدستور إلى تسوية هذا الخلاف. فهذا طرح يخالف طبيعة الأشياء، وإنما المنطق يقضي بالبحث على توافق أساسي ينهي أصل الخلاف ويمنع تحوله إلى نوع آخر من النزاع.

في ليبيا أيضا لا يختلف الأمر عما شهدته الأمم الأخرى: فحالة الخلاف والصراع التي نعيشها الآن، المرحلة الأولى لمحاولة انهائها ومنع تحولها إلى صدام أو منع استمرار هذا الصدام تكمن في محاولة إيجاد كلمة سواء أو وثيقة عهد (دستور) ينهي هذا الخلاف أو الصراع بقواعد حاكمة توافقية قدر المستطاع تلبي الحد الأدنى على الأقل لكل طرف تجعله يتنازل عن محاولة إثبات نفسه وحقوقه عن طريق آخر يتسم بالعنف أو التطرف. من هنا كانت هذه الفترة هي أكثر الفترات شرعية لبحث أمر الدستور ومحاولة إيجاده لأن تخلفه عن الميلاد في هذه اللحظة يهدد باستمرار الخلاف و تصاعده.

ومن هنا، فإننا نعيب على بعض النخب الليبية التي حاولت الطعن في شرعية زمن إعداد مشروع الدستور ومحاولة البحث عن أرضية توافق تنهي حالة التشنج التي يعيشها الشارع الليبي[6]. فإن لم نبحث أرضية عيش مشتركة في هذا الظرف وهذا الزمن، فمتى سيكون الزمن المشروع لمناقشة هذا الأمر؟

ما يجب أن تعيه هذه النخب أن زمن إنشاء وثائق الصلح بوجه العام والتي لا يخرج الدستور بمفهومه العام عنها هو أوقات الخلاف و النزاع، وأن العور أو النقص الذي قد يعتري بعض هذه الوثائق لا يجب أن يفسر على أن الوقت غير مناسب لإنشائها، و إنما يجب على العكس من ذلك تماما الدفع إلى تطويرها ومحاولة جعلها بمثابة كلمة سواء لتحقيق التوافق والذي بدوره سينهي الخلاف والنزاع ويجمع الناس حول الدولة و مؤسساتها، دون الدعوة إلى تعطيلها وتأجيل أمر مناقشتها. وإن معيار الحكم على شرعية هذه الوثائق ومدى قدرتها على حل الخلاف الليبي هو مدى القبول الذي ستحظى به لدى الشعب الليبي. فإن منحها القبول والشرعية وقبل الاحتكام إليها، فقد حازت كامل أوصاف الشرعية و حتى وإن كانت ولدت في زمن لا يناسب مصالح البعض منا.  

 

 

[1] الهيئة التأسيسية أو لجنة الستين ، هيئة انيط بها وفقا لأحكام المادة 30 من الإعلان الدستوري مهمة كتابة مشروع الدستور و تقديمه للشعب الليبي للاستفتاء عليه و قد تم انتخابها بموجب أحكام القانون رقم 17 لسنة 2013م.

[2] نصت المادة 30 من الإعلان الدستوري على وجوب انتهاء لجنة الستين أو الهيئة التأسيسية من كتابة مشروع الدستور خلال مدة لا تجاوز مائة و عشرين يوما من تاريخ اول اجتماع لها، و يرى كثير من الفقه لا يترتب على تجاوزها من قبل الهيئة التأسيسية اي بطلان.

[3] يصنف أغلب الفقه هذه الوثيقة على أنها أول الوثائق الدستورية المكتوبة في العصر الحديث.

[4] الآية 64 من سورة آل عمران.

[5] أدت هذه الثورة إلى الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي في تونس في يناير من عام 2011 و كانت الشرارة التي منها استلهمت ثورات الربيع العربي إسمها.

[6] تحاول هذه النخب الدعوة إلى إيقاف مناقشة مشروع الدستور الآن إلى حين إيجاد حالة أكبر من الاستقرار في المجتمع الليبي حسب زعمها.