باحة داخلية في قصر العدل في بيروت احتضنت للمرة الأولى مؤتمراً صحافياً هدفه الدعوة على تفعيل وتطوير عمل لجنة مكافحة الإدمان التي يتعين عليها أن تكون صلة وصل بين القضاء ومراكز العلاج، بحيث يحيل اليها القضاء المدمن فتحيله الى مركز للعلاج، وتواكب إجراءات علاجه وتعود وتحيله الى القضاء لوقف الملاحقة ضده نهائيا في حال شفائه أو لمتابعته محاكمته في حال انقطاعه عنه. وكانت وزارة العدل قد أعلنت مباشرة هذه اللجنة أعمالها ابتداء من منتصف كانون الثاني 2013 بعد طول انتظار (15 سنة من صدور القانون). ورغم ذلك، ما يزال عدد هام من القضاة يرفضون إحالة هؤلاء الى العلاج، كما ما يزال عدد من المحامين غير عارفين بمباشرة اللجنة لأعمالها. وكانت المفكرة القانونية قد سجلت ان فقط 25 مدمن تمت احالتهم اليها بعد شهرين من بدء عملها، وهو رقم ما يزال بعيدا جدا عن عدد المدمنين موضوع الملاحقة. كما كانت المفكرة القانونية قد سجلت أن عددا كبيرا من القضاة، ولا سيما من قضاة المناطق، لم يكونوا على علم بتفعيل اللجنة. ويُقدّر مجموع المدمنين الذين تتم ملاحقتهم سنوياً ب 2000 شخصا تقريبا، مما يؤشر الى أهمية المسألة.
وقد نظمت المؤتمر جمعية "سكون" و"المفكرة القانونية" وجمعية "عدل ورحمة" صباح الخميس 4 تموز 2013، وتحدث بداية المحامي نزار صاغية فتلا كلمة هي "كتاب موجه إلى السادة القضاة والمحامين" بهدف تكريس مبدأ "العلاج كبديل عن الملاحقة" واقعيا تبعاً لتفعيل لجنة مكافحة الإدمان، وفق ما جاء في "قانون المخدرات رقم 673 الصادر بتاريخ 16 آذار 1998". وفي هذا الإطار، دعا صاغية القضاة والمحامين إلى "المساهمة في تطبيق قانون المخدرات كل من موقعه"، فدعا القضاة الى "معاملة قضايا الإدمان معاملة خاصة" حيث ينظر القاضي في هذه الحالات ليس فقط إلى مسؤولية المدعى عليه عن الأفعال قام بها، بل أيضاً إلى مدى إرادته في العلاج، فيؤدي القاضي في هذه الحالة وبالدرجة الأولى وظيفة المحاور والمرشد الذي يحث المدمن على العلاج. ودعا صاغية القضاة فور تلقيهم تعهداً المدمنين الموقوفين أمامهم إلى وقف الملاحقات بحقهم واحالتهم إلى لجنة مكافحة الادمان، وإلى وقف الملاحقات فور تلقيهم افادات بشفاء مدمنين خضعوا للعلاج.
أما الدعوات التي وجهت للمحامين فتمحورت حول ضرورة أن يقوموا بلفت نظر المدعى عليهم بقضايا الإدمان إلى مسألة العلاج ومواكبة أعمال لجنة مكافحة الإدمان "تصويباً لها في تجاربها الأولى وضماناً لحق العلاج مجاناً وفق ما نص عليه قانون المخدرات".
ليندا شمعون من جمعية "عدل ورحمة" هي أيضاً شددت على ضرورة تحفيز وتفعيل دور المعنيين بقضية مكافحة الإدمان من وزارات وادارات رسمية وضابطة عدلية وجمعيات أهلية. كما دعت إلى ضرورة إيلاء قضية الصحة في السجون المزيد من الإهتمام "كمدخل أساسي لتقييم وضعها من حيث احترام المواثيق الدولية وشرعة حقوق الإنسان التي تنص على الحق بالصحة"، ولفتت إلى أن التجارب العالمية أثبتت عقم "المقاربة التقليدية" في حل مشكلة الإدمان ومن هنا تكتسب عملية العلاج أهمية مضاعفة.
لفتت ساندي متيرك، من جمعية "سكون"، إلى أن عمل لجنة مكافحة الإدمان يقدم مقاربة جديدة لحل مشكلة الادمان على المخدرات، مذكرة بأن النسبة الأكبر من المدمنين هم من الشباب، وكذلك الأمر بالنسبة إلى طالبي العلاج. كما توقفت متيرك عند المبادرات التي قام بها بعض القضاة اللبنانيين تفعيل عمل لجنة مكافحة الإدمان، حيث بادروا إلى احالة مدمنين إلى مراكز علاج، "ما خلق مساحة للحوار بين القضاة وهذه المراكز المتخصصة".
يُذكر أن لجنة مكافحة الادمان تمارس "كافة الصلاحيات العائدة لها والمنصوص عليها في قانون المخدرات والمؤثرات العقلية والسلائف واتخاذ التدابير الضرورية لتأمين الرعاية والعلاج التلقائي والإلزامي قبل وأثناء التحقيق والمحاكمة بما في ذلك إرسال المدمن إلى مصحات متخصصة وإصدار شهادة اسمية تثبت شفاءه التام من مرض التعاطي وذلك وفقاً للأصول المنصوص عليها في المادة 183 وما يليها من القانون المذكور".
العلاج الذي يُفترض أن يخضع له المدمن من شقين الأول هو علاج يُعرف بإزالة السُمية من جسد المدمن، والمرحلة الثانية عبارة عن العلاج النفسي، وهذه المرحلة تتم بإشراف تام من وزارة الشؤون الإجتماعية عبر مرشد أو مرشدة إجتماعية تتابع علاج المدمن في أحد المراكز المتعاقدة مع الوزارة والتي تملك الإمكانات والبشرية والمادية للقيام بهذه المهمة.
للجنة مكتب في وزارة العدل، تتم فيه تعبئة استمارة المُحال للمعالجة، بعدما تُحيله النيابة العامة أو القاضي الذي يتابع ملفه إلى اللجنة، ويصطحب المدمن إلى هذه المقابلة شرطي، ثم يرسل الراغب بالعلاج مع الملف الخاص به إلى المستشفى ليقوم الطبيب المختص بفحصه في حضور معالج نفسي ومرشد اجتماعي، ولكن حتى منتصف آذار لم تكن قد تمت تسمية مرشدين بعينهم لمتابعة العمل في اللجنة، وكانت عملية التسمية في انتظار أن يوقع وزير الشؤون الاجتماعية وائل أبو فاعور على قرار تعيين المرشدين.
وقد ترافق المؤتمر مع توزيع كتب بهذا المعنى على المحامين والقضاة الذين عبروا ردهات قصر العدل. خطوة أخرى تعكس اهتماما متزايدا للمنظمات الحقوقية في عمل المحاكم.