يثير تصريح رئيس مجلس النواب الأخير الداعي إلى منح وزارة المالية بشكل دائم للطائفة الشيعية جملة من علامات الاستفاهم على الصعيد الدستوري. والغريب أن هذا الحصر الطائفي يتم تقديمه بلبوس العرف الدستوري والحق الذي تم الاتفاق عليه في اتفاق الطائف. فبدل أن يذهب النظام السياسي في لبنان نحو الحد من تفشي الطائفية في مؤسسات الدولة، يؤدي هذا الزعم إلى استفحالها وهيمنتها، ما يعتبر مخالفة صريحة للفقرة "ح" من مقدمة الدستور التي تعلن صراحة أن "الغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية". لكن وبغض النظر عن هذا الأمر: هل فعلا كرس اتفاق الطائف هذا العرف؟ وما هي القوة الدستورية للاتفاق الذي جرى بين الرئيس نبيه بري والرئيس رفيق الحريري وفقا للرواية التي نقلها لنا رئيس مجلس النواب؟

من خلال مطالعة وثيقة الوفاق الوطني أو ما يعرف باتفاق الطائف، نلاحظ أن هذا النص جاء خاليا من أي إشارة تكرس وزارة المالية للطائفة الشيعية أو أي طائفة أخرى. فخلال مداولات النواب الذين اجتمعوا في مدينة الطائف السعودية، جرى التطرق لمواضيع مختلفة ومتعددة من بينها مثلا مطالبة البعض بتخصيص رئاسة مجلس الشيوخ عند استحداثه للطائفة الدرزية أو منح الطائفة الشيعية وزارة المالية. وقد تم تبرير هذا المطلب الأخير بأن المراسيم في لبنان يصدرها رئيس الجمهورية ويجب في غالبيتها الساحقة أن تحمل أيضا توقيع رئيس مجلس الوزراء أي أن المراسيم تحمل تواقيع جهة مارونية وجهة سنية. لذلك كان من الضروري "تكريس العيش المشترك" بإضافة توقيع شيعي شبه دائم ما يؤدي إلى اكتمال النصاب الطائفي للتواقيع الدستورية. فقسم كبير جدا من المراسيم يحتاج إلى توقيع وزير المالية كونه الوزير المختص الذي يجب أن يوقع على كل مرسوم تترتب عليه أعباء مالية. ونتذكر جميعا الصراع السياسي الذي نشب نهاية السنة الماضية حول مراسيم منح الأقديمة لضباط الجيش والمنطق الطائفي الذي استخدم لتبرير ضرورة توقيع وزير المالية على هذه المراسيم.

أمام هذه الرأي، كان لا بد لنا من تفنيد هذه المزاعم بطريقة متدرجة لتفكيكها ودحض حجيتها القانونية:

أولا:  إن مداولات اتفاق الطائف لا توجد إلا من خلال ما ينقله لنا مجموعة من الشخصيات التي عاصرت تلك الفترة كون المحاضر غير منشورة ولا يمكن بالتالي الركون إلى ذاكرة بعض المشاركين وتفسيرهم الشخصي لما جرى حينها.

ثانيا: أن المداولات هي أصلا غير ملزمة إذ ان وثيقة الوفاق الوطني لم تكرس قيمة النقاشات التي جرت بل هي فقط قامت بإعلان مجموعة من المبادئ التي أدرج بعضها في الدستور. فخلو النص النهائي من تكريس وزارة ما لطائفة معينة يشي بأن لا اتفاق حقيقي جرى حول هذه النقطة.

ثالثا: الأهم من كل ذلك، أن وثيقة الوفاق الوطني لا قوة دستورية لها وهي لا تشكل بأي شكل من الأشكال جزءا من الانتظام القانوني في لبنان.

وقد كرس المجلس الدستوري في قراره رقم 1 تاريخ 31/1/2001 هذا الأمر فأعلن صراحة التالي: "وبما أن المجلس يرى أنه بقدر ما تتضمن وثيقة الوفاق الوطني نصوصا أدرجت في مقدمة الدستور أو في متنه أو مبادئ عامة ذات قيمة دستورية، بقدر ما تكون مخالفة تلك النصوص والمبادئ خاضعة لرقابة المجلس الدستوري". أي وحدها النصوص التي تم إدخالها في الدستور تتمتع بالقوة الدستورية إذ أن مجلس النواب وحده يحق له بوصفه بحكم الدستور السلطة التأسيسية أن يعدل هذا الأخير ويجعل من نصوص عادية أحكاما دستورية. وما يؤكد هذا الأمر أن مجلس النواب لم يلتزم بنصوص اتفاق الطائف حتى تلك التي أدرجها في متن الدستور بل قام بتعديلها. فعلى سبيل المثال، نص اتفاق الطائف على منح المجلس الدستوري صلاحية تفسير الدستور بينما رفض مجلس النواب ذلك وحذف تلك الصلاحية. فجاءت المادة 19 الحالية من الدستور خالية تماما من "تفسير الدستور". كذلك نذكر الفقرة "ب" من المبادئ العامة في وثيقة الوفاق الوطني التي أعلنت أن لبنان "عضو في حركة عدم الانحياز" بينما تم حذف هذه النقطة من الفقرة "ب" من مقدمة الدستور.

جراء ما تقدم، لا يتمتع اتفاق الطائف بحد ذاته بأي قيمة قانونية. فكم بالحري مداولات واتفاقات مبهمة وغير معلومة لا يمكن التعويل عليها إطلاقا لتشريع ممارسات طائفية تنتهك المساحة المدنية الضئيلة المتبقية من عمل المؤسسات الدستورية.

من جهة أخرى، ودون الاستفاضة، لا بد من التمييز بين العرف وما يمكن أن نترجمه بالتعهدات الدستورية (Conventions de la Constitution). فالعرف لا يوجد قانونا إلا عند توافر شرطين:  ممارسة متكررة لم يتم الاعتراض عليها خلال فترة طويلة وشعور نفسي بضرورة الخضوع وإلزامية احترام المبدأ العرفي (opinio juris). والعرف تقبل به المحاكم كحجة صالحة شريطة طبعا أن لا يتعارض مع نص قانوني كون القانون يلغي العرف لكن العرف لا يمكن له بأي حال من الأحوال أن يتعارض مع القانون  (Contra legem).

أما التعهدات الدستورية فهي مجموعة من الاتفاقات التي تعقدها الأحزاب السياسية وتدخل في مجال عمل المؤسسات الدستورية بحيث تتحول إلى ممارسات متكررة وهي ملزمة من الناحية السياسية لكنها لا تمتع بالقوة القانونية إذ لا يمكن التذرع بها أمام المحاكم. وتعتبر بريطانيا المثال الأبرز لنظام سياسي يتألف هيكله الدستوري من مصادر متنوعة جدا تشمل النصوص القانونية والأعراف والتعهدات الدستورية. فهل يمكن اعتبار ما أعلنه الرئيس بري يدخل في مفهوم العرف أو حتى التعهدات الدستورية؟

بالحقيقة، يتبين لنا بشكل جلي أن تخصيص وزارة ما لطائفة لا يعتبر عرفا كون شرط التكرار يغيب كليا إذ تعاقب على وزارة المالية منذ 1990 وحتى اليوم وزراء من طوائف متعددة. كما يعتبر شرط الشعور النفسي غير متحقق إذ لم يثر هذا الأمر اعتراضا من أحد وهو لا يخلق أي إحساس لدى جميع الفرقاء بضرورة الالتزام به.

هل يمكن من جهة أخرى اعتبار ما ذهب اليه رئيس مجلس النواب يدخل في خانة التعهدات الدستورية؟ وبالفعل الجواب أيضا سلبي كون هذه الممارسة لم يتم تكريسها خلال العقود السابقة ويتم فقط المطالبة بها وفقا للظرف السياسي ما يدخل في منطق المحاصصة الطائفية ولا يمكن بالتالي إلباس هذه المطالبة لبوس العرف أي تكريسها قانونا وهي في حقيقة الأمر مجرد مطلب سلطوي يدخل في حسابات الطبقة السياسية الحاكمة. 

وأخيرا، يشكل تخصيص الوزارات لطوائف مخالفة للمادة 95 من الدستور اللبناني التي تنص فقط على ضرورة تمثيل "الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة". فالملاحظ أن الدستور يتكلم فقط عن عدالة التمثيل أي ان يتم منح كل طائفة عدد من الوزرات وفقا لحجمها الديموغرافي من دون أي اشارة لكيفية توزيع الحقائب. وما يؤكد هذا الأمر أن الفقرة "ب" من المادة 95 أيضا تعلن صراحة أن وظائف الفئة الأولى توزع مناصفة بين المسيحيين والمسلمين "دون تخصيص أية وظيفة لأية طائفة مع التقيد بمبدأي الاختصاص والكفاءة". فإذا كان الدستور قد منع التخصيص في وظائف الفئة الأولى، فمن الأولى أن ينسحب هذا المنطق على الوزارات لا أن يتم تكريس المنطق الطائفي وفقا لاتفاقات غير معلومة لا تتمتع بالقوة القانونية وهي أصلا جرت بين أطراف سياسية لم يخولها أحد إلزام جميع المواطنين بمثل تلك الأحكام.