جاءت وفاة الطفل عدنان(11 عاماً) صعقاُ بالكهرباء في مخيم برج البراجنة يوم الإثنين في 7 أيار 2018، بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير. فاض غضب سكان المخيم ليس لأن الكهرباء قتلت في السنوات الأخيرة أكثر من خمسين شخصا من سكان المخيم، بل لأن القضية تتخطى القتل بالكهرباء لتطال أوجه حياتهم كافة: الأمن، الصحة، إدارة المخيم، الخدمات، البنى التحتية وحتى العلاقة مع الأونروا وخدماتها التي تتقلص يوماً بعد يوم.

ترجم أهالي مخيم برج البراجنة في بيروت غضبهم بإعتصام حاشد في أزقة المخيم يوم الجمعة في 11 أيار 2018. كيف لا يخرجون، وقصة الطفل الرضيع الذي تشوهت أعضائه التناسلية نتيجة لخضوعه لعملية ختان فاشلة في إحدى صيدليات المخيم مما أدى إلى تدهور وضعه الصحي أيضاً، ما زالت على ألسنتهم أيضاً.

وعلى هامش الإعتصام أثار سكان المخيم قضايا أساسية تتمثل بغياب السلطة الأمنية والإدارة الفعالة عن مخيمهم، والتدهور الشديد في تنظيم شؤونهم الحياتية نتيجة غياب إدارة فعالة أن تكفل حقهم بوجه التعديات على المرافق العامة، من كهرباء ومياه وطرقات، وحمايتهم من أي ضرر آخر يلحق بهم، بما فيها الأدوية الفاسدة التي تدخل إلى الصيدليات دون رقابة، وانتشار المخدرات، وغيرها من الأمور.

والحال أن سوء الإدارة لا يقف عند هذا الحد، بل ينسحب على الأمن المتدهور، والذي يقف يعيق إيجاد حلول للإشكالات التي تحصل داخل المخيم، وتمنع وضع حد للإستقواء بالسلطة على الناس. الأمر الذي يترك حقوقهم في وضع هش حيث لا سلطة تحمي، فيما الدولة اللبنانية لا تدخل المخيم. ويزيد تناحر الفصائل الفلسطينية بين بعضها البعض الطين بلة. كل هذه الأمور أثارها الناشطون الذين إعتصموا نهار الجمعة 11 أيار 2018 أمام جامع الفرقان في المخيم بدعوة من اتحاد الروابط واللجان الشبابية والمؤسسات والمجتمع المدني في رابطة الكابري الإجتماعية. وزامن الناشطون الإعتصام مع ذكرى النكبة الفلسطينية التي تصادف في 15 أيار من كل عام، ليؤكدوا "أن تحرير فلسطين لا يتحقق قبل تحرير الإنسان".

ويسعى الحراك المستمر منذ أكثر من عام إلى تحقيق مطلبين أساسيين: توحيد اللجان الشعبية وتشكيل إدارة متخصصة للإهتمام بشؤون المخيم. وأجمع الناشطون على أن الوقفة ليست سياسية، بل تتعلق بالأوضاع الإجتماعية والمعيشية للناس، برغم أنها لم تخلُ من توجيه إتهامات بالفساد والمحاصصة إلى الجهات المؤتمنة على رعاية شؤون ناس المخيم.

منذ عام والنضال مستمر

سبق للأهالي والجمعيات المدنية أن تحركوا العام الفائت رافعين المطالب عينها، وقد سعوا حينها إلى تنظيم لجنة موحدة مؤلفة من ناشطين مستقلين وآخرين تابعين للجان والفصائل داخل المخيم، إلا أن محاولات إستمرارها فشلت بعدما اصطدمت بالبرامج السياسية للفصائل، وفقاً لتأكيد عدد من الناشطين. ويجمع الناشطون على أن وجود لجنتين شعبيتين في المخيم، إحداهما تابعة لتحالف الفصائل والأخرى تابعة لمنظمة التحرير، يقف عائقاً أمام أي تحسن بالظروف الحياتية للسكان.

يقول المهندس والناشط عادل سمارة أن المخيم "سايب، ولا يوجد من ينظم أمورنا وشؤوننا". ويؤكد أن "مسؤولية الشأن العام داخل المخيم هي من مسؤولية الفصائل الفلسطينية". ويضيف "نريد سلطة حقيقية تضبط المخالف دون تمييز، سواء كان إبن فصيل أم إبن عائلة أم تنظيم". لذا يكمن الحل الأفضل بالنسبة إليهم في "مبادرة الفصائل الفلسطينية لتشكيل قوى أمنية مستقلة تحفظ الأمن والحقوق، لأن مسؤولية الفصائل هي الاهتمام بشعبها". إذ، وفق سمارة، "قبل أن نفكر بتحرير فلسطين علينا أن نحرر مخيمنا من الأشخاص المتسلطين والفاسدين، فلو كان هناك سلطة حقيقية ستمنعني أن أتعدى على جاري وتمنع جاري من التعدي علي". يقول سمارة إن "المخيم مليئ بالتعديات على الصعد كافة، فمن نسأل؟ هل تريدوننا أن نرفع الصوت إلى القوى الأمنية والدولة اللبنانية؟ هل نذهب بذلك الإتجاه، أم نحافظ على قضيتنا بأنفسنا؟".

يتكلم سمارة عن هذا الأمر مؤكداً أن الناشطين تواصلوا مع السفارة الفلسطينية في لبنان والمسؤولين، لكن التوجهات السياسية المتضاربة للفصائل وقفت حاجزاً أمام أي نجاح. ف "المشكلة الأساس هي في الطيف الفلسطيني السياسي والخلافات التي تعجّزنا عن تحقيق مطالبنا".

يلتقي الناشط بديع الهابط مع سمارة على النقاط نفسها، مشيراً إلى أنه على القياديين في المخيم الإصغاء لصرخة الناس والبدء بورشة عمل إنسانية بعيداً عن السياسة: "وصرختنا مستمرة حتى يحصل اللاجئ الفلسطيني على حقوقه".

على أبواب تشكيل مجلس نيابي لبناني جديد، يوجه الهابط النداء إلى الكتل النيابية الجديدة لدعم القضية الفلسطينية، من خلال النظر بالحقوق المدنية والمعيشية لأجل حياة كريمة تساعدهم على الصمود والتفكير بشكل أفضل بفلسطين.

بدوره يعتبر القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين فؤاد ضاهر أن المخيم مليء بالاشخاص الكفوئين الجاهزين للتطوع لأجل العمل في سبيل تعزيز الخدمات في المخيم. إن الإستفادة من هذه الكفاءات، بحسب ضاهر، "من شأنه تحسين  الوضع المعيشي للمخيم". وتكمن المشكلة، وفقاً لضاهر، في "المحاصصات التي تنتشر بكثرة داخل المخيم، حيث يتم خلق وظيفة للشخص بدلاً من أن نبحث عن الشخص المناسب للوظيفة". لذا يأمل ضاهر "ألا يقف الحراك عند هذا الحد"، داعياً الأهالي إلى "حراك أوسع للضغط على القوى السياسة لتشكيل لجنة خدمات سريعة".

 

الكهرباء هي المشكلة الأساسية

يعتبر الهابط أن تدهور وضع الكهرباء ناتج عن عدم وجود إدارة حياتية موحدة في المخيم. فمخيم برج البراجنة الذي لا تتعدى مساحته الكيلومتر مربع، يوجد فيه لجنتين شعبيتين. هذا الأمر بالنسبة للهابط يؤدي إلى "ضياع العمل المشترك الذي من شأنه تعزيز الإنماء داخل المخيم".

لذا، وبعد مرور أكثر من عام على بدء الحراك الشعبي، ومع تردي الأوضاع المعيشية، أصبح من الضروري التوافق على الصيغة التي قدمها الأهالي ، وتم التوافق عليها مع جميع الفصائل بمختلف مكوناتهم، أي توحيد اللجنتين في لجنة واحدة.

 

مشروع تأهيل شبكة الوزان

يقول الناشط عادل سمارة أن هناك ثلاثة أسباب رئيسية لمشكلة الكهرباء في مخيم برج البراجنة: النقص بالطاقة الكهربائية، وسوء حالة الشبكة على إمتداد الزمن بسبب التمديد العشوائي، وسوء الإدارة.

ينتظر أهالي المخيم أن يبدأ العمل على تأهيل شبكة الوزان الكهربائية ضمن مشروع ممول من السفارة اليابانية والصليب الأحمر اللبناني. يؤكد سمارة أن السفارة اليابانية قدمت مبلغ 90 الف دولار أميركي بإسم جميعة البرامج النسائية، وقد واجهنا مشكلة مع المصرف لأجل تحويل الأموال واليوم حصلنا على الموافقة المؤكدة. إضافة إلى ذلك، قدم الصليب الأحمر مبلغ 32 ألف دولار أميركي لأجل شراء محول كهربائي (ترانس)، وقمنا بشراءه ومن المتوقع أن يبدأ نشاطنا في شهر رمضان. يتوقع ان يستغرق تنفيذ المشروع 11 شهراً، "في حال نجحنا بتشكيل لجنة مصغرة تمثل اللجنتين وإتحاد الروابط والمؤسسات لأجل تنفيذ المشروع". يضيف، "نحن نتمنى تشكيل لجنة موسعة لإدراة شؤون المخيم على صورة اللجنة المصغرة، لأن نجاح المشروع يرتبط بوجود سلطة حقيقية وقوى أمنية تدير وتراقب".

من ناحية أخرى يلفت سمارة إلى أنه "حصلنا على موافقة لأجل زيادة التغذية الكهربائية إلا أنه واجهتنا قوى متنفذة في شركة الكهرباء منعتنا من توصيل الكهرباء. وهذا الأمر يعود إلى تاريخنا في التعامل مع الشركة، فهي تقول أنه لديها حقوق على المخيم تتعلق بعدم تقاضيها ثمن ما تمده به من كهرباء. والحال أن الأقاويل تدور حول 280 مليار ليرة كدين لشركة كهرباء لبنان على المخيمات عموماً، "وهو رقم غير مؤكد حتى الآن"، وفقاً لسمارة. لكن على الرغم من ذلك، يؤكد سمارة أن البحث عن الحلول مستمر في سبيل إيجاد الطريقة المناسبة لدفع مبالغ مقطوعة لشركة الكهرباء لأجل تغذية إضافية، مشدداً على أن المشروع الأساسي قبل زيادة التغذية هو تنظيم الكهرباء وإدارتها، و"من ثم نسعى في المستقبل إلى وضع ساعات كهرباء وعدادات في المنازل".