تعهد مجلس نواب الشعب التونسي بتاريخ 15-05-2018 بمشروع قانون يهدف لتنقيح القانون الأساسي للمحكمة الدستورية[1] بناء على مبادرة تشريعية صدرت عن رئاسة الجمهورية التي أرفقت نصه بطلب استعجال نظر بررته بالحاجة لسرعة تركيز تلك المحكمة واستحالة التوصل لذلك من دونه.

عزا مشروع القانون ضمن أسبابه فشل مجلس نواب الشعب في انتخاب حصته من قضاة المحكمة الدستورية لاشتراط توفر نصاب الثلثين[2] وتوقع أن تفشل تاليا الجلسة العامة للمجلس الأعلى للقضاء في ذات الاستحقاق متى حاولت ذلك اعتبارا لصعوبة تحصيل نصاب الثلثين المفروض عليها أيضا[3]. واقترح المشروع لتجاوز ما حدد من خلل أن ينقح الفصلان 11 و12 من قانون المحكمة الدستورية في اتجاه يميز بين ثلاث دورات تصويت على المرشحين من الجلسات العامة لكل منها أغلبية خاصة. ففيما تبلغ هذه الغالبية في الدورة الأولى ثلثي أعضاء الجلسة العامة، فإنها تنخفض إلى الأغلبية المطلقة في الدورة الثانية لتصبح الغالبية البسيطة (أي من حصل من المرشحين على العدد الأكبر من الأصوات) في الدورة الثالثة.

ينتظر أن يؤدي مشروع القانون لانقسام حاد داخل المجلس التشريعي بين الأغلبية النيابية التي ستدعمه والمعارضة التي ستحاول التصدي له.

فمن المرجح أن يعتبر نواب الأغلبية أن فشل مجلسهم في انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية رغم محاولات التوافق التي تمت داخل المجلس دليل على أن فرض الانتخاب بأغلبية الثلثين اختيار يؤدي بالضرورة إلى تعطيل عمل المحكمة الدستورية يقتضي إصلاحه. في الجهة المقابلة، يرجح أن تعزو المعارضة الفشل في انتخاب هؤلاء نكول جانب من الأغلبية عن التوافقات التي تمت بين مختلف الكتل النيابية فيما تعلق بمن سينتخبون لعضوية المحكمة الدستورية.

و بعيدا عن الصراع السياسي الذي سيتولد عن مشروع القانون هذا، يُلاحظ أنها ثاني مرة يضطر فيها مجلس نواب الشعب للنظر في تنقيح قانون يتعلق بهيئة دستورية لم يتم النجاح في تركيزها بالاستناد لنصّ قانونها الأصلي الذي سنّه ذات المجلس. فقد سبق أن تم تنقيح في سنة 2017 قانون المجلس الأعلى للقضاء بعدما تعذر انعقاده نتيجة الاختلاف الحاصل بين أعضائه[4]. وقد تمّ آنذاك تغيير اجراءات انعقاد أول جلسات المجلس.

ويفرض تكرار أزمات تركيز المؤسسات هذا طرح السؤال حول حقيقة فشل جهة التشريع بأغلبيتها ومعارضتها في صياغة نصوص قانونية تكون قادرة على الصمود في وجه ما قد يعترضها من اشكاليات اجرائية كان يفترض أنها متوقعة. ويكشف تكرار تدحلات مماثلة خللا هاما يستحق أن ينظر إليه بمعزل عن صراع المواقع السياسية طلبا لحماية استقرار المؤسسات وفرضا لاستقرار التشريع.

 

 

[1]   قانون أساسي عدد 50 لسنة 2015 مؤرخ في 3 -12- 2015 يتعلق بالمحكمة الدستورية

[2]  ينص الفصل 11 من قانون المحكمة الدستورية في صياغته السارية " يعين مجلس نواب الشعب أربعة أعضاء طبقا لما يلي:
لكل كتلة نيابية داخل مجلس نواب الشعب، أو لكل مجموعة نواب غير منتمين للكتل النيابية يساوي عددهم أو يفوق الحد الأدنى اللازم لتشكيل كتلة نيابية، الحق في ترشيح أربعة أسماء على الجلسة العامة، على أن يكون ثلاثة منهم من المختصين في القانون.
ينتخب مجلس نواب الشعب الأعضاء الأربعة بالاقتراع السري وبأغلبية الثلثين من أعضائه فإن لم يحرز العدد الكافي من المرشحين الأغلبية المطلوبة بعد ثلاث دورات متتالية يفتح باب الترشيح مجددا لتقديم عدد جديد من المرشحين بحسب ما تبقى من نقص مع مراعاة الاختصاص في القانون من عدمه.
وفي صورة التساوي في عدد الأصوات المتحصل عليها، يصرح بفوز الأكبر سنّا."

 [3] ينص الفصل 12 من قانون المحكمة الدستورية في صياغته السارية  يعين المجلس الأعلى للقضاء أربعة أعضاء طبقا لما يلي :
لكل مجلس قضائي الحق في ترشيح أربعة أسماء على الجلسة العامة على أن يكون ثلاثة منهم من المختصين في القانون.
تحدث لدى المجلس الأعلى للقضاء لجنة خاصة تتكون من رؤساء المجالس القضائية الثلاثة توكل لها مهمة التثبت في توفر شروط الترشح من عدمها.
تنتخب الجلسة العامة للمجلس الأعلى للقضاء بالاقتراع السري وبأغلبية ثلثي أعضائها أربعة أعضاء، على أن يكون ثلاثة منهم من المختصين في القانون.
تعاد عند الضرورة دورات انتخابية متتالية إلى حين استكمال انتخاب الأعضاء الأربعة.
في صورة التساوي في عدد الأصوات المتحصل عليها، يصرح بفوز المترشّح الأكبر سنّا

[4]  بموجب القانـون أساسي عدد 19 لسنة 2017 مؤرخ في 18-04-2017 يتعلق بتنقيح وإتمام القانون الأساسي عدد 34 لسنة 2016 المؤرخ في 28 -04-2016 المتعلّق بالمجلس الأعلى للقضاء