في إطار احتفالها باليوم العالمي لحرية الصحافة، بتاريخ يوم 3-5-2018، اختارت الأمانة العامة للأمم المتحدة موضوع العام تحت عنوان "توازن القوى: الإعلام والعدالة وسيادة القانون"[1]. ذلك الموضوع  الذي يشير إلى إحدى أهم الأزمات التي تواجه المناخ العام لحرية الصحافة في مصر. ففي الوقت الذي تدعو فيه الأمم المتحدة الدول الأعضاء لأهمية تهيئة بيئة قانونية تحترم حرية الصحافة ومحاكمة مرتكبي الجرائم ضد الصحفيين، تعمل أجهزة الدولة المصرية المختلفة على إحكام الرقابة على الصحافة والإعلام عن طريق إصدار تشريعات لهذا الهدف أو محاكمة الصحفيين أمام المحاكم الجنائية والاستثنائية[2]. كان أولها في الرابع والعشرين من ديسمبر 2016 حينما أصدر رئيس الجمهورية قرارا بقانون رقم 92 لسنة 2016 بشأن التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام، الذي استحدث "المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام"، وأنشأ الهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام[3]، لاستبدال  كلاً من المجلس الأعلى للصحافة واتحاد الإذاعة والتليفزيون[4] تنفيذًا لأحكام الدستور.[5]

وعلى الرغم من أن الدستور نص على إنشاء تلك الهيئات كوسيلة لتعزيز حرية الصحافة والإعلام، إلا أن القانون حولها إلى أداة رقابية لصالح السلطة التنفيذية. وفي هذا المقال، نركز على المجلس الأعلى للإعلام، حيث أن الهيئتين المُشار إليهما تتوليان إدارة الصحف والقنوات المملوكة للدولة؛ أما المجلس فمن المفترض، حسب نص الدستور، أن يحافظ على حرية الصحافة والإعلام. ولكن نلاحظ أن السلطة التنفيذية حوّلته إلى أداة للرقابة على التليفزيون والصحف، في إطار إحكام رقابتها على كافة وسائل التعبير وتحجيم حرية الفكر والإبداع بكافة صورها.

 

  1. كيف حول القانون المجلس إلى جهاز رقابي؟

تشكيل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام

وفقًا لنص المادة (6) من قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام سالف الذكر، يُشكل المجلس الأعلى للإعلام من ثلاثة عشر عضوًا بقرار من رئيس الجمهورية، يتم اختيارهم على الوجه الآتي: رئيس المجلس يختاره رئيس الجمهورية، ونائب لرئيس مجلس الدولة ورئيس جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، وممثل عن الجهاز القومي لتنظيم الإتصالات. بالإضافة إلى اثنين من الشخصيات العامة وذوي الخبرة يختارهم أيضاً رئيس الجمهورية واثنين آخرون يرشحهم مكتب مجلس النواب، فضلاً عن اثنين من الصحفيين ومثلهم من الإعلاميين الذين ترشحهم مجالس إدارات نقابتي الصحفيين والإعلاميين، وأيضاً مُمثل للمجلس الأعلى للجامعات.

للوهلة الأولى قد يبدو ذلك التشكيل منطقياً ويراعي تمثيل كافة الفئات المخاطبة بأحكام القانون كالصحفيين والإعلاميين بالإضافة إلى الشخصيات العامة ذات الخبرة وأساتذة الصحافة والإعلام العاملين بالجامعات المصرية؛ إلا أن القراءة المتأنية تشير إلى تحكم رئيس الجمهورية مُنفردًا في اختيار عشرة أعضاء من أصل ثلاثة عشر عضواً. فألزم القانون الجهات المُشار إليها بترشيح عدد من الأسماء (ضعف العدد المطلوب) على رئيس الجمهورية الذي يختار من بينهم الأعضاء المُعينين. وهو الأمر الذي يعكس سيطرة السلطة التنفيذية بشكل كامل ومطلق على إختيار أعضاء المجلس ومن ثم السيطرة المطلقة على تنظيم وإدارة  كل ما يخص الصحافة والإعلام بكافة صورها، مما يعصف بضمانات حرية الصحافة والإعلام والتي من المفترض أنها الهدف الأول[6] لعمل المجلس.

 

أهداف عامة واختصاصات واسعة

تضمنت المادة (211) من الدستور مسؤوليات واختصاصات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بشكل عام، مثل تنظيم شؤون الإعلام المسموع والمرئي، والصحافة المطبوعة، والرقمية، وغيرها، بالإضافة إلى ضمان حرية الصحافة والإعلام، ووضع الضوابط والمعايير اللازمة لضمان الالتزام بأصول المهنة وأخلاقياتها، ومقتضيات الأمن القومي؛ على أن يوضح القانون كيفية تنفيذها على وجه التفصيل. ولكن بمطالعتنا لأحكام الباب الثاني[7] من القانون والتي من المفترض أن تتضمن ذلك التفصيل، نجد أنها جاءت مٌكررة لما جاء بالنص الدستوري تقريباً، كما خلت من بيان الضوابط والمعايير التي سيتم من خلالها تحقيق تلك الأهداف. فعلى سبيل المثال، لم يوضح القانون ما هي مقتضيات "الأمن القومي" المشار إليها في الدستور. ذلك المصطلح المُبهم غير المُعرّف والذي تكرر في أكثر من قانون صادر في الفترة الأخيرة؛ والذي يستخدم عادة كمبرر لوقف أو منع أي مادة إعلامية أو صحافية. وبذلك، فقد القانون الغرض الرئيسي لصدوره وهو تفسير النص الدستوري على نحو يسمح بتطبيقه.

ليس هذا فحسب، بل اشتمل القانون أيضاً خلطا كبيرا بين الأهداف والاختصاصات وسبل تحقيق كل منهما، وذلك نتيجة الصياغات غير المنضبطة والسرد المبالغ فيه لتلك النقاط والتي وصلت إلى 43 نقطة. بالإضافة إلى عدد من المصطلحات المبهمة والفضفاضة التي اعتاد المُشرع استخدامها في الفترة الأخيرة في عدد من القوانين. ومنها ما تضمنته الأهداف العامة للمجلس من "حماية لحق المواطن في التمتع بإعلام وصحافة حرة ونزيهة بما يتوافق مع الهوية الثقافية المصرية!!" فما هي تلك الهوية وما مظاهرها؟ وكيف للمجلس أن يحكم على أي من المنتجات الإعلامية والصحفية على مدى توافقها مع الهوية الثقافية المصرية؟ فمن الممكن إعتبار أي مادة إعلامية لا تتوافق مع هوى المجلس إعتداء على الهوية الثقافية المصرية. وهو الأمر الذي حدث بالفعل وسوف نتطرق إليه فيما بعد في ذلك المقال.

أما عن الإختصاصات، فقد جاء على رأسها "تلقي الإخطارات بإنشاء الصحف[8]، وسلطة منح التراخيص اللازمة لإنشاء وسائل الإعلام المسموع والمرئي والرقمي وتشغيلها" ليصبح المجلس هو الجهة الوحيدة المتحكمة في إنشاء الصحف وجميع وسائل الإعلام الأخرى معاً. كما أعطى المشرع للمجلس سلطة "تلقي الشكاوي عما ينُشر بالصحف أو يُبث بوسائل الإعلام، وله إتخاذ الإجراءات المناسبة تجاه الصحيفة أو الوسيلة الإعلامية في خال مخالفتها للقانون أو لمواثيق الشرف!!"، فاتحاً الباب لأي نوع من العقوبات مثل الغرامة أو الإيقاف أو حجب الوسيلة الإعلامية بعد استخدامه لمصطلح "اتخاذ الإجراءات المناسبة" دون تحديد ماهيتها. وللمجلس أيضاً سلطة إحالة الصحفي أو الإعلامي إلى النقابة المعنية لمسألته تأديبياً، وهو الأمر الذي يُعد تدخلا سافرا في شئون النقابات وسلطتها في تأديب أعضائها.

كما يعتبر "ضمان حماية المنافسة ومنع الاحتكار في مجال الصحافة والإعلام" أحد أهم اختصاصات المجلس. ولكن يبدو أن المجلس تخلى عن دوره في ممارسة هذا الإختصاص، وذلك بعدما تناول تقارير إعلامية عديدة حول سيطرة جهات سيادية بشكل مباشر على عمليات انتقال للملكية في سوق الإعلام[9]. ولعل أبرزها انتقال ملكية مجموعة "إعلام المصريين" المالكة لعدد كبير من وسائل الإعلام والصحافة ذات التأثير الواسع لصالح مجموعة "إيجل كابيتال" المملوكة للسيدة داليا خورشيد وزيرة الاستثمار السابقة. فرغم أن هذه العمليات تضفي شبهات احتكار قوية على تلك الكيانات العملاقة، فإن المجلس لم يحرك ساكنًا أو يتخذ أي إجراء.

ويبقى أن ننوه أن صلاحيات المجلس الواسعة لا يقابلها حماية للعاملين في مجال الإعلام، حيث يتقاعس البرلمان حتى اللحظة عن إصدار قانون الصحافة والإعلام الموحد[10]. ومن المفترض أن ينظم هذا الأخير عمل المؤسسات الصحافية والإعلامية في مصر مع توضيح حقوقها وواجباتها وكفالة ضمانات للعاملين فيها ضد أي تعسف. وبالتالي، غياب هذا القانون مع صلاحيات المجلس الواسعة التي أشرنا إليها، توجد نوعا من عدم التوازن الذي يسمح للمجلس باتخاذ ما يحلو له من قرارات دون أي رادع.

 

2. رقابة المجلس على وسائل الإعلام

الرقابة على التلفزيون

بعد شهرين من تشكيله، أي في يونيو 2017، أصدر المجلس تقريرًا يرصد فيه "التجاوزات" الصادرة عن الدراما الرمضانية والبرامج المُذاعة على الفضائيات المختلفة[11]. وتبعه في نفس اليوم قراره بفرض غرامة قدرها 200 ألف جنيه على كل قناة فضائية و100 ألف جنيه للإذاعات إذا تمّ بث لفظ مُسيء من خلال هذه الوسائل، سواء جاء اللفظ خلال برنامج أو ضمن محتوى الأعمال الدرامية أو الإعلانية[12].

بالإضافة إلى ذلك، استخدم المجلس صلاحياته لوقف عدد من البرامج التلفزيونية مثل برنامج (SNL) بالعربي، حيث اعتبر المجلس أن البرنامج دأب على استخدام الألفاظ والعبارات والإيحاءات الجنسية التي لا تليق بالعرض على المشاهدين وتخالف المعايير الأخلاقية والمهنية[13]. كما ألزم المجلس القناة العارضة لبرنامج "أبلة فاهيتا" الساخر بحذف الإيحاءات الجنسية من أي حلقة، ووضع اسم الممثل الذي يتقمص شخصية الدمية (فاهيتا) على تتر البرنامج، حتى يمكن محاسبته عند الخطأ[14]. 

إلى جانب ذلك، قام المجلس بممارسة الرقابة على الحملات الإعلانية حيث قرر حظر بث إعلان للشركة المصرية للاتصالات «We»[15] بحجة أن الإعلان[16] يسيء إلى العلاقات المصرية-الأفريقية. بالإضافة إلى قراره بمنع إذاعة إعلان شركة فودافون الذي تظهر فيه "أبلة فاهيتا" على جميع الشاشات والإذاعات، نظرًا لما يحتويه من ألفاظ ومشاهد لا تليق بالذوق العام وتجافي كل القيم[17]. وكما نلاحظ، تعتمد كل القرارات السابقة على رؤية المجلس بأن تلك الأمور لا تليق "بالذوق العام" أو "تخدش الحياء"؛ مما يعني أن المجلس يمارس دور "شرطة الأخلاق".

 

الرقابة على الصحف

وفي سياق متصل، استخدم المجلس الأعلى للإعلام صلاحياته لعقاب الصحفيين على آرائهم، وهو ما شهدناه في أكثر من واقعة أبرزها التحقيق مع الدكتور عمرو الشوبكى بسبب مقال له في جريدة المصري اليوم اعتبره المجلس يتضمن شائعات من شأنها بث الفتنة الطائفية بين مكونات نسيج الوطن[18]. مما دفع الإعلامي عمرو أديب- والمعروف بقربه من دوائر الحكم في مصر- للتصريح  في برنامجه اليومي أن " المجلس الأعلى للإعلام دوره منذ تشكيله ينحصر في العقاب على الرأي فقط"[19].

وفي أثناء الانتخابات الرئاسية الأخيرة، قام المجلس بتغريم صحيفة المصري اليوم 150 ألف جنيه، وإحالة رئيس تحريرها وصحفي للتحقيق بمعرفة نقابة الصحفيين[20]، وذلك بعد تقرير نشرته الجريدة في صفحتها الأولى تحت عنوان "الدولة حشدت الناخبين للمشاركة في الانتخابات الرئاسية"؛ مع إلزام الجريدة بنشر اعتذار للهيئة الوطنية للانتخابات والتي كانت قد تقدمت بشكوى للمجلس جراء هذا "المانشيت". وهو ما دفع بعض المواطنين إلى تقديم بلاغات ضد الجريدة وإتهامها "بإهانة المصريين" والإساءة للدولة، حيث أحال النائب العام تلك البلاغات لنيابة أمن الدولة[21]. وبعد التحقيق مع رئيس التحرير، قررت النيابة إخلاء سبيله بكفالة مالية 10 آلاف جنية، بعد توجيه اتهامات إليه بنشر الصحيفة أخبارًا كاذبة وبيانات غير صحيحة، وقت أن كان يترأس تحريرها[22].

وفي إطار تغطية أخبار الإنتخابات أيضاً، قرر المجلس فرض غرامة قدرها 50 ألف جنيه على موقع مصر العربية، وذلك بشأن الشكوى المقدمة من الهيئة الوطنية للانتخابات ضد الموقع عما ورد من تقرير نشر بالموقع بعنوان: "نيويورك تايمز: المصريون يزحفون للانتخابات من أجل 3 دولارات".

 

خاتمة

تبين طريقة صياغة القانون بالإضافة إلى الممارسات التي يقوم بها المجلس أن الغرض الرئيسي لإنشاءه هو إيجاد أداة جديدة تستطيع السلطة التنفيذية من خلالها بسط رقابتها الكاملة على أي محتوى صحفي أو إعلامي أو حتى درامي. ففي الوقت الذي تنص فيه المادة (71) من الدستور على حظر فرض أي رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها، يمارس المجلس دورا رقابيا غير مسبوق يهدف إلى إحكام السيطرة على حرية الفكر والتعبير والإبداع والصحافة بكل صورها، وقمع أي أصوات معارضة داخل المشهد الإعلامي. وذلك، تزامنًا مع القضاء على أي مساحة أخرى للتعبير عن الرأي مثل مواقع التواصل الإجتماعي[23].

 

[4]  تم إلغاء تلك المجالس وحلها بموجب المادة الثانية من مواد الإصدار في القانون رقم 92 لسنة 2016 بشان التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام.

[5] راجع المواد 211- 212- 213 من الدستور.

[6] المادة (3) من القانون رقم 92 لسنة 2016: "يهدف المجلس الأعلى إلى ضمان وحماية حرية الصحافة والإعلام في إطار المنافسة الحرة ........."

[7] المواد (3) و(4) و(5) من القانون رقم 92 لسنة 2016.

[8] كان المجلس الأعلى للصحافة هو الجهة المنوط بها تلقي إخطارات إنشاء الصحف بموجب المادة (46) من قانون تنظيم الصحافة رقم 96 لسنة 1996.

[10]  "إعلام البرلمان": الانتهاء من مناقشة قانون الصحافة الموحد أول أبريل المقبل – موقع مصراوي – 11 مارس 2018.

[14]  CBC : إيقاف برنامج «أبلة فاهيتا» لأجل غير مسمى – جريدة التحرير – 8 مارس 2018.

[23] راجع: حسن مسعد،  "كيف نجحت الدولة المصرية في السيطرة على الإعلام الاجتماعي؟ "- المفكرة القانونية – 16 مايو 2018.