كما أشرنا في مقال سابق، فإنه لا يوجد حاليًا قانون ينظم مكافحة الجرائم الإلكترونية في مصر مما يؤثر على ملاحقة مرتكبي  هذه الجرائم مثل اختراق بعض الحسابات أو المواقع. ويقوم البرلمان المصري حاليًا بمناقشة مشروع قانون "مكافحة الجرائم الإلكترونية" الذي من المنتظر أن يتضمن قرابة 45 مادة قانونية؛ أُقر 37  منها حتى الآن[1]. ولا يُعتبر هذا أول مشروع  حيث تقدمت وزارة العدل في 2015 بمسودة قانون إلى مجلس الوزراء[2]، كما تقدم أحد النواب في مايو 2016 بمشروع آخر[3].

 وعلى الرغم من أن رئيس لجنة الإتصالات بمجلس النواب يدعي أن القانون يهدف إلى تحقيق التوازن بين حماية  حرمة الحياة الخاصة ومواجهة الاستخدام غير المشروع للحاسبات وشبكات المعلومات وما يرتبط بها من جرائم لحماية البيانات والمعلومات الحكومية، إلا أن مشروع القانون انحرف عن هذا الهدف ليتحول إلى أداة لمراقبة المواطنين والحد من إبداء الآراء المعارضة.

 

العبارات المطاطية مجددًا: غياب ضمانات حماية المواطنين

بالنظر إلى مواد مشروع قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية، نجد أنه  يتسم بالصياغة المطاطية لكثير من مواده وعلى رأسها التعريفات غير المحددة على وجه الدقة. وأشار قسم الفتوى والتشريع بمجلس الدولة إلى أن المشروع في مجمله يشوبه الغموض ومطاطية العبارات؛ بالإضافة إلى عدم وضوح تبعية الأجهزة المنصوص عليها إداريًا. وهو ما يؤدي بشكل مباشر إلى غياب أية حماية لحقوق المواطنين الدستورية.  

وشمل الغموض تعريف الدليل الرقمي حيث لم يقم مشروع القانون بتعريفه على وجه الدقة[4] وإن أشار إلى كونه سيكون له حجية الأدلة الجنائية فيما يخص الإثبات. وقد أشار رئيس لجنة الاتصالات بالبرلمان إلى أن اللائحة الفنية للقانون ستتولى ذلك بعد صدوره[5].

إلى جانب ذلك، تطرق مشروع القانون لتعريف مصطلح "الأمن القومي" لينص على: "كل ما يتصل باستقلال واستقرار وأمن الوطن ووحدته وسلامة أراضيه، وما يتعلق بشؤون الرئاسة ومجلس الدفاع الوطني والأمن القومي والقوات المسلحة والإنتاج الحربي ووزارة الداخلية والمخابرات العامة وهيئة الرقابة الإدارية والأجهزة التابعة لهذه الجهات". ونلاحظ أن هذا التعريف واسع وكان يجب أن يكون دقيقًا أكثر من ذلك، خاصة أن مشروع القانون يشدد العقوبات المقررة عند اتصالها بالأمن القومي. كما أن التعريف يربط الأمن القومي بجهات بعينها، وهو ما يمكن استخدامه لمنع نشر أية أخبار أو معلومات تمس هذه الجهات؛ مما يخل بحق تداول المعلومات.

 

الضبطية القضائية أو الرقابة المقننة

يمنح المشروع العاملين بالجهاز القومي لتنظيم الاتصالات حق الضبطية القضائية؛ بالإضافة إلى من تحددهم جهات الأمن القومي (مادة 5). والجدير بالذكر هنا أن قانون الإجراءات الجنائية ينص على "من هم" مأموري الضبط القضائي وصلاحياتهم؛ بالإضافة إلى نص القانون على امكانية صدور قرار من وزير العدل بالاتفاق مع الوزير المختص لتخويل بعض الموظفين صفة مأموري الضبط القضائي[6]. وبالتالي، يأتي المشروع ليضيف هذه الصفة على العاملين بالجهاز القومي للاتصالات بنص تشريعي وليس بقرار يمكن إلغاؤه إذا زال سببه. وهو ما يوحي أن الهدف منه هو تحول الجهاز لأداة رقابة مقننة للاطلاع على حسابات المواطنين على الانترنت ومراسلاتهم الخاصة؛ مما ينتهك نص المادة 99 من الدستور المصري[7]. بالإضافة إلى ذلك، أجاز المشروع لمأموري الضبط القضائي، بعد الحصول على إذن قضائي من الجهة المختصة لمدة ثلاثين يوماً متجددة، ضبط أوسحب أو جمع أو التحفظ على البيانات والمعلومات أو أنظمة المعلومات وتتبعها فى أي مكان أو نظام أو برنامج أو حاسب تكون موجودة عليه، وكذلك البحث والتفتيش والدخول إلى برامج الحاسب تحقيقاً لغرض الضبط (المادة 6). ذلك بالإضافة إلى حقهم بأمر مقدم الخدمة -أي شركات الانترنت والاتصالات- بتسليم ما لديها من بيانات أو معلومات تتعلق بجهاز تقني موجود تحت سيطرتها وكذلك بيانات مستخدمي الخدمة وحركة الاتصالات التي تتم على ذلك النظام. وهو ما يفتح الباب لاستخدام هذه المادة للحصول على بيانات المواطنين بزعم "تحديد الجناة" خاصة في ظل عدم وجود قواعد إجرائية تضمن حماية المواطن من انحراف السلطة. كما ألزمت المسودة مقدمي الخدمة بتوفير كل الإمكانيات الفنية لديهم حال طلبها من جهات الأمن القومي، دون توضيح ماهية الإمكانيات الفنية وما إذا كان المقصود بها عناصر مادية مثل الأجهزة والآلات أم العناصر البشرية مثل المهندسين والمتخصصين والفنيين أم معنوية مثل البرامج وغيرها من السوفت وير. وقد استشف قسم التشريع بمجلس الدولة من ذلك وجود "شبهة عدم دستورية"[8]. والجدير بالذكر أن هذه المادة شهدت مناقشة داخل مجلس النواب، حيث عدل قسم التشريع بمجلس الدولة المادة لتنص على "الإمكانيات الفنية المتاحة لديهم" وهو ما اعترض عليه ممثل وزارة الدفاع طالباً إعادة المادة إلى أصلها؛ وهو ما تم الاستجابة له[9].

تجدر الإشارة إلى أن المشروع يجرم مقدمي الخدمة عند مخالفتهم لهذه المادة. وهو  ما اعتبره قسم التشريع بمجلس الدولة مخالفاً لما استقرت عليه المحكمة الدستورية العليا من أن فكرة الجزاء جنائيًا كان أو تأديبيًا أم مدنيًا تعني أن خطأ معينًا لا يجوز تجاوزه قد وقع[10] . كما أن نص المادة يخالف المادة 58 من قانون تنظيم الاتصالات التي تنص على التزام الجهاز بالحفاظ على سرية بيانات المستخدمين حماية لخصوصيتهم.

 

تقنين حجب المواقع الإكترونية

كما أشرنا في المقال السابق، فإن حجب المواقع الالكترونية تزايد في الفترة الأخيرة، كأداة لإسكات الأصوات، دون أي إطار قانوني لذلك ودون معرفة الجهة المختصة بهذا الاجراء. ويأتي مشروع القانون ليضع إطارا قانونيا لهذا الإجراء؛ مما يشير إلى التوسع في استخدامه في المستقبل[11]. فالمشروع يعطي الصلاحية لجهات التحقيق لإصدار قرار بحجب المواقع الالكترونية متى رأت أن المحتوى المنشور عليها يشكل جريمة أو من شأنه الإضرار بالأمن القومي أو يعرض أمن البلاد أو اقتصادها القومي للخطر، ثم يعرض قرار الحجب على المحكمة المختصة خلال 24 ساعة. وهو ما كان يفترض أن يكون إجراء سابقا على قرار الحجب وليس لاحقا له. إلى جانب ذلك، أعطى المشروع جهة التحري والضبط، في حالة الاستعجال لوجود خطر حال أو ضرر وشيك الوقوع، أن يبلغ الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات والذي يخطر بدوره مقدم الخدمة على الفور بالحجب المؤقت، على أن يتم العرض على جهات التحقيق خلال 48 ساعة. وهنا تجدر الاشارة إلى أن المشروع لم يوضح كيفية تحديد ما إذا كان المنشور يهدد الأمن القومي أم لا، ومن يقرر ذلك. إلى جانب ذلك، أعطى المشروع جهة الضبط 48 ساعة لعرض قرارتها على سلطة التحقيق، في حين أعطى جهة التحقيق 24 ساعة لعرض قرارها على المحكمة المختصة. وهو ما أشار إليه قسم الفتوى والتشريع معتبرًا أن جهة التحري والضبط المختصة تتمتع بصلاحيات على سبيل الاستثناء أكثر مما  تتمتع به جهات التحقيق صاحبة الحق الأصلي؛ وهو ما يقتضي تعديله.

وعلينا أن نشير إلى أن المشروع يعطي جهتى التحقيق والضبط بهذه النصوص، سلطة توقيع عقوبة وهي الحجب، وهو ما لا يصح حيث أن سلطة توقيع العقوبة هي من اختصاص المحكمة المختصة فقط. وبالتالي، يقوم المشروع بتوسيع صلاحيات هذه الجهات، لتمتد إلى أبعد من مجرد اتخاذ تدابير احترازية بحق المتهمين لتصل إلى فرض العقوبات.

 

المنع من السفر

إلى جانب ما سبق، أجاز المشروع للنائب العام أو من يفوضه الحق بمنع المتهم سواء بارتكاب جريمة في أي من الجرائم المنصوص عليها أو الشروع في ارتكابها من السفر خارج البلاد أو وضع اسمه على قوائم ترقب الوصول. وهو ما يتفق مع اتجاه البرلمان الحالي لتنظيم المنع من السفر[12] ، إلا أن المشروع لم يشترط أن يكون الأمر مسببًا ولمدة محددة. وأشار قسم الفتوى والتشريع في ملاحظاته إلى أن هذا الأمر يخالف نص المادة 62 من الدستور التي تكفل حرية التنقل.  كما أنه في حالة تقدم الممنوع من السفر بتظلم أمام محكمة الجنايات، ورُفض طلبه، نص المشروع على ضرورة مرور 3 أشهر حتى يتمكن من تقديم تظلم جديد، وهو ما يتفق مع مشروع قانون الإجراءات الجنائية، ولكن قسم التشريع  ارتأى أن هذه المدة طويلة نسبة إلى الجريمة محل التحقيق.

 

العقوبات في مشروع القانون

جاء مشروع القانون بعقوبات مشددة من الغرامة والحبس حتى وصلت إلى السجن المشدد اذا كان الجرم يتعلق بالأمن القومي[13]. وأشار قسم التشريع بمجلس الدولة إلى أن الكثير من مواد المسودة خالفت الفلسفة العقابية المستقر عليها في المحكمة الدستورية وهي أن الجزاء سواء كان تأديبيًا أو جزائيًا يعني أن خطأً معينًا لا يجوز تجاوزه قد حدث[14]؛ وهو ما نفهم منه أن المشروع عاقب على أمور لا تستحق العقاب.

بالإضافة إلى ذلك، قام المشروع بتشديد العقوبة لارتكاب جرائم غير معرفة على وجه الدقة. فالمادة 35 تعاقب بالسجن المشدد إذا كان الغرض من ارتكاب الجريمة "الإخلال بالنظام العام"، أو "تعريض سلامة وأمن المجتمع للخطر"، أو "الإضرار بالأمن القومي للبلاد أو بمركزها الاقتصادي" أو "تعطيل أحكام الدستور والقانون"...وهي كلها أمور يصعب قياس تحققها. وبالتالي، تفتح الباب لعقاب الكثير من الأشخاص بعقوبة مشددة من دون أن يكونوا بالضرورة ارتكبوا جرما يستحق ذلك.[15]

 إلى جانب ذلك، لم يفرق المشروع بين الجرائم العمدية وغير العمدية من حيث تجريم كل منهما والعقوبة المقررة؛ فعلى سبيل المثال يقرر القانون نفس العقوبة لمن دخل عمدًا أو دخل خطأ على موقع أو حساب خاص[16]. كما أن المشروع ينص على معاقبة المعتدى عليه فى حالة عدم اتخاذ إجراءات الحماية اللازمة أو فى حالة عدم الإبلاغ عن وقوع ضرر ، وهو ما يتعارض مع الأسس القانونية المتعلقة بعدم جواز توقيع عقوبة إلا لجرم، إذ يحق للمجني عليه أن يقرر ملاحقة مرتكب الجريمة  قانونياً أم لا.

كما قام المشروع بفرض العقوبات دون فلسفة عقابية واضحة؛ فنجد أنه يعاقب على فعل بالسجن ثلاث سنوات مثلا ثم على فعل آخر موازٍٍ له في الدرجة ب10 سنوات. وهذا ما أشار قسم التشريع إليه معتبرًا أن المشروع انتهج سياسة التخيير العقابي في بعض الجرائم دون البعض الآخر [17] دون بيان الفلسفة أو الحكمة التشريعية من تلك المغايرة. وذهب القسم إلى أن هذا الأمر يشكل إخلالاً لمبدأ شرعية الجزاء وتفريد العقوبة.

 

 خاتمة

يعكس مشروع القانون بصيغته الحالية نية بعض الجهات السيادية فى الدولة في التحكم والسيطرة على الإنترنت بصورة كاملة عن طريق مراقبة المواطنين عليه أو التحكم في المعلومات المنشورة عليه. وتمثل تلك السياسة القمعية انتهاكا للحق في الخصوصية والذي أصبح حقا مهدرًا تمامًا دون ضمانات تحميه في ظل التوسع في الصلاحيات والامتيازات التي تمنح لأجهزة الدولة للرقابة على المواطنين؛ بالإضافة إلى انتهاك الحق في تداول المعلومات.

فعلى المستوى الدولي، أصدرت الجمعية العمومية للأمم المتحدة قرارها بشأن الخصوصية في العصر الرقمي، والذي جاء يعبر عن الخطر الشديد بشأن القدرة المتنامية للمؤسسات الحكومية في الوصول إلى خصوصيات الأفراد من خلال المراقبة عبر وسائل التكنولوجيا سواء كان الأشخاص المراقبون داخل الدولة أو خارجها. وأكدت على حق الأفراد في الخصوصية فى ظل هذا التقدم التكنولوجي موضحة أن ذات الحقوق التي تثبت للأفراد خارج نطاق الإنترنت يجب أن تكون محمية عليه؛ بما فيها الحق في الخصوصية[18]. وهو ما يفتقده مشروع القانون الذي جاء لمراقبة وعقاب المواطنين وليس لحماية بياناتهم وحقوقهم.

 


[1] راجع موقع مدى مصر " وسط مطالبات بتغليظ العقوبات.. اتصالات النواب تقر 37 مادة من " جرائم تقنية المعلومات " رانيا العبد 10/04/2018

[2] راجع محمد حمامة – هكذا يأخذك قانون الجريمة الإلكترونية إلى السجن -موقع مدى مصر الإلكتروني بتاريخ 21 سبتمبر 2016

[3] راجع جريدة الوطن بتاريخ 11 مايو 2016 " الوطن" تنشر نص قانون الجريمة الإلكترونية أمام النواب.

[4] راجع رانيا العبد ورنا ممدوح، "قراءة في جرائم المعلومات: تقنين للحجب وكثير من الغموض"، مدى مصر، 13-3-2018.

[5] أشار أن تعريف الدليل الرقمي سيكون: "المعلومة الالكترونية التي لها قوة أو قيمة ثبوتية مخزنة أو منقولة أو مستخرجة أو مأخوذة من أجهزة الحاسب الألي أو الشبكات المعلوماتية وما في حكمها، ومن الممكن تجميعها وتحليلها بإستخدام تقنيات تكنولوجية خاصة."، حسب المرجع السابق.

[6] للمزيد عن الضبطية القضائية، يُرجى مراجعة: فتوح الشاذلي، "مهرجان الضبطية القضائية للجميع في مصر"، المفكرة القانونية، 2-10-2013.

[7] تنص المادة 99 على أن: " كل اعتداء على الحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للمواطنين وغيرها من الحقوق والحريات العامة جريمة لا تسقط بالتقادم"

[8] مرجع رقم 5.

[10] راجع تقرير قسم الفتوى والتشريع عن مشروع القانون.

[11] راجع التقرير ربع السنوي الحالة حرية التعبير فى مصر ( يناير – مارس 2018) الصادر عن مؤسسة حرية الفكر والتعبير بتاريخ 16/05/2018.          

[13] راجع المادة 35 من مشروع القانون.

[14] مرجع رقم 5.

[15] مرجع رقم 5.

[16] مادة 16 من مشروع القانون- مرجع رقم 5.

[17]  راجع المواد 17، 18، 27، 31، 34 من المشروع.

[18] قرار الجمعية العمومية رقم 2131، بشأن عدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية للدول.